Back to Talks & Interviews
Talks & Interviews Interviews

Al-Mustaqbal al-Arabi Magazine Interview

From memoir to sectarianism, one thread runs through it all: no Marxism as a closed creed, no unity as nostalgia, but history understood from inside its conflicts.

مقابلة مجلة – المستقبل العربي

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

«مقابلة مجلة» المستقبل العربي

السؤال الاول: صدرت لك قبل خمس سنوات سيرة ذاتية حملت عنوان »صورة الفتى بالاحمر« (منشورات دار الريّس). دعني اعترف لك – ابتداء- انها الاشهى والامتع في ما صدر، حتى الآن، ضمن هذا الجنس من الكتابة في الثقافة العربية المعاصرة. ذلك – على الاقل- ما اسمح لنفسي بأن ادّعيه إدّعاءَ قاريءٍ مدمنٍ على النصوص الاوتوبيوغرافية.

يستوقف القاريء في هذه السيرة بناؤها السردي القائم على لغتين متحايثتين متلازمتين: لغة الانا الساردة المنسابة في سبائك من التعبير عن نفسها، المستعيدة لما رابط في خندق الذاكرة من احداث فلم يتساقط من شروخها في وهاد النسيان، ثم لغة الانا المفكرة في ذاتها، المتأملة في مرآة تجربتها، الناحية منحى الاحتساب على مرحلة كانت شاهدة عليها ومشاركة في بعض مساحاتها. لعل هذا التوتو اللغوي، او هذا الجدل بين اللغتين في لغة واحدة: لغة الرواية للحدث والتأريخ له من شرفة الذات، ولغة التحليل المرويّ من مسافة تسعف حاسة النقد الذاتي على الاشتغال المتوازن (بعيدا عن المنازع المازوشية او السادية…)…، لعل هذا التوتر لم يأتِ عفواً، ولا اتى استجابة لاقتضاء نصّيّ، وانما قُصِدَ لغاية تعلمُها قبل قارئك. هل لك ان تفصح عن الباعث لديك على تصميم نصّك على مقاس غير مألوف في الكتابة داخل جنس السيرة الذاتية؛ اعني على مقاس تتجاور فيه الرواية مع التحليل السياسي، النوستالجينا مع النقد، اللغة الادبية مع اللغة المفاهيمية؟

❊ »صورة الفتى بالاحمر« جزء من مشروع كتابي متعدد الاوجه والمنظورات والاساليب والانواع الادبية والفكرية. وقد انجزت عددا من المؤلفات في هذا المجال: في باب اليوميات (»عن امل لا شفاء منه« و»صورة الفتى« و»وعود عدن«) وفي النقد الفكري »الماركسية وبعض قضايانا العربية« و»صلات بلا وصل- ميشال شيحا والاديولوجيا اللبنانية«، وفي النقد الفني والادبي »غيرنيكا/بيروت« و»الغريب والكنز والاعجوبة- قراءة في مسرح الرحابنة وفيروز«، وهو الكتاب الذي اعدّه حاليا للنشر، الخ.

. صحيح ما تقوله ان »صورة الفتى« قائمة على جدل بين لغتين. لكني لست متأكدا من ان هذا الجدل ليس مألوفا في كتابة السير الذاتية. مهما يكن، ليس في الامر من باعث خفي. إن تسألني اذا كان الامر مقصودا اجبك الى حد ما فقط. كتبت »صورة الفتى« بسهولة فائقة وانا في معرض توسيع نص محاضرة بعنوان »التجربة الُمرة« بدعوة من مركز رينيه معوّض الثقافي في الحازمية نزولا عند طلب الصديق الياس الخوري لنشرها في ملحق النهار الثقافي. صارت المحاضرة كتابا. يعتمد السرد لغتين لآن القصد هو رواية تجربة والتفكير فيها في آن معا. هذا ما اسمّيه تصنيع التجربة الحياتية بواسطة الكتابة.

السؤال الثاني: »صورة الفتى بالاحمر« سيرة متعددة الابعاد وانصبة التعبير، حتى لا اقول انها كناية عن سير في نص واحد جامع. هي – من وجه اول- سيرة للزمان: زمان تجربة حياتية مع الاشياء رَوَيْتَها في مدى وَصَلَ وصلاً بين بواكير وعْيَك بالعالم، في منتصف عقد الاربعينيات من القرن الماضي، وبين بداية قلقك المعرفي الحادّ، في منتصف ثمانينياته، امام عالم تحوّل وزمان تجربة سياسية امتدت ربع قون على منحنى صعود وهبوط في مؤشرات »بورصة التاريخ«. ثم زمان تجربة فكرية زُرتَ فيها اكثر من نصّ واكثر من موقع نظري وايديولوجي في تجوال شغوف بما جدّ في رحاب الافكار. لكنها – من وجه ثان ٍ- سيرة للمكان: المكان الذي كان فضاء للحوادث المروية؛ والمكان الذي كان -احيانا- موضوعا بذاته يستحق روايته في غَنَاء عما يجري فيه – وعما يجري حوله- من وقائع- بيروت وباريس على وجه التحديد. ثم انها – من وجه ثالث- سيرة لوطن انجبته الكلمات العظام ومزقته الصراعات الجسام، وطن رويته ببراءة العاشق واكتشفته بعين الحاذق، فكان في السيرة مزدوجا: البشارة والمرارة، الامل والالم. وهي »اخيرا« -ومن وجه رابع- سيرة لمنفى اردته مؤقتا (في باريس)، فكان لك ذلك امام اغراء النداء المنبعث عميقا من الوطن، ولكن دون ان يكون المنفى محض منتجع للروح المسهدة، او نقاهة »داء لا شفاء منه« اي دون ان يكوّن هدأةً تخلد اليها الاسئلة من تعب فلا تستأنف دورة الاهتجاس. هّلا افدنا منك بما كان سببا في جمعك كل هذه المرويات -وهذه الابعاد- الى بعضها في نص واحد عن الذات. وهل نحن حقا – في هذا النص- ازاء ذات واحدة متعددة الابعاد، ام ازاء ذوات نسبية متغايرة ومؤتلفة؟

❊ لست ادري فعلا كيف الاجابة على سؤالك. اعترف لك باني لم افكر كثيرا في مثل هذه الامور. لعل »صورة الفتى« حشدت من العناصر والمواد ما كان يمكن بسهولة تفريدها الى عدة مؤلفات. هذا ما اكتشفته بعد صدورالكتاب ومن خلال بعض الانتقادات التي وجهّت له. وهي صحيحة. ولكن الكتابة عن الذاكرة لا تتم دفعة واحدة. من هنا فهناك الكثير مما اريد قوله لم اقله بعد وسوف اقوله بشكل او بآخر. بهذا المعنى »صورة الفتى« نص ناقص. ولعلني اراه اشبه بالاعترافات منه بالمذكرات. اعترافات تتناول جوانب من حياتي العامة اكثر بكثير مما تتعرّض لجوانب من حياتي الخاصة.

من ناحية اخرى، يمكنني القول ، من دون ان اتفلسف، ان جل ما يستطيعه المرء، اذا كان يريد السيطرة على مسارات حياته ويعطي لتلك الحياة معنى- اي ان يكون منتجا او صانعا لذاته- هو تفعيل كامل ما يملكه من طاقات. اننا نملك طاقات بلا حدود. تسنى لي ان اشهد، خلال الحروب اللبنانية وخصوصا خلال حصار بيروت، ضخامة الطاقات التي يملكها البشر على المقاومة – مقاومةالموت – وعلى الخلق والابتكار والفرح وسط المآسي. تأتي ظروف تحفز البشر على استخراج تلك الطاقات – تلك الذوات الاضافية، إن شئت- وتفعيلها. لعل هذا قد افادني في ان اكتشف على الصعيد الشخصي هذا التعدد في الامكانات وان اسعى الى تنميته. ولا فرق عنديأسمّيت هذا ذاتا واحدة متعددة ام ذوات متغايرة ومؤتلفة.

