Back to Publications
Publications Articles

From Taif to Doha and Beyond

Correcting Taif by reverting to the First Republic: pounding water with water—the entire system desperately needs change.

من »الطائف« الى »الدوحة« وما بعد

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

من »الطائف« الى »الدوحة« وما بعد

فوّاز طرابلسي

يخطيء من يستخفّ بمدى ما احدثه اتفاق الدوحة من تحولات في الحياة السياسية ومدى ما فتحه ويفتحه من احتمالات وارادات تحويل وتعديل في النظام السياسي.

مثلما في لعبة الشطرنج حيث يؤدي تحريك عدد من الاحجار على اللوحة الى اعادة ترتيب باقي الاحجار وتحرّكها، كذلك حصل الامر مع الاتفاق الجديد. ومع ان هذا الحراك في المواقع وعلاقات القوى لم يستقرّ على حال بعد، الا انه يستحق مسحا اوليا يمكننا من تبينّ افضل لما يجري حولنا، وعلى حسابنا.

افسح انتخاب الرئيس ميشال سليمان في المجال امام تشكيل حكومة وحدة وطنية اقرّت مبدأ الثلث المعطّل واستحدثت منصب نائب لرئيس الوزراء. كان ذلك ايذانا بمغادرة النظام السياسي صيغة الترويكا الرئاسية المبسّطة الى توازع للصلاحيات والحصص بين مراكز الدولة الاولى ومؤسساتها واجهزتها التشريعية والادارية والتنفيذية اكثر تركيبا وتوسعا وتعقيدا.

ومع ذلك ظل الكل يتمسّح بالطائف جازما ان كل شيء يجري تحت سقفه، فيما الكل يسعى لخرق السقف ويتحينّ الفرص للتسلل من خروقه تعديلا لموقع قوى هنا او اقتناصا لزيادة حصة هناك. فكانت الحصيلة عدد من التعديلات التي لا يستهان بها على اتفاق الطائف. والمفارقة في الامر ان مادتها جميعا تقريبا مأخوذة من النظام السياسي للجمهورية الاولى السابق على الحرب. لا يدلّ ذلك الا على برائة الحكام من اية لفتة خيال او ابتكار او تطلع الى امام. وهو يحمل نكوصا الي الخلف لا يزيد الامور الا تعقيدا ويفاقم من استعصاءات النظام وشلل حركته.

في الانتخابات النيابية، استعيد قانون للعام ۰٦۱۹ القائم على قاعدة القضاء. ليس العيب الاوحد في هذا القانون انه يهدد بزيادة الاستقطاب الطوائفي والمذهبي، كما ذهب كثيرون عن حق. انه يكرّس ايضا ترييف اللبنانيين ويزيد عزلهم عن تمثيل مصالحهم المهنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعبير عن تطلعاتهم في اختيار مرشحيهم. بل ان قانون ۰٦۱۹ المستعاد، في وضع الانشقاق الحالي بين الكتلتين الآذاريتين، وضع اختيار النواب في قبضة ناخبين كبارا لا يتجاوز عددهم اصابع اليدين يقررون مصير معظم الدوائر سلفا. واما الانتخابات في الدوائر وعلى المقاعد الباقية فتنذر بمعارك شرسة لن تخلو من دور كبير للمال السياسي- ومصادره الخارجية متنوعة ومتعددة وليست حكرا على طرف واحد – ناهيك عن تدخلات القوى الخارجية ذات المصلحة في تغليب فريقها علي الفريق الآخر وعين كل منها على التسويات الاقليمية. والمؤكد في هذه المعارك السياسية بالمعني العاري للسياسة، اي صراعات القوى المجردة، يمكن الجزم بأن القضايا الرئيسية التي تهمّ المواطنين اللبنانيين سوف تكون بمنأى عنها. بل سوف تغرق في مباريات اشبه بمباريات كرة القدم حيث يريد كل فريق لفريقه ان يربح وكفى.

على ان جديد اتفاق الدوحة وما ينبيء به لا يقتصر على الهيئة التشريعية. انتقلت المحاصصة الى طور جديد داخل السلطة التنفيذية ذاتها المنقسمة اصلا انقساما رجراجا بين رئيسي الجمهورية والوزراء. وها ان المحاصصة الطائفية تدخل الوزارة نفسها بطريقة غير مسبوقة. فمع ان احداث ايار الدامية الماضية انطلقت شرارتها من القرار الحكومي المتعلق بشبكات اتصالات المقاومة، الا ان معاركها إنجلت عن اقتحام المعارضة السلطة التنفيذية من خلال نيلها الثلث المعطّل من المناصب الوزارية اضافة الى بدعة استحداث منصب نائب لرئيس الوزراء.

