Back to Talks & Interviews
Talks & Interviews Interviews

Al-Bawsala Interview

In a world where capitalism claims victory and absorption of left-wing demands, the interview reveals this to be a superficial re-framing that exacerbates capitalism's crises and challenges the Left to renew its vision.

مقابلة البوصلة

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

مقابلة البوصلة

شباط/فبراير ٢٠٠٨

تبدو الرأسمالية العالمية فى لحظة انتصارها الطويلة قادرة على استيعاب كثير من

• الأفكار والرموز التى ارتبطت باليسار، بدءا بتبنى البنك الدولى لاستراتيجيات لمكافحة الفقر، ومرورا باستيعاب حركات احتجاجية متنوعة ضد تلوث البيئة والعنصرية وحركات تحرير المرأة وحقوق المثليين وغيرها، وليس انتهاء بترويج صورة جيفارا كرمز رومانتيكى. ما هى دلالة هذا التحول، وأين يكمن الموقف اليسارى؟ وهل ثمة دور للأحزاب الشيوعية الآن؟

– أولا، لا شك أن الرأسمالية انتصرت على أنماط بديلة سُميت اشتراكية تجسدت فى المعسكر الشرقى، ولكن التنبؤ بأنه لحظة الانتصار هذه طويلة المدى فقضية تحتاج إلى بحث. المسألة الأهم أن هذا الانتصار لا يفضى أبدا إلى القبول بالرأسمالية، لأن عشرات الشعوب ومئات الملايين من الناس ما زالوا يعانون من مساوئ الرأسمالية، بل تزايدت المعاناة، وبالتالى لا تزال الأسباب التى دفعت الناس إلى ألا يعتبروا الرأسمالية نهاية التاريخ موجودة.

بل يبدو لى أن سقوط المعسكر الشرقى قد فاقم المشكلات الاجتماعية والثقافية والسياسية للرأسمالية. لأن الرأسمالية الغربية كانت قد تحولت تحت ضغط المنافسة مع الاتحاد السوفييتى إلى رأسمالية اجتماعية ووسعت أطر الديمقراطية لتفسح للعمال والفلاحين والمثقفين. الآن يجرى تدريجيا التراجع عن كثير من هذه المكاسب، وهو ما يفسر حدة النضالات العمالية والنقابية فى عدد واسع من البلدان الرأسمالية.

ومن جهة أخرى فإنه فى عصر العولمة، التى من علاماتها فرض لاهوت السوق وآلياته على العالم كله، يجرى نقل قسم كبير من المصانع إلى العالم الثالث، توفيرا لتكاليف الإنتاج وهربا من قيود الحركات النقابية والعمالية، فيدخل عدد كبير من العمال فى سوق العمل، لتضاف جماهير جديدة تواجه الاستغلال الرأسمالى. كذلك يناضل العمال الغربيين والأمريكيين ضد عملية التفريع أو نقل الصناعة هذه لأنها تسفر عن بطالة واسعة.

ثانيا، ينتقل العالم الرأسمالى اليوم إلى طور جديد تماما، هو ما يسمى بالفقاعة المالية، حيث تنتقل أموال هائلة عبر العالم بلا رقابة، وفى المقابل يجرى تهميش، ليس فقط قطاعات إنتاجية، بل قارات بأكملها. فنحن أمام أسواق عالمية مضطربة باستمرار، ويجرى عادة إنقاذ الموقف بتدخل المصارف المركزية. وبنك الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى يرفض الآن التدخل خوفا من حالة تضخم متزايدة. مقابل هذا هناك نمو لمحاور رأسمالية جديدة وقوى اقتصادية جديدة، وهناك ثلاثة تريليونات من الدولارات تبحث عن توظيف.

ثالثا، هناك ارتفاع غير مسبوق فى الحروب الأهلية، خاصة فى القارة الأفريقية.