السؤال الثالث: القاريء في سيرتك الذاتية يجد فيها من الافادات ما يشبع السؤال لديه عنك وفيك، بل دعني اقول. عن مرحلة وفيها: مرحلة كنتها حالة ثقافية وسياسية، او -بتواضع في التعبير- كنت منها حالة »فحسب«. يستطيع ان يتعرّف فيك على حالاتك المختلفة” على البعثيّ، والماركسي- اللينيني، والناصري، الخ. على المثقف العقائدي اليقيني، وعلى المثقف النقدي المتمرّد. على من يبني الهيكل، وعلى من يهدمه على رؤوس الناس جميعا. على الذي يتقن عقد القران بين المتناقضات: بين المطلق والنسبي، بين الطهرانية والواقعية، بين البنيوية والتاريخانية، بين صخب السياسة والحرب وهدأة الموسيقى والشعر، بين بشاعة مجزرة صبرا وشاتيلا ولوحة »غيرنيكا« لبيكاسو، بين الشعبوي والنخبوي، بين من يحترم الذائقة الجمالية للناس وبين من يدمّر »مقام« ام كلثوم في وجدانهم! ثم انه يستطيع ان يقرأ- في صفحة يومياتك كما في »وعود عدن« وسواها- صورة اليمني القرمطي المهجوس بعدن والمتحالف مع الكوفية الفلسطينية، وصورة الماركسي العربي المتمرّد على ماضيه القومي، وصورة الناصري الديمقراطي المتصالح مع اصوله، »النادم« على استبدال الناصرية بالبندقية الفلسطينية على مثال استبدال بغداد بالقرامطة، الخ. لن يجادل احد في المنسوب العالي للشفافية في هذه الصورة التي رويتها عن نفسك مباشرة، ولن يجحد احد -بمن فيهم انت- حقيقة هذه المراوحة بين الحدود في شخصيتك، والتي هي ايضا- صورة رديفا لمراوحة وعي جيل ومرحلة. ولكن، دعني اسألك: هل انت راض على هذه الكيمياء الفسيفسائية في شخصيتك، خصوصا تلك التي لم تدوّنها في سيرتك، والتي يستطيع قرّاء نصوصك ان يكشفوها ويحاجوك بها. الا تشعر فيها بأنك بعيد عن التعيين والتعريف، محمول على فرس الاحتمال، ملاحق بتهمة اللاادرية؟

❊ حقاً مررت بالحالات التي تذكر اعلاه مع تحفظين اثنين. الاول انني مررت بها باستثناء واحدة: اليقينية. لم اكن مرة يقينيا. علمّتني الماركسية اول ما علّمتني الاعتراف بنسبية الاشياء، اي بتاريخيتها، بما في ذلك نسبية الحقيقة.

والتحفظ الثاني اني عشت تلك الحالات على نحو مختلف بعض الشيء عما تروي. حتى لا تأخذنا البلاغة، يجب ان نستدرك ان تلك الحالات لم تكن دائما ثنائيات متضادة او متقابلة. فمثلا: تزداد مجزرة صبرا وشاتيلا بشاعة عندما تشاهدها من خلال جدارية »غيرنيكا« لبيكاسو. ولكن الاهم من ذلك انه ثمة مناطق وعلاقات خصبة بين تلك الحالات التي تبدو متناقضة او متقابلة هي التي حاولت واحاول باستمرار ان اسبرها. لذا اسأل لماذا يجب ان يكون هناك »حدود« لكي تتم المراوحة بينها. وما هي تلك »الحدود«. ولعلني كنت دائما احاول اسعى لتجاوز تلك الثنائيات في الفكر وفي التجربة. ولذلك تقنيات عديدة منها على سبيل المثال السخرية والبُعاد البريشتي. واني على اقتناع عميق بأن المشكلة الكبرى للفكر العربي هي كيفية تجاوز تلك الثنائيات. وما شدّني ولا يزال يشدّني الى الماركسية هو انها، اولا وقبل كل شيء آخر، نظرية التجاوز. هذا هو المعنى العميق للجدلية الماركسية.

من جهة ثانية، لست ارى الى معايشتي تلك الحالات بما هي مراوحة بل سلسلة عمليات تحوّل. والتحوّل لا يعني بالضرورة السير قدما الى الامام في خط مستقيم وهو يفترض المراوحة احيانا، لكن التحوّل، على ما ارى، لا يقتصر على هذا وتلك. العبرة في ما يبقى. والحديث هنا يطول…

السؤال الرابع: علّي ان اعترف بأنك نجحت في ان تختار لنفسك جدّاً ملائما تنتسب الى سلالته الثقافية دون ان تخرج من صلبه، وان يكون جدّك جدّ كلًّ مَن جَدَّ: اعني به احمد فارس الشدياق. صال »الفارياق« (=احمد فارس الشدياق) وجال في »صورة الفتى بالاحمر« واستأنف فيها مغامراته في »الساق على الساق«. ما الذي حملك على استضافته في نصّك، والتماهي معه الى حدّ صوفيّ: الغربة الباريسية المشتركة، ام هاجس التمرّد الجامح، ام حاسّة النقد الملتهبة في نصوصكما، ام الولع باللغة الذي يشغف بالغرابة. والى اي حدّ وجدت في لعبة التواطوء معه مناسبة موضوعية للجواب عن سؤال العلاقة بـ»الآخر« الذي شغل عصره وما زال -بمعنى ما- يعيد انتاج نفسه اليوم في وعينا العربي؟

❊ بودّي ان اعلن الجميل الذي انا مدين به للجدّ الذي خرجت من صلبه قبل الحديث عن جدّي بالتبنّي. اقصد جدّي لأمي المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف. سكنت عنده فترة الطفولة اكثر مما سكنت في بيت والديّ، وخاصة خلال الشتاء لرطوبة منزلنا – بسبب اصابتي بمرض الربو، الذي ورثته عنه اصلا. وربيت على يديه. ونما شغفي بالكتابة والتاريخ والادب في منزله وبين كتبه وتحت سقف مكتبته الغنية المهيبة. ولولا لم يكن لي هذا المرجع اعود اليه من مدرستي الارسالية الفرنسية لاستزيد من اللغة والادب العربيين لكنت مشوّه الثقافة ولما اهتممت اصلا بالادب او بالاختصاصات الانسانية او الاجتماعية.

عيسى اسكندر المعلوف رجل مظلوم لان القسم الاكبر من مخطوطاته لم ينشر بعد. وهي بالعشرات. انه المؤرخ والاديب والناقد وعالم الاثار والصحفي والموسوعي. كتب عن معارضات الفية ابن مالك كما عن اشعار وزجليات الحرب العالمية الاولى. إهتمّ بالحركات الباطنية في الاسلام كما بتواريخ الحكّام (الامير فخر الدين وبشير الثاني والضاهر عمر والجزار وابراهيم باشا) والمناطق (تاريخ حضارة دمشق، وتواريخ البقاع، وادي التيم، المتن، الخ). وقد ارخ لليازجيين ولشعراء القرن الثامن عشر كما للطب عند العرب. وهو رائد في جمع الشعر الشعبي والامثال الشعبية وتحليل اسماء القرى والبلدات. ثم انه اخيرا ليس آخرا، واضع تاريخ الاسر الشرقية، المخطوط الواقع في نحو اربعة الاف صفحة، الذي اعمل الآن على تحقيقه ونشره تحية متواضعة لجهده وعلمه.

