Back to Publications
Publications Articles

Flammable Materials

The confrontation over the wage ladder reveals Lebanon's true power: the financial-commercial-real estate complex that obstructs reforms and accumulates flammable social and sectarian tensions.

مواد قابلة للاشتعال

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

مواد قابلة للاشتعال

فواز طرابلسي

على امتداد الاسابيع الاخيرة، حضرت الهيئات الاقتصادية بقوة غير معتادة في الحياة اللبنانية إذ دخلت في مواجهة مباشرة مع «هيئة التنسيق النقابية»، الممثلة لـ٢٥٠ الف من معلمي التعليم الرسمي وموظفي القطاع العام ) ويصدف انها تتواجه ايضا مع موظفي المصارف انفسهم حول تجديد «عقد العمل الجماعي». في الحالتين، تطل معادلة غلاء المعيشة والاجور. لم تكتف الهيئات الاقتصادية بالتهديد بالاضراب، إن أقرّت «سلسلة الرتب والرواتب» التي اقرتها الحكومة، بحجة ان ذلك يزيد من عجز الموازنة. تسلّمت قيادة المعركة بنفسها من السياسيين واخذت تديرها بزخم ملحوظ.

فجأة توارت طبقة سياسية بأكملها وأسلست القياد للسلطة الخفية: المجمّع المالي-التجاري-العقاري. تولى هذا تحييد كل ما يمس مصالح رأس المال وما من شأنه ان يعيد للخزينة ما يفوق حاجتها لتمويل «السلسلة» العتيدة باضعاف. رفضوا فرض ضرائب جديدة على الدخل مثلما رفضوا سابقا الضرائب على فوائد سندات الخزينة. وحجزوا اية امكانية لتحصيل الضرائب بمعدلاتها الحالية من المتهربين من الدفع. فلا مكافحة للهدر والفساد. ولا مجال للموافقة على دفع المؤسسات السياحية والتجارية والصناعية لمتأخراتها الى لصندوق الضمان. ولا معالجة لمنهبة الاملاك البحرية المزمنة.

لقطع الطريق على اي من هذه المعالجات، شن ممثلو رأس المال الهجوم على انظمة التقاعد ودعوا الى اعتماد التعاقد للتوظيف في الدولة والقطاع العام وجددوا المطالبة بتعميم الخصخصة تحت عنوان التعاون بين القطاعين العام والخاص. اما الطبقة السياسية – وفيها الان اعلى نسبة من رجال الاعمال واصحاب رأس المال في المجلس النيابي والوزارة حتى لا نتحدث عن رئيسها – فجلّ ما تفقت عنه لتمويل «السلسلة» هو خلق مساحة وهمية في البناء، سمّيت علي إسم رئيس الوزراء «طابق الميقاتي»، تجبى من المضاربين العقاريين بما يعود الى الخزينة بين ٢٥٠ و٥٠٠ مليون دولار. على ان صاحب «الطابق» يتمنع في اعتماد المشروع مثلما يتمنع في إحالة «السلسة» العتيدة الى المجلس النيابي، وهو المطلب الرئيس للحراك المطلبي والاجتماعي.

المشهد يستحق التأمل لبرهة: ممثلون عن الفئات الاكثر هشاشة من الطبقات الوسطى الدنيا من كافة الاعمار والانتمائات المذهبية في المدينة والريف، بمن فيهم الموكلون بتربية جيل جديد من اللبنانيين، اي ظاهرة مميزة من وحدة البلد وتطلعه الى المستقبل والمسؤولية عن جيله الجديد، في مواجهة كبار اصحاب المصارف والمستوردين والمضاربين العقاريين، بإدارة قطاع مصرفي متخم بالودائع التي دفعته الى التسليف الشخصي واسع النطاق، تحقق مصارفه الخمس الاولى للعائلات المسيطرة عليها ما لا يقل من مليار دولار من الارباح سنويا.

ومع ذلك، لا يزال العالم الاعلامي، بما فيه بعض عوالم اليسار، تتعلثم في تسمية هذا الكائن غير المألوف في الحياة العامة. فالناس معتادة على «الطبقة السياسية » و«الزعماء» فها ان سلطة فعلية تتوارى في الاوقات العادية ولا تخرج الى العلن في الازمات الا لاغراض المنع والحجز والرفض لا لاغراض الاصلاح والتغيير. سمّي هؤلاء «قناصي الريوع» في وثيقة «جبهة للانقاذ» التي ما إن عقدت مؤتمرها حتى غابت عن النظر والسمع. واكتشف البعض، في هذه الحشرة، بأن البلد تحكمه السفارات الاجنبية والذين جمعوا المليارت بطريقة لا يعرفها الا الله. مع ان بني آدم في بلاد الارز يشاركونه تعالى معرفة بكيفية جمع تلك المليارات وقسط وفير منه ناجمة عن الرسملة الفاحشة للقطاع المصرفي بما هو المرابي لدولة هادرة وفاسدة ومفلسة.

