Back to Publications
Publications Articles

The Fortieth Anniversary of the Libyan Regime: On Waste and Nonsense

Forty years and "Brother Colonel" isn't taken seriously—that's precisely the secret of his survival: $46 billion a year and one million Libyans below the poverty line.

أربعينية النظام الليبي: في الهدر والهذر

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

أربعينية النظام الليبي: في الهدر والهذر

فواز طرابلسي

ما سرّ إستمرارية الانظمة العربية؟ بل ما أسرارها؟

يستحق الموضوع وقفة تأمل. خصوصاً ان منطقتنا مشهورة، ولا فخر، بديمومة حكامها، أفرادا وسلالات، عقودا وراء عقود من الزمن، وممارستهم توريث السلطة، في الجمهوريات قبل الممالك، ناهيكم عن تسمية البلدان على أسماء الاسر الحاكمة.

على الرغم من ذلك، لا يبدو ان الموضوع يثير كبير اهتمام. فمنذ ان أغدِقَت علينا نعمة تعليمنا الديمقراطية، يكاد ينحصر الهمّ في تفسير اسباب «غياب» الديمقراطية في العالم العربي. وبالقدر ذاته تتقلّص الجهود المبذولة للبحث في وصف وتشخيص الـ«موجود»: اي الانظمة الاستبدادية، بمنوعاتها كافة، وآليات تغشيلها وعوامل استمراريتها.

ولما كان الجواب الجاهز على «الغياب» هو طبعا ضرورة «الحضور»، فليس صدفة ان يتحول الجهد الاكبر في عملية «نشر الديمقراطية» الى جهد تبشيري وتعليمي. فمن ذا يخطر في باله البحث في «طبائع الاستبداد» وتناقضات انظمتها وسبل تجاوزها وتعيين قوى عملية التغيير الديمقراطي ومسارات الانتقال التي تستوجبها؟ بل اي منظمة من «المنظمات غير الحكومية»، واي هيئة من هيئات المجتمع الاهلي، الدولية منها والمحلية، وكلها ديمقراطية طبعا، مستعدة لتمويل دراسات في هذه المواضيع؟

بل نستطيع القول إن عملية الاستبدال للحضور بالغياب، صارت بذاتها سبباً من اسباب التواطوء على استمرارية الانظمة لعدم بذل الجهد المطلوب لمعرفتها من اجل تغييرها. اليها يضاف استسهال التعميم على الانظمة العربية قاطبة بعبارة «النظام العربي الواحد». هو تعميم قد تحول الى تعمية. وبغض النظر عن نسب الصحة فيه، يبقى أن التعمية تسمح لمطلقيها ان يتفلّتوا من تحمّل اية مسؤولية عن تخصيص هذا النظام او ذاك بالنقد والمساءلة والمحاسبة.

تشكل أربعينية الجماهيرية الليبية مناسبة لتناول عيّنة واحدة على استمرارية نظام عربي وقائده خلال اربعة عقود من الزمن. بعيدا عن الادعاء بإمكانية استيفاء الموضوع حقه، يكفي إجراء تمرين في تلمّس بعض «طبائع الاستبداد» وعوامل ديمومتها وتعيين ضخامة جهلنا لتلك الانظمة.

ينفرد حكم «الاخ العقيد» الفردي بخاصة تكاد تنحصر فيه. هي شعور سائد بأن «العقيد» لا يؤخذ على محمل الجدّ. فهو، في أفعاله الكثيرة واقواله ناهيك عن القابه وأزيائه وخِيمه (المكيّفة) ونوقه وجِماله وجياده المطهمة (يتبختر فيها في يوغسلافيا مثلا)، يوحي بأنه رجل فكاهي واستعراضي بل يذهب البعض الى اعتباره مجرد «مهرّج». حقيقة الامر ان زعيم ليبيا الاوحد يستغل هذا الشعور ويبني عليه، ويحوّله لصالحه. بل ان الوقاحة التي بها يمارس مزاجيته وتعاليه وإستهتاره باي عرف وبالرأي العام والقانون والحقوق تسمح له بالتفلّت من اية محاسبة وبممارسة التدجين المستدام ضد النقد والمعارضة.