من جهة ثانية فكل كاتب، بل كل مثقف، ينتمي واعيا او غير واع الى سلالة فكرية ثقافية اخلاقية ما. وعليه ان يعلن هذا الانتماء، ان يجيب على سؤال او تحدي الانتساب. وانا انتمي في وجه اساسي من تجربتي وكتاباتي وذائقتي الادبية وحساسيتي العامة الى سلالة الشدياقي العظيم. في وقت مبكر دأبت على قراءة الشدياق ومراجعته في »الساق على الساق« بما هو مجزون بديع لاسرار اللغة والبيان. غير ان قراءتي اللغوية للشدياق خلال تلك الفترة حجبت عني مضمون »الساق على الساق« مع اني افدت كثيرا من محاولات الشدياق تحديث اللغة ومن غنى مفرداته. اعدت قراءة الشدياق بعد سنوات طويلة من ذلك. وخاصة خلال اقامتي الفرنسية. فانفتح امامي عالم الشدياق اللا متناهي الابعاد. اكتشفت فيما اكتشفت اننا لا نكاد نعرف شيئا عن سيرة الشدياق خلا ما كتبه هو في كتبه وبعضه تخييلي وليس من باب السيرة الذاتية. اقاماته في القاهرة ومالطة وانكلترا وفرنسا وتونس والآستانة نعرف عنها القليل القليل. وقد سعيت الى اعادة الاعتبار لكتاباته بجمع عدد من »اعماله المجهولة« مع الصديق عزيز العظمة صدر في دار رياض الريّس. ولا ازال آمل مواصلة هذا الجهد البحثي التعريفي عن الشدياق.

جذبني الى الشدياق كل ما تذكر. ولكن يمكن جمع هذه كلها في انه نهضوي من نمط خاص، او من نمط مغاير لزملائه النهضويين. كان ناقدا للغرب بقدر ما كان داعيا الى محاكاته. وفي حين شدّد سائر النهضويين على التربية، رأى هو الى العمل بصفته القيمة الرئيسية لتحقيق نهضة الشعوب العربية. وفي حين اكتشف الطهطاوي زخم الرأسمالية، اكتشف الشدياق الحاجة الى الاشتراكية. كان العديد من زملائه النهضويين ليبراليين في السياسة وكان هو ديمقراطيا علمانيا جذريا. وفوق ذلك كله كان رائدا في العروبة وتحرر المرأة في آن معا…

السؤال الخامس: لا اجدني متحمسا لاقفال الحديث في باب سيرتك الذاتية قبل ان استبين منك امرا شغلني وانا اقرأها (ولقد قرأتها مرات عديدة) بل وشغلني قبلا، وبعدا، وانا اقرأ لك نصوصا اخرى لا تنتمي الى الادب (علي فرض ان سيرتك الذاتية تنتمي اليه). والامر هذا هو وقوفك في ما تكتبه -حتى في باب الفكر والسياسة- على تخوم الادب. يستشعر قارؤك شغفا لديك بتهذيب الكلام في غير باب الادب، واخضاعه لاحكام اللغة الجمالية والرمزية. كأنك شاعر موؤود، او روائي اجبر على ان يكون راوية. مَن حاصر الاديب فيك: انت بقرار منك حسبته سديدا ومنزّها عن العبث، ام السياسة وقد القت ضفائرها عليك شنقاً إذ شنقت شيوخك ومجايليك ومريديك. ومتى سيُرفع هذا الحصار نهائيا عن هذا الاديب فيك. ثم هل تريده حقا ان يرتفع، ام انك تكتفي بأن تطلّ على الشأن العام بلغة اهل »الشأن الخاص« من اهل القرض والسرد؟ هل لك ان تخرج من المنطقة الرمادية: منطقة الالتباس هذه؟

❊ جوابي على سؤالك هو ببساطة: انا كاتب. وهمّي الاول إيصال افكاري الى القراء بانجع وسيلة ممكنة. وهذا يعني بمزيج من البساطة والتشويق.

ان لغتنا العربية عظيمة وعصيّة. نبدأ في اكتشافها والتمكّن منها مع الوقت اي في المنقلب الثاني من العمر. في اوج ممارستي التي تسميّها سياسية واسمّيها نضالية، ظللت أمارس الادب والكتابة في المواضيع الادبية والفنّية. واني اعتقد ان ارقى اشكال التعبيرالفكري هو ما يصل الى مصاف الادب والشعر. في اصعب نصوص ماركس الاقتصادية الجافة يفاجئك لا فقط بالاستشهاد بمقطع من شيكسبير بل بارتقاء ماركس نفسه في الحديث عن الرأسمالية الى مستوى الشعر والادب الشكسبيريين.

اكثر من ذلك: من خلال الادب تستطيع ان تتعرّف الى نواح من الحياة الاجتماعية والانسانية لا توفّرها لك المعرفة في العلوم الاجتماعية او الانسانيات. وبدقة اكبر، قد ينطوي الادب على بوح سياسي اوضح واعمق واكثر دلالة وتعبيرا مما يوفّره الخطاب السياسي، شريطة ان نجيد فك شيفرة التعبير الادبي والفني عن المضامين السياسية والاجتماعية. الامثلة على ذلك كثيرة. اكتفي منها بالقول ان الذي يريد ان يتابع حالات وتحولات القضية الفلسطينية، والفكر السياسي الفلسطيني، والرأي العام الفلسطيني، عليه قرائة شعر محمود درويش فسوف يجد فيه ما لن يجده في اي خطاب سياسي او اية بيانات او دراسات. لست اتحدث هنا عن القيمة الجمالية لشعر محمود. انما اتكلم عن مضامين قوله الشعري. الامر نفسه ينطبق في لبنان على المسرح الرحباني الذي هو سجلّ لا مثيل له ليس فقط للتراث الشعبي وحسب وانما الاهم انه سجلّ لصراعات وتحولات المجتمع اللبناني خلال الفترة بين ١٩٥٨ و١٩٧٥.

لست اجد منطقة رمادية بين الادب والسياسة. احيانا قد تكون تلك المنطقة ذات الوان صارخة واحيانا اخرى ذات اطياف. ما يغريني في الحالتين هو تحدي انتهاك الحدود. العديد من اصدقائي يقولون اني اضعت مواهبي (المقصود المواهب الادبية والكتابية) في السياسة. اردّ قائلا انه لولا تجاربي النضالية لما كتبت اصلا ما كتبت ولا بالاسلوب الذي به كتبت واكتب.

السؤال السادس: كنت قبل ثلاثة عقود ويزيد من الرعيل الاول لما أسمي حركة »اليسار الجديد« في الوطن العربي، وفي جملة من نظّروا لها وصاغوا موضوعاتها themesالفكرية الرئيس. وكان دورك فيها بين منتصف الستّينيات ومنتصف الثمانينيات امتدادا لالتزام فكري بالنص الماركسي: قراءة فيه، وترجمة لبعضه، وتأليفا داخل إشكالياته. اخترتَ- قبل سبعة عشر عاما- ان تضع حدا لعلاقتك بهذا اليسار (»الجديد«) دون ان تضع حدّا لعلاقتك بالفكرة التي كانت في اساس ميلاده: الفكرة الاشتراكية. ماذا تعني الاشتراكية بالنسبة اليك اليوم بعد انهيار »المعسكر الاشتراكي« ومركزه السوفييتي، والتعمُّم المتعاظم لعلاقات الانتاج الرأسمالية وانتصار الاقتصاد الليبرالي، وزحف نظام العولمة؟ هل تحولت الاشتراكية الى مجرد طوبى قد تكون مفيدة في تعبئة المغبونين والحانقين على علاقات الحيف والحرمان، ام هي ما برحت تمثل إمكانا قابلا للتحقق التاريخي؟

هل من المشروع ان تأخذ الماركسية والفكر الاشتراكي بجريرة الاتحاد السوفييني وردائفه؟ من قال ان النظام السوفييتي نظام اشتراكي؟ ثم اليس للفكر زمنه النظري المتمايز – بل المنفصل – عن زمن السياسة، واستقلاله النسبي عنها، على النحو الذي يسوّغ فيه عقد محاكمة له بـ»جرم« السياسة (=الاتحاد السوفييتي هنا) المشهود؟