هذا عن أزمات عالمنا فى ظل هيمنة الرأسمالية. ولعل هذا يوضح أن النضال ضد الرأسمالية ليس مسألة فكرية بل مسألة مصالح. ونحن فى منطقتنا العربية لسنا متفرجين على صراع لا شأن لنا به، نلحق فيه بالمنتصر. نحن نفكر فى مصالح وحاجات البشر لأن يقاوموا وقع هذه الرأسمالية المنتصرة فى المجال الثقافى كما فى المجالات السياسة والاقتصادية والاجتماعية.

الأمر الآخر، هل الرأسمالية تستوعب حركات الاحتجاج؟ الرأسمالية أوجدت إيديولوجيا تعممها على العالم بالمؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية العالمية، تطمس المشكلات الحقيقية، ولا تلبى مطالب الاشتراكية. فمثلا بالنسبة للفقر: كانت الإحصائيات سابقا تتناول توزيع الدخل، وبالتالى تشير إلى آليات الاستغلال، الآن صارت إحصائيات المؤسسات الدولية تتناول ما تسميه “الفقر”، وبهذا يتم إغفال الغنى المصاحب والمسبب للفقر، وتغيب قضية إعادة توزيع الثروة. بل وتتراجع الأهداف من استئصال الفقر إلى مجرد الحد منه.

أما الحركات الاحتجاجية بشأن قضايا البيئة، العنصرية، تحرر المرأة، حقوق المثليين، فإن الرأسمالية أعادت صياغة أجندتها بما يجعلها محدودة تماما: لم يعد هناك شىء اسمه تحرير المرأة، بمعنى تساويها مع الرجل، فى كل المجالات، بدءا من الأحوال الشخصية إلى العمل، فقد حل محله “تمكين المرأة”، الذى يختزل القضية فى تمثيل المرأة بنسب معينة فى الإدارة والسياسة. كما أن الرأسمالية فشلت فى تلبية مطالب حماية البيئة، الولايات المتحدة هى الطرف الرئيسى الذى يرفض التوقيع على الاتفاقيات الدولية لمكافحة التلوث، وما زالت الرأسمالية تتشبث بالتسلح النووى.

خذ أيضا قضية حقوق الإنسان. هل ترعى الولايات المتحدة حقوق الإنسان فى الوطن العربى؟ أين حقوق الشعوب؟ مع كل هذه الخروقات والفوارق بلا نظير بين الادعاء والتطبيق؟ ما الموقف من حق الشعب الفلسطينى، حيث فلسطين آخر مستعمرة فى العالم. ما يجرى هو طمس حق تقرير مصيره وعودة الفلسطينيين، باسم حريات الفرد. هل الهيئات الممثلة لرجال الأعمال منشغلة بقضية الديمقراطية؟ لا أرى دلائل على ذلك.

الأحرى إذن ألا نتحدث عن استيعاب الرأسمالية لهذه القضايا، وإنما عن رؤية، لا تستوعب هذه النضالات الواقعية للبشر. لذلك نجد مثلا حركة عشرات الملايين من الفلاحين فى البرازيل من أجل الأرض، والذين انتخبوا لولا، وتزايد النزاعات العمالية، فى ضوء أن معظم سكان العالم يعملون فى الصناعة والزراعة والحرف. هذه فقط بعض الأمثلة التى تبين أن الرأسمالية لم تستطع أن تصادر مطالب اليسار.

وبالنسبة لصورة جيفارا، فهناك أمثلة أخرى مقابلة، فهناك أربعة أو خمسة أنظمة فى أمريكا اللاتينية تعتبر نفسها امتدادا لنموذج ومثال جيفارا، من الزاباتيستا إلى موراليس إلى فنزويلا إلى كوبا. كما أن شبيبة اليسار فقط هى التى تضع صور جيفارا على ملابسها. فالاستيعاب المشار إليه هو على الأقل نسبى. والاشتراكية بالمقابل ليست مجرد دعوة إلى مكافحة الفقر، بل هى إمكانية تصور عالم آخر غير مبنى على دافع الربح ولاهوت السوق والملكية الفردية.