لكن الهزل ينتهي هنا ليبدأ الجدّ.

يسيطر «الاخ العقيد» على واحدة من اكبر الثروات النفطية العربية (والافريقية). فالدخل الاهلي للفرد في بلاده يوازي نظيره في العربية السعودية. ويتميز النفط الليبي الى ذلك بميزات اضافية من حيث الخِفة والقرب من مصادر الاستهلاك. كذلك يسيطر العقيد، مثله مثل زملائه الرؤساء والملوك والامراء والشيوخ والسلاطين العرب، على أرصدة مالية مليارية موظفة في معظمها في الحواضر الاروربية.

ومع ان هذه السيطرة اداة فتاكة للسيطرة السياسية والاجتماعية من خلال التوزيع الاجتماعي، فإن المنظومة الاقتصادية الاجتماعية التي بناها العقيد آخذة بالانهيار. فمن جهة، لا يزال يعيش مليون من الخمسة ملايين ليبي تحت سقف الفقر. ومن جهة ثانية، ها هو «الاخ القائد» يعلن بنفسه فشل كافة مشاريعه التنموية إذ قرّر ان يوزع حصصا من العائدات النفطية مباشرة على الليبيين بمعدل ٢٣ الف دولار للفرد سنويا، على امل ان يجري توظيف المبالغ في القطاع الخاص.

ليس يوجد في تصرّفنا احتساب لمبالغ الهدر الذي تكبدتها الثروة الوطنية الليبية جراء مغامرات العقيد القذافي العربية والافريقية والدولية. ومع الانصاف يقتضي ان البعض من انقافه لعب دورا في دعم حركات التحرر وطنية، الا ان هذا لا يقاس اطلاقا بحجم الانفاق الذي يقع في خانة الهدر والضرر.

واذا كان لنا ان نستقرب، هذه عيّنة عن الهدر خلال احتفالات الفاتح الاخيرة. حيث نصبت اكبر خيمة في العالم جرى تحتها استعراض راقص واحد شارك فيه ٨٠٠ راقص وراقصة من سائر انحاء العالم، كلّف ٣٠ مليون جنيه استرليني لليلة واحدة.

وللمناسبة ذاتها، أعلن العقيد القذافي عن اختراع … سيارة، مثلما فعل هتلر في آخر ايامه. مع فارق ان سيارة فولكسفاغن (سيارة الشعب) التي صممها الزعيم النازي كانت مائة في المائة من صنع الماني من حيث المواد الاولية والتقنية والعمالة. اما «الصاروخ»، وهو اسم سيارة العقيد، فلا شيء ليبياً فيها الا المال. اما عن المركوب الشعبي، فإعلم ان ثمن كل نموذج من النموذجين اللذين صنعتهما شركة سيارات ايطالية هو مليونا يورو!

بلد ضرب الارقام القياسية في تبديد موارده. اللهم الا ما هو مخزون منها في الارصدة والتوظيفات؟ اين؟ في اورو اميركا. للتذكير ليبيا تدخل ٤٦ مليار دولار سنويا، ما يوازي السعودية من حيث دخل لستة ملايين نسمة. تعليم وطبابة مجانية وتعويضات للسكن والنقل، الا ان النقابات ممنوعة ومعها اي نوع آخر من الحركات او التنظيمات الاجتماعية. مستوى الاجور متدنٍ جدا. لا تزال الادارة تستوعب اكثرية العمالة ومعدلات بطالة الشباب ٣٠٪ فيما تتكدس الميليارات في الارصدة الموظفة في الخارج او في جيوب القلة من المنتفعين من النظام.