– حصل في »فكر« اليسار العربي الجديد إلتباس ازمن وطال، وهو كناية عن الجمع – على غير تبيّن- بين »الاصول« و»الفروع«، بين الماركسية واللينينية. ولعلك كنت -ومن غير افتئات مني عليك- في جملة من تعهدوا الالتباس اياه بالرعاية والصيانة النظريتين. احكام التاريخ تشفع لك تينك المهمتين (الرعاية والصيانة) إن روعيت »النوازل« الحاملة عليها – وهي موضوعية- وأُخذت »اسباب النزول«- بلغة اهل التفسير والاصول – في الاعتبار. غير ان احكام المراجعة والنقد تفرض عليك – في ما ازعم- ان تعرض يقينياتك في هذا الباب على نظر فاحص جديد: هل ما زلت مقتنعا بالتلازم الماهوي بين الماركسية واللينينية، بعد كل هذا الذي جرى على ساحة الواقع وفي غميس النصوص، ام تميل الى فك الارتباط بينهما. ولماذا في الحالين؟

– اكتشفتَ مبكرا انطونيو غرامشي وافسحت له حيزا في نصوصك (وإن كان ـ للاسف – اقل من الحيّز الذي تبرّعت به على ليون تروتسكي!). هل وجدت في غرامشي ما يفيد في الاجابة عن بعض اسئلتك النظرية، واي، ثم لماذا لم تسع الى »توأمة« موضوعاته النظرية حول السلطة والدولة والمثقف والايديولوجيا والهيمنة الخ. مع تلك التي اطلقها بعده – بثلاثة عقود- لوي التوسّير: الذي استضفته في وعيك قبل ان تنقل على »بدعة« مفهوم »الممارسة النظرية« لديه؟

❊ هذا سؤال في عدة اسئلة. ولكني اودّ اولا تبديد التباس قد ينشأ في ذهن القاريء. ترجمت الكثير من الادبيات الماركسية. لكني لم اكتب في الماركسية الا نادرا. اتحدث هنا بالدرجة الاولى عن منهجيات اكثر من الحديث عن نصوص نظرية. اما عن »اليسار الجديد« فامر آخر. هو تسمية فضفاضة ملتبسة اطلقت على اليساريين غير المنضوين في الاحزاب الشيوعية واحيانا اقلّ على بعض المنشقين عن تلك الاحزاب. ولن ادخل هنا في محاولة تشخيص تلك الظاهرة.

– الاصل عندي هو الماركسية والفرع الاشتراكية. الاولى نظرية للتحرر الانساني الشامل فيما الثانية مشروعا مجتمعيا. لم آتِ الى الاشتراكية لانها ناجحة لأغيّر رأيي فيها وقد فشلت احدى محاولاتها التاريخية. جئت اليها رفضا مني للنظام الرأسمالي وثقة بأنه لا ولن يشكل افق البشرية الاخير. لم يتغيّر الكثير مع حلول العولمة الحالية بما هي الطور الثالث من تطوّرأس المال. والاحرى القول ان المظالم التي تنطوي عليها الرأسمالية تزداد حدّة في هذا الطور الجديد.

هذا لا يعني ان فشل التجربة الاشتراكية السوفياتية امر نافل. ان ذاك الفشل يطرح تساؤلات عدة وتحديات عدة على النظرية الماركسية. وسوف آتي فيما يلي على البعض منها.

وانا ضد ما يذهب اليه البعض في تبرئة الفكر الشيوعي مما جرى في الاتحاد السوفياتي. ولا انا مع تجريم السياسة وتنزيه النظرية. يجب اعادة النظر والتفحّص النقدي للفكر في ضوء التجربة. ذلك هو في نهاية المطاف جوهر الماركسية – ان جدل النظرية مع الممارسة يعمل في الاتجاهين لا في اتجاه واحد.

– أسمح لنفسي بالقول اني كنت على الدوام ناقدا للنموذج السوفياتي في بناء الاشتراكية. علي الاقل من مدخلين: الاول هو الركود الاقتصادي والثاني هو اللازمة الديمقراطية للاشتراكية.

انحكمت التجربة السوفياتية منذ انطلاقها بمعضلة لم تفارقها هي إفتقار روسيا المتخلفة اقتصاديا الى القاعدة المادية لبناء الاشتراكية بسبب نمط الاستبداد القيصري وشبه الاقطاعي وضعف التطور الرأسمالي الصناعي والغلبة الفلاحية على السكّان وصغر حجم الطبقة العاملة، على الرغم من تمركزها. كان الرهان الاساسي للينين والقادة البلاشفة ان تكون الثورة في روسيا الشرارة التي تضرم الثورة في الغرب الرأسمالي الصناعي المتقدم. سرعان ما سقط ذلك الرهان. فغلبت عند لينين النظرة الارادوية التي تقول ان روسيا الآسيوية المتخلفة اقتصاديا انما هي بلد متقدم سياسيا وثقافيا. وقد انبنى على تلك الفكرة تصوّر لينين بقدرة البنية الفوقية المتقدمة (السلطة المجالسية للعمال والجنود والفلاحين- السوفياتات) على ان تجرّ البنية التحتية المتخلفة (روسيا شبه الاقطاعية والرأسمالية المتخلفة) نحو بناء القاعدة المادية للانتقال الى الاشتراكية.

تأكيدا على ذلك الطابع المتقدّم للسلطة السياسية، سعت الثورة الروسية الى القفز فوق مرحلة الديمقراطية السياسية نحو الديمقراطية المباشرة القائمة على نموذج عامية باريس سنة ١٨٧١: الانتخاب المباشر من قبل المنتجين لممثليهم في الحكم مع احتفاظهم بكامل الحق في مساءلتهم ومحاسبتهم واستبدالهم متى شاؤوا. الا ان تجربة السلطة السوفييتية لم تعمّر طويلا. فسرعان ما انفكّ التحالف الحاكم بين البلاشفة وبين الاشتراكيين الثوريين، الحزب الاكثر تمثيلا للفلاحين في روسيا. فحلّ الحزب البلشفي محل الحليف المبعد في ادعاء تمثيل الفلاحين دون تمثيل فعلي لهم، ونعرف التتمة حيث حل الحزب محل الطبقة وحلت اللجنة المركزية في الحكم محل الحزب الى ان حل الدكتاتور محل اللجنة المركزية.

والمفارقة هنا ان لينين، الذي حقق تراجعا كبيرا من اقتصاد الحرب الشيوعي الى اقتصاديات السوق في »سياسته الاقتصادية الجديدة«، فسمح بعودة اشكال من الملكية الفردية الصغيرة والمتوسطة في الريف واعاد تشغيل آليات السوق في تسويق المنتجات الزراعية، لم يقرن تراجعه هذا بتراجع في آليات تشغيل النظام السياسي. فالتراجع عن تجربة الديمقراطية السوفياتية المجالسية المباشرة، لم يتم باتجاه الديمقراطية السياسية التعددية بل تم بالعكس من ذلك باتجاه تدعيم دكتاتورية الحزب الاوحد بواسطة الاجهزة البوليسية والعسكرية.

يمكن ان يقال الكثير عن الستالينية على انه يمكن ايضا ايجازها بالمعادلة التي طرحها إسحق دويتشر: عملت الستالينية على إخراج روسيا من الهمجية (التخلّف الاقتصادي والثقافي) بوسائل هي نفسها همجية. وقوام تلك الوسائل حملة التجميع القسرية الدموية في الزراعة وتحقيق »التراكم الاشتراكي الاولي لرأس المال«-اي التصنيع ونمو المدن الكبرى- من خلال عسكرة العمل الصناعي وممارسة عنف الدولة ضد الفلاحين. فصار العدو الرئيسي هو الكولاك، اي الطبقة نفسها التي شجعت سياسة لينين الاقتصادية الجديدة على نشوئها. وكانت تلك فترة التصفيات الدموية الكبرى داخل صفوف الشعب وداخل الحزب الشيوعي ذاته. وهكذا فمنذ الثلاثينيات، ومع اهتراء ما يمكن تسميته »الشرعية الثورية«، جدّدت الستالينية السلطة السوفياتية من خلال الرعب الدموي واستدعاء الخطر الخارجي (الرأسمالي الغربي ثم النازي) تمهيدا لرصّ الصفوف وعسكرة المجتمع خلال الحرب ضد النازية تحت عنوان »الحرب الوطنية الكبرى« دفاعا عن »وطن الاشتراكية«.