لنلخص: يبدو لى أن الأسباب التى حدت بكثير من الناس والقوى إلى أن تحتج على الرأسمالية، وتسعى إلى بديل لها، وتتصور أن الرأسمالية ليست نهاية التاريخ ما زالت قائمة. المفارقة هى أن اليسار ينهار فى الوقت الذى تزيد فيه مشكلات الرأسمالية، بالذات من النمط الذى يجب أن يعالجه اليسار. وهذا أمر مفهوم بسبب هزيمة اليسار بأشكال مختلفة، فلم تسقط قوى اليسار كلها فى 1990 أو ابتداء منه. بل بدأت قبل ذلك.

• ولكنى ما زلت أرى أن جانبا كبيرا من إجابتك تؤيد الملاحظة القائلة بأن الرأسمالية استطاعت أن تفرض أجندتها بالنسبة للمشكلات التى يطرحها اليسار والحركات الاحتجاجية عموما، مثل تحويل مشكلة التفاوت الطبقى إلى مشكلة فقر، أو إعادة صياغة قضية تحرر المرأة. وباختصار، صياغة مشاكل العالم من وجهة نظر رأسمالية والنجاح فى تعميم هذه الصياغة، والإيحاء بأن ثمة تقدم يحدث. فليس المقصود هنا هو أن الرأسمالية تقوم بمهمات اليسار كما يراها اليسار، بل المقصود هو أنها تستوعب الأجندة وتصيغها، لمصلحتها بالطبع.

– نحن نتحدث عن عالم به قوة واحدة، لأن هناك طرف منهزم. وصحيح أيضا أن الرأسمالية تعمم رؤيتها على العالم، لأنها تملك من المؤسسات ومن السيطرة على وسائل الإعلام ما يسمح بذلك. ولكن يظل الفارق قائما، كما أشرت، بمعنى أنه استيعاب ضد مصالح الفئات المعنية. مثلا بالنسبة لقضية المرأة، لنأخذ حالة من بلدان الخليج: الكويت: حصلت المرأة على حق الانتخاب، وأتوا بشيخة أو أميرة وصارت وزيرة، بالإضافة إلى نساء يعملن سيدات أعمال، بينما يظل المجتمع ذكوريا، ولا تدخل النساء حلقات الرجال، ولا تتمتع المرأة بحرية اختيار شريك حياتها، وتخضع للشريعة فى تفسيرات ذكورية لها. فالفارق بين الرؤيتين يظل قائما.

• فى ضوء تحولات أجندة الصراعات الاجتماعية فى العالم، إلى قضايا البيئة والجماعات المضطهدة، وتراجع هيمنة نضالات الطبقة العاملة ولو نسبيا فى المشهد السياسى، كيف ترى قدرة الماركسية كنظرية على تفسير الواقع؟

– لا يوجد ما هو أسهل من الانتكاس والسير خلف الحركات القومية والإسلامية والحيوية. كلها عندها أزمة فى أنها تعلن أنها ضد العولمة، ولكن بالرجوع إلى الوراء. بالمقابل فإن الماركسية، لأنها علم الرأسمالية، هى الفكرة الوحيدة القادرة على تخيل تجاوز الرأسمالية، لا بالرجوع إلى الماضى، ولا ضد العولمة، ولكن عولمة بديلة تستفيد من كل إيجابيات العولمة، أى تستفيد من عالم موحد، ولو نسبيا، موحد من حيث الإعلام والسوق، برغم أنه منقسم عرقيا وقوميا وتمزقه حروب أهلية وغير ذلك.

ما من شك أن من ثمار انتصار الرأسمالية فرض سرديات ولغة وإيديولوجيا اجتماعية واقتصادية، تسللت بالفعل إلى معظم أوساط المعارضة. فمثلا ثلاثة أرباع الإسلاميين مع النيوليبرالية ومع حقوق الإنسان، بتحفظ ألا تتعارض مع الشريعة. هذه الرؤية التى تبشر بها هذه الرأسمالية المنتصرة جانب كبير منها إيديولوجى بالمطلق. تتشدق الرأسمالية بالقول بنهاية عالم الإيديولوجيا، بينما تقدم أسخف إيديولوجيا ممكنة، عبارة عن لاهوت له علاقة بالسوق، يتحول إلى أربعة أو خمسة تعويذات تخفى نظام سيطرة معقد.