لم يبق منصب رئاسة الدولة بمنأى عن مشاريع الاصلاح والتعديل. فقد انتخب الرئيس ميشال سليمان في مناخ ماروني ومسيحي يتنافس اقطابه على الدعوة الى استعادة الحقوق المسيحية عموما وفي مقدمها صلاحيات رئيس للجمهورية قوي يفترض فيه اخراج جماعته من حالة »الاحباط« المديدة.

في طليعة عوامل استعادة القوة هذه مشروعان اصلاحيان يستعيدان هما ايضا الى صلاحيات رؤساء الجمهورية خلال الجمهورية الاولى وما قبل الحرب: حق رئيس الجمهورية صلاحية في حل مجلس النواب من جهة اولى وتكوينه كتلة نيابية موالية له يسعى الى ان تكون هي الاكثرية البرلمانية من جهة ثانية.

يعيدنا هذان المشروعان الى المشكلة اياها التي خلّفها نظام الطائف دون حل. فقد فكك النظام الجمهوري الذي يضع صلاحيات استثنائية بيد رئيس الجمهورية، على غير ما قدرة على إعادة تركيبه. فتولد نظام هجين كل تعديل فيه يزيده هجانة واستعصاء. لم يحل الطائف نظاما برلمانيا محل النظام الرئاسي، ما يحوّل الرئاسة الاولى الى منصب فخري.

ولا هو ذهب في النظام الرئاسي الى نهايته المنطقية بإقراره انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب. بديلا من قيام النظام السياسي علي مؤسستين صادرتين عن الانتخاب الشعبي- الرئيس والبرلمان- آثر اهل الطائف توزيع السلطة التنفيذية بين رئيسي الجمهورية والوزراء. هكذا صار منصب الرئاسة الاولى ضعيف الصلاحيات لكنه بمنأى عن المحاسبة.

فالهئية التي تنتخبه لا يحق لها ان تحاسبه. ولا هو مسؤول عن تقديم حسابات عن ممارساته تجاهها.

اما اذا وضعنا جانبا الطابع الهزلي للنزاع حول مقر نائب رئيس الوزراء وصلاحياته، يندرج استحداث ذلك المنصب في المنطق ذاته، منطق تعميق الازدواج في المناصب والمسؤوليات والصلاحيات وزيادة التضارب بينها. هذا في وقت باتت الوزارة فيه، ائتلافية اكانت ام غير ائتلافية، اشبه ببرلمان مصغّر يبتعد اكثر فاكثر عن دوره بما هو فريق عمل لتنفيذ سياسات معينة ينتظمه حد ادنى من التضامن بين اعضائه. هذا هو المؤدى العملي لتحويل الحكومة ذاتها الى ميدان لتوازع حصص مذهبية وطوائفية وحقوق نقض بين مكوناتها.

يضاف الي هذه كلها بدعة فصل الوزارة عن النيابة التي تطل علينا بين فترة واخرى. ولدت اواخر عهد الاستقلال الاول وعادت الى الظهور خلال عهد الرئيس شارل حلو بعيد ازمة افلاس بنك انترا. قيل الكثير تبريرا لمنع الجمع بين النيابة والوزارة ليس اقله تخصيص النائب بالخدمات والوزير بالكفاءة. والاعتراض هنا هو على المنع. فالنقاش بين دعاة المنع وخصومهم يدور مدار افراد ذوي ادوار مختلفة اي انه يروج خارج الدائرة التي تتشكل منها آليه التشريع والتنفيذ الديمقراطية وهي دائرة رسم السياسات وتنفيذها.

هذا بعض من الكم من التعديلات ومشاريع التعديلات والتشريعات تصحيحا لاتفاق الطائف بالارتداد الى الصيغ والتشريعات التي جاء الطائف اصلا لتصحيحها او طرحها جانبا على اعتبار انها من العوامل التي دفعت الى الاقتتال الاهلي. لعله يدفع الى التفكير بأن تصحيح »الطائف« بواسطة »الدوحة« بالانتكاس الى ممارسات وتشريعات وصلاحيات ما قبل »الطائف«، اقرب الى دق الماء بالماء، وان نظاما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا بات هو كله بحاجة ماسة الى التغيير.

Themes
History Politics
Countries
Lebanon
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
History Nation-state Lebanese Politics Sectarianism Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.