ومهما يكن، فلم تكن التجربة الستالينية من دون نتائج ولا انعكاسات على العالم الرأسمالي بل على مصير عصرنا باكمله. فهي اولا، مكّنت الغرب الديمقراطي من الانتصار على النازية وهي مهمة لم يكن في وسع الغرب وحده الاضطلاع بها. وهي ثانيا، ساعدت الرأسمالية على تجاوز ازمتها الكبرى والخروج من الركود الاقتصادي في الثلاثينات وتطوير نفسها بالتخلي عن الاقتصاد الحرّ الكلاسيكي نحو الرأسمالية الاجتماعية ودولة الرعاية.

مع انتهاء الحقبة الستالينية، كان النظام السوفييتي يواجه تحدّيات مصيرية. فإذا فشل محاولات الاصلاح الخروتشيفي التي استلهمت السياسة الاقتصادية الجديدة للينين يخلي المجال امام إستنقاع النظام السوفياتي خلال ربع قرن. خلال مرحلة الركود البرجنيفية تلك، وفي مناخ من الانفراج الدول النسبي، احتدمت ازمة العمل والحوافز، وهما وجها الازمة الاقتصادية المتمادية للنظام السوفياتي.

ان الرأسمالية تدفع الناس دفعا الى العمل وزيادة الانتاجية تحت وطأة سيف البطالة المسلَّط على العمال، ناهيك عن الإغراءات الاستهلاكية الاخرى. من جهتها، الغت السلطة السوفياتية حافز العمل الرأسمالي ذاك بتحقيقه العمالة الكاملة. فاي حافز حلّ محلّه؟ في البدء، كان الحماس للسلطة البروليتارية هو ذلك الحافز. ثم حلّ محله تدريجيا القمع الستاليني. وبعد انقضاء فترة الحماس الوطني بعد الحرب الوطنية الكبري عادت المشكلة الى الظهور. طرح خروتشوف شعار المنافسة السلمية بين الاشتراكية والرأسمالية مع الوعد بالتغلّب عليها، وعرض »الحوافز المادية« للانتاج تدريجيا محل الحماس الوطني، واعدا بتحقيق الشيوعية قبل مطلع القرن العشرين. لم يتحقق اي من هذا.

في الخلاصة، سقطت التجربة السوفياتية في المنافسة السلعية مع الغرب، حسب تفسير هابرماس الذي يقول كل شيء. لم تستطع التجربة السوفياتية منافسة الرأسمالية في ميدان لعبها- السلعة، ولا هي قدّمت لمواطنيها وللعالم صورة نمط حياة جديدة بديلا عن الرأسمالية، كما حلم تشي غيفارا في نظريته عن انتاج الاشتراكية لانسان جديد وفي فكرته عن الحوافز المعنوية بديلا من الحوافز المادية.

جاءت اصلاحات غورباتشوف متأخرة وواهمة. متأخرة لأن سباق التسلّح مع الولايات المتحدة طرح عليها الكلفة الاقتصادية لـ»حرب النجوم« فلم تكن قادرة على تحمّل تلك الكلفة. وواهمة لأنها افترضت ان العالم الغربي سوف يستقبل ايجابا الانفتاح السوفياتي الاقتصادي والسياسي. والحال ان الولايات المتحدة كانت تعيش حمأة القضاء على »امبراطورية الشرّ« في ظل ريغان، اي تدمير الاتحاد السوفياتي بما هو المنافس العسكري النووي الاستراتيجي لا مجرّد المنافس الاقتصادي. وكذلك لاح للادارة الاميركية وراء الانفتاح الاقتصادي والسياسي الغورباتشوفي خطر بناء اوروبا متضامنة -شرقها والغرب- تشكل قطبا منافسا للولايات المتحدة.

بهذا المعنى قلت واقول إن التجربة السوفياتية اعلنت انتصار ماركس على لينين. اي انها اثبتت اهمية البنية الاقتصادية وبيّنت مدى نسبية المقدرة على الابقاء على تناقض فاغر بين بنية اقتصادية متخلفة نسبيا وبين بنية فوقية سياسية واديولوجية »متقدمة«. فلا بد للقاعدة المتخلفة نسبيا من ان تخرّب البنية الفوقية عاجلا ام آجلا.

ولا شك في ان قضايا القوميات والاقليات قد لعبت دورا حاسما في تفجير الاتحاد السوفياتي من الداخل. ولكنها لعبت ذاك الدور في اطار الازمة الاقتصادية المعيّنة اعلاه. إذ سعت كل جماعة مناطقية او قومية او اثنية للسيطرة على مداها وعلى ثرواتها ومواردها على امل ان يؤدي ذلك الى حل لقضاياها الاقتصادية والاجتماعية.

– لاحقتني »تهمة« التروتسكية طوال حياتي السياسية. وكانت تهمة في اوساط الحركة الشيوعية طبعا. مبعثها اني ربما كنت اول عربي ترجم لتروتسكي. الكتاب المعني هو »الثورة الدائمة« وقد صدر عن دار الطليعة عام ١٩٦٥ باسم مستعار – بشّار ابو سمرا- خشية على مجموعتنا اليسارية الوليدة من ان تتهم كلها بالتروتسكية. لست اعتبر التروتسكية تهمة طبعا وانما لم اكن مرة تروتسكيا باي معنى من المعاني.

لم تكن »الثورة الدائمة«، من اهم مؤلفات تروتسكي، وقد اخترتها لانها كانت تنطوي على نقد لمرحلتي الثورة، النظرية السائدة آنذاك في الاحزاب الشيوعية العربية: مرحلة وطنية ديمقراطية ومرحلة اشتراكية. من جهة ثانية، انجذبت ولا ازال منجذبا الى شخصية الرجل التاريخية- الخطيب والمنظم والقائد الثوري والناقد الادبي والمؤرخ،الخ. – وكارِزماه والوجه المأسوي الدرامي لحياته وحياة اسرته تحت الضربات الدموية للعسف الستاليني.

واهم اسهام لتروتسكي في الفكر الاشتراكي، في اعتقادي، هو نقده البيرقراطية السوفياتية وكشفه الاسس الاجتماعية لنشوئها وترعرعها. واما الاوجه السلبية عنده فهي انه القائد الذي اراد عسكرة النقابات وقمع انتفاضة بحّارة كرونشتاد وهو صاحب نظرية »المقصّات« الشهيرة التي تقوم على فكرة التصنيع والتنمية والتمدين على حساب الريف.

– غرامشي هو المفكر الماركسي الابعد عن فكرة التغيير الانقلابية. وهو الذي برّز اهمية كسب الرأي العام قبل تسلّم الحكم وما يفترضه ذلك من استمرار السعي لارساء الشرعية الثورية على الشرعية الشعبية لا على العنف. وغرامشي هو المفكرّ الماركسي الاكثر اعترافا بأن الانقسام الطبقي لا يختزل انقسامات المجتمع ولا هو العامل الوحيد الناظم للاجتماع البشري. هناك انقسامات قبل طبقية تتداخل معه، كالتفاوت في النمو المناطقي والتناقض بين المدينة والريف (اهمية المسألة الجنوبية في ايطاليا) والتناقض بين العمل اليدوي والعمل الذهني، من هنا الاهتمام الخاص الذي اولاه غرامشي للمثقفين. في السياسة، يجدر التشديد على مساهمتين لغرامشي. الاولى، مفهومه المتميّز عن القيادة والسيطرة بما هما وجها السلطة السياسية. والثانية نظريته المميزة للمسألة القومية. كتب غرامشي احد اهم نصوصه عن الوحدة القومية الايطالية وهو نص لم يترجم بعد للعربية وهو امر بالغ الدلالة. لم يتردد غرامشي في التأكيد على ان الوحدة القومية تمت بقيادة دولة هي بييدمونت التي لعبت دور الحزب الذي جمّع حوله انوية البرجوازية في ايطاليا كلها. ولم يكترث لعناصر تكوين القومية كما صاغها ستالين لاثبات ان الايطاليين امة. بل نظر الى الوحدة القومية الايطالية نظرة تاريخانية، بما هي مسار تاريخي.