• بالإضافة إلى مشاكل اليسار فى العالم، ضعفت الأحزاب والمنظمات الشيوعية فى بلدان عربية عديدة، وفقدت ما كان لها من نفوذ جماهيرى، خاصة فى بلدان مثل العراق والسودان. كيف ترى مشكلة الأحزاب الشيوعية العربية؟

– فى تقديرى أن مشكلات الأحزاب الشيوعية العربية سبقت سقوط الاتحاد السوفييتى بكثير. فقد بدأت مع نشوء الحركة القومية العربية، المتمثلة فى الناصرية والبعث. قبل هذه اللحظة التاريخية، كانت حركة التحرر مقسمة إلى يمين ويسار: الاستقلاليين فى حزب الوفد أو الكتلة الوطنية السورية أو حزب الدستور اللبنانى، مقابل الشيوعية باعتبارها يسار حركة التحرر الوطنى. تمثلت مساهمة الشيوعيين فى الربط بين الاستقلال السياسى والاقتصادى والسيطرة على الموارد، والمساواة بين المواطنين، فكان التمايز واضحا.

عندما برزت الفئة الثالثة القادمة من الطبقة الوسطى المدنية وضباط الجيش أو البرجوازية الصغيرة، ضاق الهامش كثيرا بين يسار حركة التحرر والحركة القومية الجديدة، لأنها استوعبت قسما كبيرا من رؤية ومطالب اليسار. لنأخذ مثلا برنامج الحزب الشيوعى المصرى فى العشرينيات، وهو أكثر برنامج متطرف فى تاريخ الحركة الشيوعية المصرية؛ تجد مثلا أن سقف الملكية الزراعية المقترح فيه كان أعلى مما طبقه عبد الناصر، ولا تجد مطلب تأميم قناة السويس.

وحتى فكرة التحالف مع الاتحاد السوفييتى، أخذتها هذه الحركة الجديدة، التى اعتبرته بالدرجة الأولى نصيرا لحركات التحرر الوطنى، لا كنموذج يتبع. وبالمقابل تغيرت استراتيجية الاتحاد السوفييتى تجاه العالم غير الأوربى، باختراع مقولة الطريق اللا رأسمالى، وهى صيغة غامضة أطلقها على النظم التى كانت تسلك بالفعل طريق رأسمالية الدولة، مثل مصر الناصرية. وهكذا اختلط الأمر فى نهاية الخمسينيات من الناحيتين.

وكان تأثير الاتحاد السوفييتى على الحركة الشيوعية فى البلدان العربية سلبيا من نواح. فقد اعتبر أن المنطقة لها مركز واحد، هو مصر، إذا أخذه فالباقى يتبعه، أو يقاس بمصالح صراعه هو مع الولايات المتحدة وبريطانيا. فمثلا مُنع الحزب الشيوعى العراقى من المساهمة فى الحكم برغم وجود مليون مؤيد للحزب فى الشارع، لأن العراق بلد نفطى، وتولى الشيوعيين سيثير مخاوف الغرب من إمكانية سيطرة الاتحاد السوفييتى على النفط، وبالتالى يثير صراعات عالمية.

