نحن و«المحرقة» وفلسطين
فوّاز طرابلسي
انعقد في طهران مؤتمر عن «المحرقة» النازية بحق اليهود (الهولوكوست) حضره عدد من المؤرخين والكتاب الاوروبيين والاوستراليين من ناكري «المحرقة» النازية وقائد سابق لعصابة «كو كلوكس كلان» العنصرية المعادية للاميركيين السود وحاخامات يهود معادون للصهيونية وغيرهم. خطب الرئيس الايراني محمد احمدي نجاد في المؤتمرين مؤكدا ان اسرائيل سوف تزول مثلما زال الاتحاد السوفياتي. ومع ان العدد الاكبر من الحضور تبارى في انكار الابادة النازية لليهود الاوروبيين على انها «خرافة» او في التشكيك في عدد ضحاياها، فقد اختتم المؤتمر باعلان تشكيل لجنة دولية للتحقيق في «المحرقة».
المؤتمر خير تعبير عن خطاب سائد في اوساط قطاع من النخب العربية (والايرانية) تجاه «المحرقة» اليهودية والصهيونية ودولة اسرائيل عموما، بعد ان انتقل هذا «الاختصاص» – في مؤتمرات من هذا النوع من ليبيا العقيد القذافي الى ايران الجمهورية الاسلامية. هو خطاب هلوسة ممعوس ب«الغرب»، غير قادر على التحرر منه. وجهه الاول، الرغبة في محاكاة «الغرب» -وتحديدا الغرب الديمقراطي المعادي للنازية- بلغته، فيجري تشبيه الصهيونية بالنازية للتدليل بالمثال المفهوم على فظاعة ارتكابات اسرائيل العدوانية العسكرية. «مثلما انتم ناضلتم ضد النازية نحن نناضل ضد الصهيونية». هذا نموذج عن هذا الخطاب على لسان نائب من «حزب الله» متوجها الى المرشحة الاشتراكية للرئاسة الفرنسية سيغولين رويال. فقامت عليها الدنيا- دنيا اليمين الفرنسي- ولم تقعد بعد. لكن للخطاب وجهه الآخر المناقض تماما للوجه الاول. وهو الرغبة العربية (والايرانية) في التشبّه بالنازيين. اي الرغبة في التماهي مع «الغرب» الاخر، «غرب» النازيين. ولسان الحال هنا: «يا ليته أكمل عليهم كلهم». هو: هتلر. وهم، طبعا، اليهود. هنا يضع العربي (والايراني) نفسه في وضع ينطبق عليه المثل القائل: «كاد المريب ان يقول: خذوني». فكأننا في التمني نريد ان نرتكب الجريمة ذاتها التي لم يكملها الصهاينة، الجريمة ذاتها التي نستنكرها!
ولكن، ما شأننا نحن في كل هذا؟ تمت الجريمة في اوروبا. مارسها اوروبيون على اوروبيين. خلالها اباد النظام النازي بين الاعوام ١٩٤٢ و١٩٤٥ حملة ابادة عنصرية ضد اليهود والغجر ولكنها طاولت ايضا المعادين للنازية والمقاومين للاحتلال النازي من مختلف الجنسيات والاتجاهات السياسية من شيوعيين وكاثوليكيين. للتذكير: اذا كانت العقيدة التفوّق العنصري الهتلرية تضع اليهود في اسفل المراتب، فإنها لم تعتبر ان ثمة ادنى منهم مرتبة غير …. العرب! والمهم هنا ان «المحرقة» النازية شكلت العامل الرئيسي في قيام دولة اسرائيل اكان من حيث تزويد الهجرة اليهودية الى فلسطين بمئات الالوف من الفارين من الجحيم النازي ام من حيث استدارها العطف الاستثنائي على الضحايا نجحت الصهيونية في تحويله تأييدا لمشروعها في فلسطين.