بايجاز فإن اهم ما في ماركسية غرامشي ايلاءه الاهمية الاستثنائية للحظة الثقافية، وما يسمّيه الثقافة الوطنية الشعبية، ويتفرّع عن هذه اهتمامه بالثقافة الشعبية (هنا تتحوّل الافكار الى قوة مادية، اي عندما »تكتسب صلابة المعتقدات الشعبية« حسب قوله).

– لم اكتب عن التوسّير ولا انا ترجمت له. وإن كنت تأثرت به خصوصا في قراءاته اللامعة للكلاسيكيات الماركسية. لكني لم انجذب كثيرا الى منهجية القطيعة عنده (بين ماركس الشاب وماركس الناضج) ولا الى اعدامه النزعة الانسانية في الماركسية. اما عن البنيوية والماركسية فيمكن ان يقال الكثير. ولعل الاهم هو التأكيد على ان الماركسية تحتمل تفسيرا بنيويا متواضعا. ذلك ان ماركس هو مكتشف ضرورة البحث، في الرأسمالية خصوصا، عن البنية الخبيئة وهو المعتمد منهجيا على مبدأي التأويل والتفسير في قراءة الواقع المعاصر. لكن هذه لا تبرر في اعتقادي الغلو الذي يصل اليه التوسّير في قراءته البنيوية الجامدة والمجرّدة احيانا للماركسية.

السؤال السابع: قبل ان »تكتشف« الماركسية، كنتَ قوميا بالمعنى التقليدي قبل اربعين عاما. ولعل مجايليك كانوا كذلك في حقبة المدّ القومي تلك لسنوات الخمسينيات والستينيات. وسبق ان عشت الفكرة القومية حزبيا في مطلع الستينيات. لماذا كانت زيارتك لـحزب البعث قصيرة؟

– مع انك تمرّدت سريعا على الخطاب القومي ومؤسساته السياسية، وخضت – مع رفاق لك آخرين- تجربة »لبنان الاشتراكي« منذ منتصف الستينيات، وتجربة »منظمة العمل الشيوعي« منذ العام ١٩٧٢، ومع انك انغمست في الترجمة لنصوص ماركسية وفي التأليف داخل المقالة الماركسية، الا انك لم تقطع تماما صلتك بالفكرة القومية العربية. وعلي استحضر – في هذا المعرض- بعض الشواهد على حبل الصرّة الذي لم ينقطع بينك وبينها في عزّ عنفوانك الماركسي. اذكر انني قرأت لك مساهمة في ندوة مجلة »الطريق« حول »اللينينية والمسألة القومية« . كان ذلك قبل عشرين عاما، واذا لم تخنني الذاكرة كان في العام ١٩٨٥. وانطباعي حينها انك كنت مدركا – عل نحو حاد- اولوية المسألة القومية في جدول اعمال حركة التحرر الوطني العربية. اذكر ايضا حوارا معك نشر في مجلة »المصير الديمقراطي« في الفترة نفسها (قبل او بعد بقليل لست اذكر) عبّرت فيه بصراحة عن منزعك القومي العربي في عرض حديثك عن العلاقات التي انتسجت بين حزبك (»منظمة العمل الشيوعي في لبنان«) وبين الحزب الشيوعي اللبناني. اذكر ايضا مداخلتك في ندوة »منتدى الفكر والحوار» في الرباط/المغرب حول المسألة الديمقراطية في صيف العام ١٩٨١ ومقالات عديدة نشرتها في مجلة »الحرية« في السبعينيات وفي مجلة »بيروت المساء« في اوائل الثمانينيات حول الثورة الفلسطينية وحركة التحرر الوطني العربية واليمن الخ. ولعل موقفك القومي هذا بات اوضح خلال العقد والنصف الاخير، منذ كتابك »الماركسية وبعض قضايانا العربية« حتى كتابك »صورة الفتى بالاحمر«. كيف امكنك ان تعيش هذه الثنائية” القومية العربية والماركسية الاممية حيث كان مستحيلا وممتنعا على الآخرين اوشيئا بهده المثابة؟

❊ لم اكن قوميا بالمعنى التقليدي. وواقع الحال اني تدرّجت الى الماركسية تدرّجا من خلال قراءاتي الاشتراكية، المستوحاة اساسا من تأثير حزب البعث. ولست اعتقد اني اعيش ثنائية في هذا المجال. فقد كنت دائما مقتنعا بحاجة الماركسية العربية الى مقاربة المسألة القومية على نحو جديد.

انا وحدوي ولست قوميا، بالمعنى الاديولوجي للكلمة. لاني لست ارى ان تحقيق الوحدة العربية هو استعادة لعصر ذهبي للعرب او خروج من الظلمات الى النور او عودة الوضع العربي الشاذ الى حالتة »الطبيعية« او ما شابه ذلك من استرجاعات قوموية. ولا انا قومي بمعنى الايمان بكيانات عضوية هي الامم وبقداسة وحدتها واعتبار كل ما يهدد تلك الوحدة بما هو الشواذ والانحراف بله الخيانة.

ارى الى الوحدة العربية من منظار الحاضر والاهم من ذلك من منظار المستقبل. اي اني ارى في الوحدة العربية اولا باول مصلحة اكيدة لجميع العرب على كافة المستويات، الاقتصادية والاجتماعية (الافادة المشتركة من ثرواتهم الطبيعية وتوفير الاطارالمناسب لتنمية فعالة ولتوزيع اعدل للثروة القومية، الخ) والسياسية (ولو فقط من قبيل الدفاع المشترك عن الذات في وجه اسرائيل، واحتلال العرب لموقعهم في العالم ومساواتهم بسائر الامم) والثقافية، الخ.

ثم اني ارى الى تحقيق الوحدة على انه مسار. قد يبدأ بخطوات آيلة الى نمو التبادل بين الدول العربية وصولا الى السوق العربية المشتركة انتهاء بشكل ما من الاتحاد السياسي الدستوري فيما بينها دونما مطابقة البتة بين الوحدة وبين المركزية.

وانا وحدوي ولست قوميا لاني ادافع عن حقوق الاقليات وارى مع المفكر الكبير ياسين الحافظ انه تقع المسؤولية بالدرجة الاولى على الاكثرية في حل مسألة الاقليات دون ان اجاريه في عدم تحمّل او تحميل الاقليات اية مسؤولية عن خياراتها السياسية وعن مساهماتها في الحل. ولست اعتقد ان الوحدة العربية تحل قضية الاقليات بل ان حل تلك القضية شرط لقيام الوحدة اصلا.

ادافع عن حق الامازيغ في الجزائر بالتكلّم والتعلّم بلغتهم الى جانب اللغة العربية. ولست ارى في ذلك اية اساءة لـ»عروبة« الجزائر بل اثراء لها. وقد كنت ولا ازال مع حق الشعب الكردي في تقرير المصير في اطار عراق ديمقراطي موحد. ومع ذلك، لست ضد الفيدرالية من حيث المبدأ اذا تم التوافق عليها بين المكونات الاساسية للشعب العراقي. ولست ارى اليها مسبقا على انها بمثابة تجزئة للعراق. لا اعتقد بأن الاكثرية دائما وطنية والاقليات مشبوهة دائما ومرتبطة بالاجنبي ومحكومة دائما وابدا بالتبعية له وبزجه في الصراعات الداخلية لبلادها. يجب البحث دائما ما اذا كانت الاكثرية – بقواها والانظمة السياسية التي تمثلها- قد بذلت ما يكفي من الجهود لحل قضية الاقليات في بلادها. وحصيلة الامر ان الاستنجاد بالخارج، من اية جهة اتى، يتم دائما لصالح الخارج. والمسؤولية فيه لا تقع فقط على الاقلية. خذ وضع السودان الحالي مثلا على ما اقول. الدور الاميركي في المفاوضات بين الحكومة السودانية وثوار الجنوب، قد تم بعد اكتشاف النفط على الحدود بين الجنوب والشمال، وكانت توجد بالتأكيد امكانيات وفرص متاحة لتفادي ذلك النمط من التسوية، في ظل الراعي الاميركي على الطرفين، لو ان انظمة الشمال بادرت الى حلول داخلية للمسألة الجنوبية قبل ان تتفاقم الحرب الدموية وتطول مدتها.