أما موقف المنظمات الشيوعية ذاتها من هذه الأنظمة، فيوضح أنه لم يعد هناك فارق نوعى ظاهر للعيان بينهما. فقد اقتصر النقد على أن هذه النظم تبنى اشتراكية بغير اشتراكيين، بما يعنى التسليم بأن ما يجرى هو اشتراكية. أما نقدها لأنها نظم غير ديمقراطية، فكان عاريا من الأسس، لأن التركيبة الداخلية للأحزاب الشيوعية لم تكن ديمقراطية، ولا كان النموذج الذى تقتدى به، أى الاتحاد السوفييتى، له علاقة بالديمقراطية، بل كان نموذجا أقرب إلى ما كان يبنيه عبد الناصر وحزب البعث، أى نظام حكم الحزب الواحد وجبهات وطنية تابعة للحزب، وسيطرة القطاع العام الكبير المترهل على كل الاقتصاد، وما يواكب ذلك من أنماط من الفساد والهدر. وبالفعل وجَّه طارق عزيز ممثلا لحزب البعث العراقى هذا النقد فى مناظرة شهيرة مع الشيوعيين. الملاحظة الثالثة أو النقد الثالث الذى وُجه للحكومات القومية، هو حجم التبادل التجارى مع المعسكر الاشتراكى، وتزايد حجم التبادل مع الأنظمة الرأسمالية مثل حالة العراق الذى يصدر النفط إلى الغرب.

هذا التحليل ليس استخفافا بأثر أزمة 1990 (أى سقوط المعسكر الشرقى) ولا تناسى دور القمع فى إضعاف الأحزاب الشيوعية. فلا ننسى مثلا مستوى الحملات التى شنها النظام العراقى فى 1979، التى اعتُقل فيها 120 ألف شيوعى، وما صحب ذلك من تعذيب، واشتراط أنه إما أن تكتب تنازلا أو تغادر البلاد، ناهيك عن المجازر فى السودان، فيجب ألا يجلد الشيوعيون أنفسهم على عدم قدرتهم على تغيير مسار بلادهم.

• فى ظل الضعف الواضح لليسار فى المنطقة، كيف ترى إمكانيات اليسار فى تغيير نفسه وبناء قدراته السياسية؟

– إضافة البعد الخاص بمشكلة الحركة الشيوعية مع النظم العربية الجديدة فى الخمسينيات والستينيات مهم للمستقبل. فالولادة المتجددة لليسار لن تجئ من الأحزاب الشيوعية، وإن كانت قد تصدر عن عناصر فيها. المطلوب تخيل أحزاب من نمط جديد، أحزاب تكون أدوات لا أهداف فى حد ذاتها. فالحركة الشيوعية عبدت أحزابها كالأصنام. قد يفسر الاضطهاد جزئيا هذه المسألة، ففى ظل القمع المكثف يصبح بقاء الحزب هدفا فى حد ذاته، ولكن هذا يدمر الحزب فى النهاية. ربما كان اليسار فى حاجة إلى مرونة تنظيمية تتجاوز ترسيمة الديمقراطية المركزية أو المركزية الديمقراطية.

ثانيا، برغم أن الضعف الكبير للأحزاب اليسارية فى العالم عموما، وليس فقط الأحزاب الشيوعية العربية، قد يبدو لنا وكأنه نهاية مقاومة الرأسمالية والأنظمة الديكتاتورية والأنظمة الوراثية. ولكن اليسار يتميز بقدرته على ربط كل تعقيدات المسألة الوطنية والقومية، بما فى ذلك مشكلة إسرائيل وموضوع الوحدة العربية، وموقع المنطقة فى العالم، والسيطرة على الثروات (الخصخصة مثلا). مثلما كان يسار حركة التحرر، وعبد الناصر إلى حد ما، قادرين على إدماج القضايا المختلفة معا فى مشروع متكامل. فى حين أن الرؤى الجديدة مفتتة، تحول قضايا الناس إلى أجزاء، تمنع الرؤية الراديكالية أصلا، فتصير ثمة قضايا منفصلة مثل المرأة والبيئة والشباب والمثليين، الخ.

يجب أيضا أن يتجاوز اليسار المرحلة الحالية. فأنا رأيى أننا ما زلنا فى مرحلة ترقب الهزائم، لا الرد عليها. وبالتالى عندنا نقد كثير، وجلد ذات مثل احتفالات الشيعة فى عاشوراء تحب الهزائم كثيرا، وتنجر خلف أية انتصارات صغيرة، بدعوى أنها ترفع المعنويات، مثل انتصار حزب اللـه على إسرائيل، برغم أنه بلا أية نتائج استراتيجية. المنطقة تمر الآن بمرحلة جديدة صعبة ومعقدة وانتقالية، والسؤال المركزى بالتالى لا ينحصر فى قضية مستقبل الأحزاب الشيوعية، وإنما تشخيص الوضع القائم ومتطلباته: إلى أى مدى نضجت تناقضات هذا الوضع الجديد، لإنتاج أجوبة لحركات التغيير.

