موازنة الحزب الأوحد
فواز طرابلسي
ترى بلدان العالم إلى الموازنة بما هي وثيقة رسمية سنوية تعرض السياسات الحكومية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية والخدمية والسياسية. هي برنامج ينطوي على التزامات زمنية لتنفيذ تلك السياسات. نقول في كل بلدان العالم، اللهم إلا عندنا. أولاً، لأننا اكتشفنا أننا كنا نعيش من غير موازنة خلال السنوات الخمس الأخيرة. وثانياً، لأن رئيس وزرائنا لا يوافق على هذا التعريف إذ تقول حكمته إن «الموازنة شيء والسياسات شيء آخر».
ومع أننا لم نفهم تماماً معنى هذا التمييز، سوف نجهد لإلقاء نظرة على موازنة 2010 من حيث أنها موازنة وسياسات في آن.
أقرّت موازنة العام 2010 متأخرة ستة أشهر، ويجري التحضير منذ الآن لموازنة العام المقبل. هي موازنة سهلة ومبسطة تنفق 99% من إيراداتها على أبواب ثلاثة: كلفة فوائد الدين (44%) ورواتب القطاع العام وأجوره (38%) ودعم كهرباء لبنان (17%). وهي نفقات تقول الكثير عن القطاعات الاقتصادية والفئات الاجتماعية التي تخدمها الموازنة مباشرة أو بالإسقاط والإهمال.
نجح بعض وزراء «الأقلية» الحكومية في فرض شمولية الموازنة، بضم أبواب الإنفاق الحكومي من خارج الموازنة إلى جسم الموازنة، اللهم باستثناء أموال البلديات التي تُرك البتّ بوضعها للموازنة المقبلة وبعض النثريات الأخرى. فصدق النائب الذي قال إن إقرار موازنة العام 2010 هو تمرين على إعداد موازنة. وهذا التمرين، المكلف جداً بالنسبة لـ«المكلّفين»، يقول الكثير عما أنجزه دعاة «بناء الدولة» من فريق 14 آذار في خمس سنوات! ولا من يحاسب.
انعقدت تسويات حكومية عدة لإنتاج الموازنة العتيدة. تأجل البتّ في رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى موازنة العام المقبل في مقابل عدم وضع سقف للإقراض الحكومي. ونجح وزراء «الأقلية» وخصوصاً وزير الاتصالات في وأد مشروع خصخصة قطاع الخلوي. مع أن الخطة الخماسية لتوفير الطاقة الكهربائية عام 2015 انطوت على خصخصة جزئية لقطاع الكهرباء. وطالما نحن بصدد الأوليات الحياتية، تجدر الإشارة إلى خفض جذري في موازنة قطاع المياه وإسقاط مشروع بناء 11 سداً مائياً، وهو مشروع تجرجره موازنات وحكومات منذ نصف قرن على الأقل. وأخيراً وليس آخراً، أعفت الحكومة النواب من إحراج البحث في إلغاء إعفاء سياراتهم من الرسوم الجمركية والميكانيكية ورسوم التسجيل وخلافها، وإلغاء انتفاعهم من البنزين والاتصالات الهاتفية مجاناً، فأسقطت هي نفسها المادتين المعنيتين من الموازنة.
مهما يكن من أمر، تبقى الموازنة لوحة شفافة للآليات التي بها تعيد السلطة إنتاج التركيبة الاقتصادية، بغلبة القطاع المصرفي التجاري العقاري عليها، وتكرّر البنية الاجتماعية بما فيها من تراتب وامتيازات وفوارق طبقية. هنا لن نجد بيّنة للطوائف والمذاهب ولا للصراع على الكسارات ولا على هوية الجبل الذي يستخرج منه البحص بين زحلة وعين دارة أو على الهوية الطائفية لقرى شرقي صيدا. ما تقوله ولا تقوله تركيبة الإيرادات والنفقات وطرق التحصيل والاستدانة والإيفاء والتوزيع الاجتماعي هو الفيصل.
غني عن القول إن الموازنة لا تمس بشيء التركيب المختل للاقتصاد اللبناني لصالح القطاعات المالية والمصرفية والريعية ولا هي تحمل أي جديد فعلي من أجل تحسين أوضاع قطاعي الصناعة والزراعة. لا النظام الضريبي الذي يزكّي المداخيل المتأتية من الريوع على حساب المداخيل المتأتية من القطاعات المنتجة قد تغيّر (حيث الضرائب على فوائد المصارف هي 7% في مقابل 15% على مداخيل وأرباح القطاعات المنتجة). ولا بد أن ممثل القطاع الصناعي في الوزارة مهتم بأكثر من تعزيز المنافسة… التجارية بدعوته إلى إلغاء الوكالات الحصرية وإنشاء مجلس للتنافسية.
في المجال الضريبي، لا تحمل الموازنة أي تعديل فعلي من حيث غلبة الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك قياساً إلى الضرائب المباشرة على المداخيل والأرباح والثروات والريوع. بعبارة أخرى لا يمس النظام الضريبي مكامن الدخل الرئيسية من حيث الثروة والأرباح وهي نصف الناتج المحلي. ناهيك عن عدم وجود ضرائب على المضاربة العقارية أو على الإرث.