نعرف من التجربة التاريخية انه يمكن حلّ مسائل الاقليات بواحدة من طريقتين إما بالديمقراطية وإما بالاستقلال الذاتي وحق تقرير المصير وصولا الى الانفصال. واعتماد اي منوّع من المنوّعات الثانية انما هو بمثاية الاعلان عن الفشل في تحقيق الاولى او محدودية تطبيقه.

تبقى كلمة عن الاممية. لكي تكون امميا عليك او تكون اولا وطنيا وثم قوميا. لا ان تضع وطنيتك في وجه قوميتك (انا لبناني وعربي، ولا تناقض) او وطنيتك وقوميتك في مواجهة امميتك. فالاممية، كما افهمها، هي انجدال مصالح قومية مشتركة وليست امحاء المصالح الوطنية والقومية امام مصلحة اممية مجردة. وتأكيدا فإن الاممية ليست تعني لي التبعية لهذا المركز الاممي او ذاك. اننا الآن، في زمن العولمة، اشدّ حاجة للتضامن الاممي وللنضال الاممي المشترك اكثر منا في اي وقت مضى لأن قضايا العالم تتزايد تشابكا وبالتالي تزداد الحاجة فيها الى تضافر جهود شعوب باكملها واحيانا البشرية جمعاء للاضطلاع بالمهام الجسيمة المطلوبة.

السؤال الثامن: كان يفترض في حرب لبنان الاهلية، بملابساتها الطائفية، ان تكون حقلا تاريخيا وسياسيا لإختبار حُجّيّة منظومةِ المفاهيم المادية التاريخية (التي إمتشَقْتها مع آخرين من “عشيرتك الفكرية”: الاقربين والابعدين)، ولِعِيَار منسوب الوجاهة فيها لأنْ تكون ادوات نظرية اجرائية لمقاربة حال من التكوين الاجتماعي المركَّب ما تعرّفَتْ عليها المنظومةُ تلك في مجرى فتوحاتها المعرفية. الم يحدث لديك هذا »اللقاء« المضطرب بين الجهاز النظري-المفاهيمي الماركسي (المتكوّن في حقل تاريخي فكري واجتماعي مختلف) وبين اجتماع سياسي واهلي عربي، مثل الاجتماع اللبناني، قدرا ما من القلق المعرفي غير القابل للصرف بـ”عملة الكونية” و”شمولية” احكامها سائر ما يقع تحت انظارها من تواريخ الاجتماع الانساني »الفرعية«؟ الم تَضْبِط بعضَ اوجه القصور في تلك المنظومة في حالة تلبُّس؟

❊ يبدو من السؤال انك لم تطلّع على العديد من كتاباتي عن الحرب قبل الحرب وخلالها وبعدها ولا عن نتاج منظمة العمل الشيوعي في هذا المجال. ثم انك تتحدث عن خصوصية عربية للمفاهيم قياسا الى كونية ما. فكأن الحروب الاهلية خصوصية من خصوصياتنا القومية.

لو انك اطلّعت على كتاباتي المبكرة في هذا الموضوع لاكتشفت اني اعتبرت التشكيلة الاجتماعية اللبنانية حاملة لثنائية الطوائف والطبقات وللجدل بينهما واعتقد اني بين قلائل لم يروا الى الوضع اللبناني مختزلا باي من تلك التكوينين- الطائفة والطبقة. هنا افادتني الماركسية – اي المادية التاريخية تحديدا- ايما افادة في فهم المسألة الطائفية، لا كما يقدّمها الطوائفيون ولا كما يعدمها العديد من اليساريين محولين اياها إما الى وهم اديولوجي وإما الى »علاقة سياسية«، ناهيك عن وقوعهم احيانا فريسة الصاق براءات وطنية او ثورية علي طوائف دون سواها. وانما رأيت اليها بما هي ظاهرة تخترق كل بنى الاجتماع اللبناني، ولكنها ليس تختزلها. تخترقها وتفعل فيها ولكنها لا تخرج عن الانحكام الطبقي وإن تكن الطائفية تعدّل في آليات تشغيل البنية الطبقية.

في هذا المجال، رأيت الى الطائفية على انها تشتغل عبر منظومتين: ١) اشكال الامتياز والتمييز الاجتماعية غير الطبقية او تلك الحاصلة داخل الطبقات، و٢) اشكال الامتياز والتمييز السياسية، اي تلك القائمة على تفاوت في علاقات القوى، بين الجماعات ذوات التخوم الديني، حسب تعبير رودنسون في تعريفه الطائفة.

في ظل النظام الطوائفي اللبناني، كما انبنى وترسّخ في العرف والتقليد والواقع، تلعب الطوائف دورها بما هي وسائط لتوزيع العمالة (وهو امر مكرّس قانونا في القطاع العام بواسطة المحاصصة، ولكنه قائم على نحو متزايد في القطاع الخاص بحكم العرف) وهي قنوات لتوزيع واعادة توزيع الثروة والدخل الاهلي وهي رافعات للارتقاء والحراك الاجتماعيَين. والطائفية في وجهها هذا انما تعبّر عن الامتيازات الصغيرة في داخل التمايزات والفوارق الطبقية الكبيرة. وفي جوّ من الازمة الاجتماعية، يسهل الانزياح والانزلاق من الطبقي الى الطوائفي. ويجب ان اقول ان هذا البعد الاجتماعي قد تعرّفت اليه منظمة العمل الشيوعي في ادبياتها في السبعينيات، وبينها تقرير للجنتها المركزية في صيف ١٩٧٥.

في كل الاحوال، هناك الكثير مما يستوجب التفكير واعادة التفكير بعد الحرب عن الطائفية. ان »الغاء« الطائفية لا معنى له. والاسخف منه هو البحث في الغائها في النصوص اولا او النفوس. اني ارى الآن الى الامر على انه عملية تجاوز تدريجية وتراكمية للطائفية تنطوي على مركّب من الاجراءات غير المباشرة والاجراءات المباشرة. الاجراءات المباشرة معروفة. ولكن يجب التشديد على تنوعها: التناوب بين الرئاسات الثلاثة، الغاء طائفية الوظيفة كليا، اعتماد نظام تمثيلي من مجلسين (كما هو وارد اصلا في الدستور) مجلس نواب منتخب خارج القيد الطائفي ومجلس شيوخ يمثّل الطوائف تمثيلا مباشرا، اعتماد قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية، تدعيم التعليم الرسمي، الخ. ويقع في رأس الاجراءات غير المباشرة الانماء المتوازن والعدالة الضريبية والعدالة الاجتماعية.

قد اختلف مع الشاعر سعيد عقل في كل شيء تقريبا، الا اني مدين له بفكرة واحدة على الاقل هي قوله بما معناه: اعطوني المعاش التقاعدي والسكن الرخيص والضمان الصحي والتعليم المجاني وانا كفيل لكم بزوال الطائفية. في هذا القول مقدار كبير من الحقيقة.

السؤال التاسع: شعرتُ شخصيا، في ما قرأته لك قبل عقدين، في هذا »النازلة« (=الطائفية)، انك كنتَ تشارف احيانا في النظر اليها المقالة الخلدونية في تحليل نظام العصبية-الحاكم للاجتماع العربي الوسيط- حتى دون ان تستعير مفردات قاموسها على نحوٍ صريح. هل جرى ذلك مصادفةً، ام عن سبق علم بثرا مفاهيم هذه المنظومة في تحليل مجتمع لمّا يزل اجتماعه الاهلي مشدودا الى آليات تقليدية حاكمة كالمجتمع اللبناني: المفضوحة حداثُته المادية بتخلّف بناه الاجتماعية قبل-الدولتية وقبل-الرأسمالية؟

– لا اجاريك في ثنائية الحداثة/التخلف. ابلغ درس من معاينة ودراسة الظاهرة الطائفية هو ضرورة التخلي عن تلك الثنائية. لا تنتج الرأسمالية الحداثة تلقائيا ولا الطائفية ظاهرة من ظواهر التخلف. ذلك ان الكثير من البني الاجتماعية قبل الرأسمالية، او عناصر من تلك البنى، عادة ما تستعيرها الرأسمالية، مع تعديلات وتحويرات لازمة، لتلعب ادوارا في المجتمع الرأسمالي ذاته، اكان على المستويات الاديولوجية او السياسية او حتى الاجتماعية.