• فى ضوء صعود الإسلاميين السياسى، واحتكارهم تقريبا لقضية مواجهة الصهيونية، يدور الجدل فى أوساط اليسار فى بلدان عربية عديدة حول ما إذا كان يجب التحالف مع الإسلاميين ضد الدولة، أم مع الدولة ضد الإسلاميين باعتبارهم خطرا فاشيا. هل هذه علامة على إفلاس اليسار؟ وما البدائل المتاحة عمليا؟

– تاريخ اليسار فيه لحظات اختيارات صعبة كثيرة، مثلا انشغل الشيوعيين عقودا من الزمان بروز المقاومة الفلسطينية والعمل الفلسطينى المسلح. وحدثت انشقاقات بسبب الموقف من أنظمة رأسمالية الدولة العسكرية، وصار الموضوع إما أن تتحالف مع الأنظمة أو تقف ضدها. وفى المقابل اعتنق اليسار إيديولوجية مريحة، تختزل التاريخ فى الحزب، بحيث يعتبر الحزب يعتبر نفسه ممثل الطبقة العاملة، بصرف النظر عن مدى سيطرته على الحركة النقابية، أو تأثيره على الفلاحين. هنا إشكالية بدائية أحب أن أشدد عليها، ما من حركة تفقد تمايزها ثم تعيش وتنمو. هذه القضية تنطبق على حال كل الشيوعيين العرب من الجزائر إلى سوريا. فإذا كان اليسار مضطرا للاختيار بين الدولة والحركات الإسلامية، لن يعيش.

قد تستمر المنظمات الشيوعية الصغيرة، ولكنه لن يعيش بمعنى أنه لن يستطيع أن يجدد انتمائه للناس وحشده للجماهير، الذين هم قوته الوحيدة. الرأسمالية لديها المال، النظم لديها قوة الردع، والإسلاميين عندهم الدين. اليسار لا يملك ترف الخطأ، يجب أن تكون لديه رؤية دقيقة. توجد أحزاب تؤثر على الناس بغير أن يكون لديها هوية مستقلة ورؤية شاملة. وكانت الأحزاب الشيوعية فى فترة ما تملك ذلك، ولكن على الهامش. ربما كان الإنجاز الأكبر للحركة الشيوعية فى المنطقة العربية هو تأثيرها على الثقافة، حيث أنتجت على مدى عقود من الزمن أوسع صف من المنتجين الفكريين والثقافيين، ما زال قسم كبير من هذا الإنتاج فى رأيى حيا. ومن أمثلة هؤلاء المنتجين محمود درويش.

أما بالنسبة لقضية الإسلاميين، أعتقد أن التصوير الأدق للمشهد يجب أن يشمل الأنظمة أيضا: الوضع اختلف عن الأربعينات حيث كان يوجد معسكرين يتنازعان العالم، وكان يوجد استعمار. المشهد الآن فيه حركات إسلامية، فى طبيعتها استبدادية، وهناك الأنظمة التى تكتسب شرعيتها من الخارج. وهذه ليست مسألة بسيطة. فقد تعاظم مستوى تدخل الخارج فى دعم الأنظمة وحفز تغيرها أو ركودها، بل وفى تفاصيل حياة المجتمعات، وهو أمر واضح تماما فى سلوك سفراء الولايات المتحدة مثلا فى بلدان عربية وغير عربية.