نعم، ان الصهيونية واسرائيل تستغلان «المحرقة» لتبرير سياساتها في فلسطين. وقد ابان ناقدون جادون للصهيونية من امثال نوام تشومسكي ونورمان فنكلنستين كيف ان اسرائيل والصهيونية اعادتا تصنيع «المحرقة» بعد حرب حزيران ١٩٦٧. لاحظوا: جرى التركيز على اسرائيل بما هي المأوى لبقايا ضحايا الابادة النازية، بعد الانتصار الاسرائيلي في تلك الحرب! وهو تكتيك صهيوني بروباغاندي بات مألوفا: ادعاء الضحية في الوقت الذي تمارس فيه اسرائيل ذورة دورها بما هي الجلاد بامتياز.
هل نقدم مساهمة مقنِعة في فضح هذا «التصنيع» إن نحن انكرنا جرائم الإبادة النازية بحق اليهود؟ هل نسهم في لفت الانظار الى الجرائم التي يرتكبها النازيون الجدد في حق الشعب الفلسطيني ان نحن خفضنا عدد ضحايا النازية التاريخية؟ وما معنى التشبيه الاتهامي للصهيونية بالنازية إن نحن برأنا النازيين من جريمتهم التاريخية الكبرى التي هي «المحرقة»؟ بل اذا نحن قدّمنا انفسنا شركاء في ذلك الجرم؟ ثم اليس هذا هو صنو ما تفعله الصهيونية نفسها تماما حين تدّعي احتكار دور الضحية وتحرم الفلسطينيين حتى من حق الادعاء بانهم ضحايا؟
تبقى ملاحظتان.
اولا، في تشبيهه زوال اسرائيل- المتمنى- بزوال الاتحاد السوفياتي-المتحقق- يقترب الرئيس احمدي نجاد كثيرا من تقليد عريق من تقاليد اقصى اليمين الاوروبي والاميركي الذي يدغم بين الشيوعية واليهودية، ويروّج لتهويمة «المؤامرة اليهودية-الشيوعية» للسيطرة على العالم. لمستشاري الرئيس الايراني ان يلقنونه ما يجب او لا يجب ان يقوله بشأن اسرائيل في مخاطبته لـ«الرأي العام العالمي». هذا شأنهم وهو آخر هموم كاتب هذه الكلمات. لكن في صلب همومه التذكير بالاتي: اذا كان الرئيس احمدي نجاد يحمل اي حرص على قضية الشعب الفلسطيني ونضاله، فلا بد انه يعلم ان «زوال» الاتحاد السوفياتي اسهم في تقوية دولة اسرائيل التي يتمنى لها الزوال لا العكس. وحتى لا نذهب بعيدا، لو ان الرئيس نجاد اطّلع على تقارير سفارته في بيروت عن آخر مؤتمر تضامني مع المقاومة و«حزب الله» لإكتشف ان القسم الاكبر من حضور ذلك المؤتمر كان من الذين ينتسبون الى اليسار. قد لا يكون هؤلاء ممن تماهى مع النموذج السوفياتي بالضرورة، لكنهم يشاركونه التطلّع الى تجاوز الرأسمالية نحو مجتمع عالمي اعدل يجمع الحرية الى المساواة.
ثانيا، اليس اجدى بالجمهورية الاسلامية الايرانية ان تبادر الى تشكيل لجنة تحقيق دولية – ومحكمة شعبية دولية- في الجرائم الاسرائيلية بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني، وفي استخدام الجيش الاسرائيلي الاسلحة الممنوعة في عدوانه الاخير على لبنان؟
ان كاتب هذه السطور متضامن مع حق الجمهورية الاسلامية الايرانية في تخصيب الاورانيوم للاغراض السلمية، بل مع حقها في امتلاك السلاح النووي، الى ان ينزع السلاح النووي في المنطقة كلها. لكن هذا لا ولن يمنع من إنتقاد سياسات النظام الايراني، الداخلية منها والخارجية، ومن رفع الصوت عاليا ضد ممارساته الاخيرة ومنها الحملة التي تشنّها السلطات الايرانية على العلمانيين الايرانيين، والتي شملت مؤخرا رجال دين من دعاة فصل الدين عن السياسة.
ان هذا النقد ليس مجرد حق. انه واجب.