مهما يكن، لم يترك المعلمون والموظفون وسيلة سلمية الا استخدموها من اضرابات واعتصامات وتظاهرات ومهرجانات حاشدة في بيروت والمناطق. تظاهروا امام الوزارت وشلّوا العمل فيها مؤقتا. ساروا نحو القصر الجمهوري الذي رعى وساطة فاشلة بينهم وبين الهيئات الاقتصادية. رفضت الحكومة احالة مشروع «سلسلة الرتب والرواتب» الى المجلس النيابي وأصدرت مشروع الموازنة لا يتضمّن التعديلات المطلوبة على «السلسلة».

آخر مرة ظهر فيها المجمع المالي- التجاري-العقاري بهذا الزخم في الحياة العامة كان منذ نيف واربعين عاما. العام ١٩٧٢ كلّف الرئيس سليمان فرنجية الرئيس صائب سلام تشكيل حكومة سمّيت «حكومة الشباب». ضمت الحكومة عددا من الاصلاحيين من خارج الطبقة الحاكمة التقليدية عيّن لهم رئيسها، في بيانه الوزار، مهمة القيام بالثورة من فوق بديلا عن ان تقوم من تحت. تقدّم وزير الصحة اميل بيطار بمشروع لشراء الدولة ادوية الضمان الصحي مباشرة من المصدر تخفيضا لكلفتها. عارضه وكلاء شركات الادوية ومستوردي الادوية، لأنه سوف يكشف ارباحهم، وهددوا بالاضراب وتضامنت معهم «الهيئات الاقتصادية». ثم عارض ارباب العمل ثلاثة مشاريع اخرى: المرسوم ١٩٤٣ لحماية الصناعة الوطنية التي تقدم به وزير الاقتصاد الياس سابا؛ محاولة الوزير بيار حلو انشاء وزارة صناعة جدية وقد استحدثت لاول مرة منذ الاستقلال؛ مشروع غسان تويني للاصلاح التربوي الذي عارضته المدارس الكاثوليكية ودعاة التعليم الديني الخاص. انتهى الامر بأن أقيل الوزير بيطار، كرمى لعيون مستوردي الادوية، وإستقال الوزير تويني وتضامن معه الوزير هنري إده وبقي الوزير الياس سابا في منصبه، بعد ان تراجع عن مرسومه رقم١٩٤٣. ولم يمض وقت الا وحلّت الوزارة برمتها. وجاءت ممحلها وزارة «قوية» برئاسة الرئيس سلام ذاته تم في ظلها اطلاق النار على عمال غندور في الشياح ومزارعي التبغ في النبطية وصرف لا اقل من ٦٠٠ من المعلمين والاساتذة الرسميين المضربين بما يشبه الاضراب الحالي، وقمع التحركات الطلابية.

كانت مشاريع «حكومة الشباب» الموؤودة العام ١٩٧٢ آخر محاولة للبحث في الاصلاح. انتقل النظام بعدها الى القمع، وبلا طول سيرة، اندغم الاحتقان الاجتماعي، مع الانغلاق الكامل للنظام السياسي الذي عبّرت عنه انتخابات العام ١٩٧٢ النيابية، مع الاحتقان الطوائفي ومع تأزم مسألة الوجود الفلسطيني في لبنان. فكان الانفجار.

وها ان السلطة الفعلية في البلد تطلّ علينا بعد اربعين عاما للغرض ذاته منع اية بادرة لتصحيح الاجور اكثر منه لزيادتها. في المرة الماضية، وأدتْ مشروع اصلاح متواضع لكنه على شيء من الطموح يشمل دعم القطاعات الانتاجية وتوفير دواء رخيص وتحقيق اصلاح تربوي جاد. في هذه المرة، لاحت محاولة اصلاحية فردية اقتصر الامر فيها على طرد وزير من حكومة ترفع رايات «الاصلاح والتغيير » وقد تجرأ على طرح مشروع اصلاحي متواضع يدعو الى دمج النقل والتعليم مع الاجر، اي اعتماد «الاجر الاجتماعي .» على ان الاجراء لم يمنع انطلاقة حركات اجتماعية حول الموضوع اياه. وهو ما استدعى الهجوم الشامل.

الاحتقان الاجتماعي والاحتقان الطائفي مادتان قابلتان للاشتعال. من ابسط شروط السلامة ان لا يجتمعا. من قبيل الابتكار والحيطة يمكن ان يقال ان التخفيف من الثاني يمكن ان يتحقق بتوفير مقادير كبيرة من العدالة في المجال الاجتماعي. لم تدرج العادة على اعتماد هذه المعالجة غير المباشرة. ولا اعتمدت طبعا معالجات من شأنها التجاوز التدريجي والتراكمي للنظام الطوائفي المذهبي.

لا يبقى لنا الا التأمل في واحد من خيارين. ليس بينهما من خيار ثالث، اللهم إلا الاحتراق البطيء لفتائل الانفجار.

Themes
Political Economy Politics
Countries
Arab World Palestine Lebanon Egypt
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Political Economy Corruption Labor Rights Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.