الغطاء الإيديولوجى لهذه السيطرة، فى ظل العولمة، هو الديمقراطية وحقوق الإنسان. الوجه المهم لمسألة الإسلاميين هنا هو تحديد موقفهم من هذه القضية. رأيى أن الحركات الإسلامية فى معظمها متصالح جدا مع هذه العولمة، ولا تضع موضع تساؤل ركائز العولمة، وهو ما يتضح مثلا فى برنامج الأخوان المسلمين الأخير. ومن حيث التركيب الاجتماعى، معظم الحركات الإسلامية تعيش من القطاع الخاص، وتؤيد الملكية الخاصة. الإسلاميين ضد الغرب فقط من حيث رمزياته، مثل ظهور قُبلة على التليفزيون، ويصطدمون بالغرب فقط حين تتعلق المسألة بالأوجه الثقافية. كما أنهم يضربون العلمانية والديمقراطية بالقول بأنها منتجات غربية. وبالتالى خطاب الحركات الإسلامية المتشدد تجاه الصهيونية، سطحى، وأزعم وأتوقع أن الحركات هذه أسهل ما عليها أن تكون سياسوية بالمعنى السىء للسياسة، أى أن يوجه خطابا للاستهلاك المحلى مخالف لما يفعل.

الحالة الأخرى للحركات الإسلامية هى التصورات على النموذج التركى: التغيير التدريجى فى مؤسسات الدولة وتشريعاتها، وإدخال المهمشين من رجال الأعمال والطبقة الوسطى فى نفس النظام، دون تغييره.

من جهة أخرى، على الصعيد العملى، تأتى مشكلة اليسار من شعبية الحركة الإسلامية، أى حقيقة أن جزءا كبيرا من الرأى العام متعاطف سياسيا مع الحركات الإسلامية المختلفة. أحد نتائج ذلك فرض ثنائية اختيار سهل: إذا كنت تميل إلى العلمانية ودولة القانون تنحاز إلى الدولة، وإذا كان لديك شىء من الاهتمام بالناس والفقراء المحرومين سياسيا واقتصاديا، فستنحاز للحركة الإسلامية بسبب ما ورائها من جماهير. وهما خياران سهلان، يأتيان فى مرحلة من الانهيار والإحباط. ومثال ذلك انقسام اليسار فى لبنان بين تأييد قوى 8 آذار وقوى 14 آذار. البقاء على الاختيار بين هذين: الأنظمة مقابل الحركات الإسلامية خطر، لأن كلاهما لا يقدم حلا. ويجب أن نلاحظ أن كل هذه الأنظمة استخدمت الحركات الإسلامية ضد اليسار والقوميين، فهم قادرون على أن يتفقوا معا فى لحظات معينة، حدث هذا فى مصر والعراق واليمن وغيرها من البلدان العربية. فبرغم أننى لا أستخف إطلاقا بالخصومة بين الحركات الإسلامية والأنظمة، فإن التقائهما وارد.

طالما ظل اليسار يبحث عن حليف بدلا من بناء قوته الذاتية وتميزه الإيديولوجى، ستظل الحصيلة سيئة. من الناحية التاريخية، كان الرأى العام معنا لعقود، وطبيعى أن يتحول من جهة لأخرى. فيجب أن نكون معتادين على تقبل الخسارة. ومثلما انتقل مزاج الجمهور يمكن أن يعود. معظم العرب لا ينتمون لهذا الفريق أو ذاك.

السلوك غير الديمقراطى لليسار فى مواجهة هذه القضية هى أن يختار التعالى على الناس باسم جهلهم وأميتهم، وإما أن نفترض أن الناس تختار وتتغير، خصوصا فى السياسة. أنا مع أن نناضل لكى لا يصل الإسلاميون إلى الحكم، ولكن نؤيد حق كل القوى السياسية فى الوصول للحكم بوسائل ديمقراطية. لأن الناس يجب أن يدفعوا ثمن خياراتهم. فلا نحن مع الحكم باسم النص، سواء كان علمانيا، مثل عقيدة البعث، أو دينيا، ولا مع الحكم الديكتاتورى. وإنما نسعى للحكم باسم السيادة الشعبية. والسيادة الشعبية، أو الديمقراطية طبعا لها مساوئ، ولكن لتبدأ ولو كانت شوهاء، ثم تتحسن.