وتشي الموازنة بوضوح بأن وظيفة الاقتراض الحكومي كانت ولا تزال تأمين فائض سيولة القطاع المصرفي وتعظيم أرباحه (مليار ومئتي مليون دولار أميركي). ولا تزال الحكومة تصدر سندات خزينة بفوائد مرتفعة جداً عن المتداول دولياً، تصل إلى 7 و8%. ولا بد من الإشارة إلى أنه، إبان صياغة الموازنة، تسرّب خبر يفيد أن الحكومة طلبت من المصارف خفض معدلات الفائدة على سندات الخزينة مساهمة منها في خفض المديونية. جاء جواب جمعية المصارف بالرفض. وانتهى الأمر عند هذا الحد. علماً أن العذر الذي قدمته جمعية المصارف أقبح من ذنب، إذ زعمت أن المصارف تقرض الدولة بفوائد تكاد أن تكون أدنى من كلفة الودائع. هذا يعني أن المصارف ترفع معدلات فوائدها لاستجلاب المودعين، الخارجيين في الغالب، وتوظف معظم هذه الودائع في عمليات خارجية، وتحمّل الدولة اللبنانية ـ أي المكلّف اللبناني ـ فوق ذلك أكلاف استجلاب المودعين! ولسائل أن يسأل: وما «فائدة» هذه الفوائد المرتفعة نسبة لأكثرية المواطنين غير المزيد من الأعباء الضريبية والمعاشية؟
إلى هذا، تقترض الحكومة فوق حاجاتها، خصوصاً بالليرة اللبنانية، وتتكدس في خزائنها فوائض طائلة تتجاوز بكثير حاجات التمويل الفعلية. بل أن خدمة الموازنة لتعظيم الربح المصرفي لا تنتهي عند هذا الحدث. ثمة موضوعان محرّمان على البحث في الموازنة: آليات تخفيض المديونية، والضرائب على فوائد الدين العام.
وهي أيضاً موازنة في خدمة الشركات العقارية والمضاربة العقارية دون أي فائدة مالية تذكر على صعيد الإيرادات. يكثر الحديث عن الطفرة العقارية. ويرى بعض الاقتصاديين أنها أحد أشكال إعادة توزيع المداخيل. تحتاج العبارة إلى تدقيق: إعادة توزيع لصالح من؟
ترتبط الفورة العقارية جزئياً على الأقل بالطلب على العقارات المتأتي من أموال الهجرة أو المستثمرين الخارجيين. أي أننا نتحدث هنا عن إعادة توزيع للمداخيل تمت في الخارج ولا دور فعلياً لها في التوزيع الاجتماعي أصلاً.
ثم أن دور الفورة العقارية في التوزيع الاجتماعي يثير السؤال هل تفيد منها على نحو متساو الأسرة التي تبيع بيتها العتيق في المدينة لتشتري شقة أوسع في الضاحية وبين شركة «سوليدير» مثلاً ومعها كبريات الشركات العقارية والمصارف وكبار المقاولين وتجار مواد البناء والمضاربين على الأراضي والعقارات؟
يجري الحديث عن الفورة العقارية وكأن لا أكلاف اجتماعية لها. في حين أن مؤداها العملي رفع سعر العقارات والإيجارات. ونكتفي بذكر أول المتضررين منها: الجيل الجديد من الشباب الباحث عن سكن. أليس غلاء المسكن وارتفاع الإيجار أحد أسباب الهجرة؟
ولا بد أخيراً وليس آخراً من أن نذكر الثمن الباهظ الذي تدفعه الزراعة عموماً بسبب المضاربة العقارية وارتفاع أسعار الأراضي، إن من حيث انحسار الأراضي الزراعية، أو من حيث ارتفاع الريع العقاري عليها وما يستتبعه من ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي.
ومع ذلك، لم يرد أي ذكر في الموازنة للضريبة على الربح العقاري ولا جرت مراجعة الزندقة الضريبية التي تقضي بإعفاء الأوقاف المذهبية، وهي من كبار ملاّك العقارات، من الضرائب والرسوم العقارية.
في وقت يكثر فيه الحديث عن «الطبقة السياسية» وزعماء الطوائف والأحزاب، تكشف الموازنة السلطة الفعلية المتحكّمة بالاقتصاد والاجتماع والثقافة وتالياً بالسياسة، هي الحزب الأوحد الذي يتحكّم بحياتنا اليومية: حزب المصرفيين والمستوردين والمضاربين العقاريين.
أما قرار قيادة الاتحاد العمالي العام تعليق الإضراب العام المقرر ليوم 17 حزيران لقاء مجرد وعود من رئيس الحكومة فإنه يقول الكثير عن مدى إمساك الحزب الأوحد بتلابيب الحركة النقابية وقياداتها في زمن التفتيت المذهبي والهوة السحيقة التي باتت تفصل بين الجسم النقابي وجمهور العمال.