اما عن مفهوم العصبية فما من شك في ان العصبية الطائفية -عصبية الموارنة تحديدا- لعبت دون شك دورا في تكوين الكيان اللبناني وفي بناء لبنان الحديث. ويهمّ استخدام المفهوم الخلدوني شريطة ان لا يأخذنا الى حيث نبتعد عن الموضوع.

نعم للطائفية علاقة بالانصبة الطامحة الى السلطة. يمكن مراقبة وهن العصبية عند الانصبة التي طال بقاءها في السلطة.

السؤال العاشر: كان صديقك الشهيد حسن حمدان (=مهدي عامل) حادّ الرفض للإعتراف باي نصاب اجتماعي للطائفة والطوائف، على خلفية تعريفه الطائفة بحسبانها علاقة سياسية (بين الطبقة البرجوازية والطبقات الاجتماعية الشعبية التي يقع عليها اثر الاستتباع الايديولوجي) وتعريفه الطائفية بحسباتها الاثر السياسي الذي تولده عملية الاخضاع الايديولوجي (=التضليل، التزوير…) للطبقات الشعبية من قبل الطبقة البرجوازية المسيطرة، وعلى خلفية الاعتقاد ان الصراع الطائفي هو الشكل الخاص الذي يأخذه الصراع الطبقي في بنية اجتماعية رأسمالية تبعية (محكومة بعلاقات الانتاج الكولونيالية في لغته)…الخ. ولقد كنتَ افضل من ساجله نظريا بغير كبير ضجيج. ولكن هل ما زلتَ مطمئناً الى فرضيتك الذاهبة الى ان هذه الطائفية ليست محض علاقة ايديوليجية تزوّرالوعي، بل هي (علاقة) تنتج آثارها المادية في الحقل الاجتماعي وتعيد صوغ اصطفافه، فتنجم عنها -بالتالي- نتائج سياسية غير قابلة للنكران. ألا ترى ان هذه الموضوعة تصف واقعا ولا تحلله على الرغم مما تنطوي عليه من سموّ نظري عن التحليل الطبقوي للمجتمع؟ المعنى، الا تجد ان ثمة حاجة الى ان نفسّر لماذا تخلق العلاقة الطائفية آثاراً مادية في صورة اصطفاف عمودي مجال الاصطفاف الطبقي الذي تفرضه سيادة العلاقات الرأسمالية للانتاج والانقسام الطبقي الناجم عنها: اليس في ذلك ما ينعش فرضية مهدي عامل حول وظيفة الإعاقة التي يمارسها عامل الاخضاع الايديولوجي؟

❊ من قال ان الاصطفاف الطبقي هوالاصطفاف الوحيد في المجتمع، في اي مجتمع؟ كنت اعلاه اتحدث عن التناقضات الاخرى التي تناولها غرامشي: الانقسام بين ريف ومدينة بين منطقة واخرى، بين العمل اليدوي والعمل الذهني، اليست هذه اصطفافات اجتماعية عمودية؟

تتميّز المجتمعات باشكال متعددة من السيطرة والاستغلال. فقط في ظل الرأسمالية الانتاجية تكون الطبقة هي المبدأ البنيوي المركزي الناظم للمجتمع ككل. ويمكن تسمية تلك المجتمعات بالمجتمعات الطبقية. ما قبلها مجتمعات ذات انقسام طبقي- والتمييز لعالم الاجتماع غيدنز. في تلك المجتمعات، تلعب العلاقات بين الجنسين والعلاقات الاثنية والعشائرية الدور الاساسي او هي تتقاسم دور الناظم البنيوي للمجتمع مع العامل الطبقي. في الحالات الاخيرة، قد يحتلّ الحيّز الاديولوجي او السياسي دور الاساس في البنية المجتمعية. ولكن الحيّز الاقتصادية يبقى هو العامل المقرّر حتى لو كانت المستويات الاخرى من البنية الاجتماعية هي الاساسية، كالدين او السياسة. وذلك لسبب بسيط هو ان ما من مجتمع يستطيع ان يعيش على السياسة او الدين. من هذا ان النمط الذي به يحصّل المجتمع معاشه (حسب التعبير الخلدوني) هو الذي يفسّر لماذا الدين في هذه الحالة او السياسة في تلك هو الذي يلعب الدور المركزي في التنظيم الاجتماعي.

– الطائفية بما هي علاقة سياسية وصف وليست مفهوما. اول ما يريده مهدي هنا هو تبرئة الاقتصاد من اي اثر للطائفية. يقول ان الطائفية لا علاقة لها بالطبقات حتى ولو كان ابناء طبقة معينة كلهم من طائفة معينة. هذا موضوع خلافي الاساسي مع مهدي.

– الطائفية بما هي علاقة سياسية هو وصف لاستتباع كل شريحة من الطبقة العاملة لبرجوازية طائفتها من خلال ذلك استتباع الطبقة العاملة كلها الى البرجوازية. مشكلة هذا الوصف انه لا يفسّر لماذا يرتضي البشر مثل هذا الاستتباع.

ان المضمون المادي والاجتماعي للطائفية هو الذي يمنحها طاقاتها على الحشد والتعبئة والعصبية، إن شئت. طبعا يوجد وجه اديولوجي للطائفية بل توجد اوجه. ولكن هذه الوجوة الاديولوجية لم تكن لتفعل فعلها لولا وجود حوامل مادية لها، اجتماعية- سياسية بالدرجة الاولي.

الطوائف معنية بالتوزيع لا بالانتاج. من هنا انها تشيع وهما توزيعيا شديد الخطورة. انها تفترض وجود ثروة وخدمات وتنفيعات دولتية جاهزة للتوزيع، لا يبقى الا النزاع على الحصص التوزيع. مضمر النظام الطائفي ان الاعجوبة تتكفّل بالاقتصاد فلا يبقى على الطوائف الا توازع الازدهار الهاطل عليها. ماذا يحصل اذا لم يكن ثمة اعجوبة؟

من ينتج الثروات من اجل توزيعها؟

يمكن ان نختم بالحديث عن وهمين آخرين.

الاول هو ان الطائفية توحي لكل فرد من افراد الطائفة ان وصول زعيم قوي للطائفة الى السلطة قمين بانتزاع حصة اكبر من السلطة السياسية باسم الطائفة وان تلك الحصة الاكير سوف يعود بمنافع مادية شتى على جميع ابناء الطائفة. حقيقة الامر ان الخدمات التي يؤديها زعماء الطوائف شخصية ومحدودة.

الوهم الثاني هو ان الطائفية إذ تسوّد علاقت المحسوبية والاتكالية والإحسان بين الناس تعمل على ابادة فكرة الحق عند المواطن.

بناء على مثل هذه المقاربة، يمكن الخروج من لعبة التكاذب السائدة حول الطائفية: الكل يدينها والكل -تقريبا- لا يعتقد ان الوقت قد حان من اجل »الغائها« او هو قد فقد الامل في امكان التخلّص منها. وبناء عليه ايضا يمكن نقل البحث في مسألة تجاوز الطائفية الى حيّز آخر هو تعيين القوى ذات المصلحة في تجاوز النظام الطائفي ومستوى استعداداتها النضالية والعمل على تكتيلها وتنمية فعلها والتأثير في المجتمع والدولة.

Themes
History Politics
Countries
Arab World Lebanon
Published In
Al-Mustaqbal Al-Arabi
Keywords
Intellectual History Lebanese History Memory Autobiography & Memoir Lebanese Left Interview

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.