—–

المؤكد ان استخدام الثروة النفطية سمح للعقيد ليس فقط بالتأثير على جمهوره من خلال ادواره الخارجية. ولكنه خوّله حماية نظامه من السقوط والاسقاط. فالانفاق النفطي سمح بدفع مليار دولار وازود على سبيل التعويضات لـ٢٧٠ اسرة من ضحايا تفجير الطائرة فوق لوكربي باسكوتلاندا ومكّن من التغطية على اغتيالات المعارضين عبر اوروبا مروراً بالتعمية على اختفاء الامام موسى الصدر. هذا دون ان نتحدث عن التغطية على الانقلاب السياسي البهلواني الاخير الذي اعلن بواسطته المصالحة مع الولايات المتحدة (من يتذكّر شعار «طظ طظ في امريكا»؟)

والانفاق النفطي قد مكنّ «القائد» من ممارسة اشكال من الابتزاز الخارجي لا نظير لها. فبالمال النفطي، انتزاع مؤخرا الافراج عن محمد المقرحي المحكوم في قضية لوكربي. وقد اعترف إبهه، سيف الاسلام القذافي، بأن وراء عملية اطلاق سراح السجين قبل الاوان، عقدٌ قيمته بـ٩٠٠ مليون دولار يمنح شركة «بي.پي» البريطانية، التي اممها العقيد ذاته لثلاث وثلاثين سنة خلت، امتياز التنقيب على النفط والغاز في حقول شاسعة.

وبالمال النفطي، عاقب «ملك ملوك افريقيا» سويسرا التي اعتقلت شرطتها ابنه هانيبعل وزوجته بتهمة التعرّض بالضرب لعامل عربي مغربي وزوجته. فسحب ارصدة ليبيا البالغة قيمتها ٤ مليارات دولار من المصارف السويسرية. وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وطرد الدبلوماسيين السويسريين واحتجز اثنين منهم واوقف تصدير النفط، ما استدعى ان يزور وزير الخارجية السويسري طرابلس ويعلن الاعتذار العلني على «الحادثة» دون ان تنتهي الازمة فصولا.

في السياسة، لا بد من الاعتراف للعقيد بأنه ابتكر صيغة اكثر حذاقة للحكم من انظمة حكم الحزب الواحد الطليعية. فتحت شعار «من تحزّب خان»، وتسليم الحكم للجماهير، فتّت كل مراكز القوة والقرار الى عشرات بل مئات من «المؤتمرات الشعبية» و«اللجان الثورية». هكذا يتوارى «الاخ القائد» وراء حجاب سلطة «جماهيرية» ليمارس حكما فرديا مطلق السلطات والصلاحيات يعتمد بالدرجة الاولى الى اجهزة الامن والمخابرات. وهكذا يبقى الرجل الذي ينفرد في العالم بأنه الحاكم الذي لا منصب رسميا له، خارج نطاق المسؤولية والمساءلة او المحاسبة ناهيك عن تداول السلطة.

آخر ابتكارات صاحب «الكتاب الاخضر» طلب رسمي تقدمت به ليبيا الى الجمعية العمومية للامم المتحدة بتقسيم سويسرا واعادة اجزائها الى البلدان المجاورة.

لعل افضل ردّ وحدوي عربي على فكرة القذافي التقسيمية هو إقتراح ضم ليبيا الى مصر لعلها تساعد بعض الشيء في التخفيف من الاعباء التي يتكبّدها اكثر من ٨٠ مليون مصري من جوع وفقر ومرض وبطالة وامية ومن انهيار مقومات الدولة وبؤس الحياة اليومية والمؤسسات العامة ناهيك عن معاناة الشعب المصري من حكم فردي مماثل، يثير الاسئلة حول عوامل استمراريته، وهو يستعد للتوريث هو ايضا.

ولا يردع المرء عن تقديم مثل هذا الاقتراح سوى ما يكنّه من احترام للشعب الليبي وحقه في تقرير مصيره بنفسه.

Themes
Political Economy Politics
Countries
Egypt
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Political Economy Democracy Arab Nationalism Libya

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.