• كانت الإنتليجنسيا العربية تلعب دورا رائدا فى الحركات القومية واليسارية. يبدو المشهد الثقافى العربى الآن مختلفا كثيرا، برغم أن إمكانيات النفاذ إلى الجمهور عبر وسائل الإعلام المفتوحة أصبحت أكبر، وبرغم كثرة الكلام عن الديمقراطية. كيف ترى هذا المشهد الآن؟

– نحن نفكر دائما فى القمع على أيدى الأنظمة من النمط العسكرى والديكتاتورى، ولا نفكر فى الأنظمة النفطية الوراثية. فتأثيرها هائل على الإعلام والثقافة، وأسهمت بقوة فى إبادة دور الإنتليجنسيا العربية السابق. المثقفين معظمهم متهالكون على أموال النفط، يذهبون لندوات فى الخليج، فى دبى وغيرها.

نحن أمام نمط جديد من المثقفين. المثقف القديم النموذجى هو معلم المدرسة الذى يعلم فى الريف فى مدرسة حكومية ويواجه السلطة وقد يستشهد. هذه الإنتليجنسيا القديمة تختفى، بفعل تقدم السن، وتحل محلها إنتليجنسيا صاعدة اجتماعيا جديدة. الآن النموذج هو العامل فى المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية. هؤلاء يتمتعون بمستوى معيشى مرتفع، ويروج الجانب الأكبر منهم لشىء معولم، أمريكانى وسعودى معا، نفطى وليبرالى. يروجون لكل سقط المتاع من الإشكاليات النهضوية، بما فى ذلك الديمقراطية، التى تختصر فى فكرة “الآخر”: الاعتراف بالآخر والحوار مع “الآخر”، حوار الأديان والحضارات. هذه كمية هائلة من الإهدار فى شىء عديم النفع. فى الماضى كانت أقلية من الإنتليجنسيا تخدم الأنظمة، الآن الوضع معكوس تماما. 10% فقط تقريبا يحاولون التفكير فى بدائل، أو حتى تكنوقراط مستقلين.

فيما يتعلق بالمثقفين والديمقراطية، فإن المسألة ليست الشعار فى حد ذاته. هذه المطالبات الكسولة بالديمقراطية خطرة. فهى أولا نوع من الدلع: تطالب بالديمقراطية والحريات من أجل الإبداع؟ ومن قال أن الإبداع يشترط الديمقراطية؟ أفضل إبداعات العالم أُبدعت بلا ديمقراطية. وثانيا، فعادة لا يُطرح السؤال الكبير، وهو: هل نبذل كمثقفين ما يكفى من الجهد فى فهم الأنظمة العربية والاقتصاد العربى أو الثقافة العربية، التى نقول أنها غير ديمقراطية؟ أم نبشر بمجموعة مصطلحات، غير مفهوم لمن توجَّه، وبالتالى نقدم أجوبة على أسئلة ليست موجودة؟ هذا ما نمارسه باستمرار، وينتج أوهاما عديدة وإحباطات. خذ مثلا قضية تشخيص النظام السورى، وكيف ننتقل منه إلى نظام أكثر ديمقراطية، مسألة فى حاجة إلى شغل وجهد، تحتاج إلى إنتاج معارف، بخلاف السهولة التى توقع بها البعض فى سوريا وفى لبنان أن الولايات المتحدة تريد إسقاط النظام السورى، وفوق ذلك أن بإمكانها لو أرادت تحقيق ذلك، وهى توقعات ثبت أنها مجرد أوهام بلا أساس.

أيضا، من ينتبه إلى الهدف الحقيقى للاحتلال الأمريكى للعراق، وهو خصخصة النفط ليكون نموذجا يعمم فى كل الدول النفطية من بعد؟ نحن مشغلون بما يسمى احتلال/ مقاومة، وطرح أفكار غير واقعية، مثل أن المقاومة وبن لادن يستطيعون أن ينتصروا أصلا، بصرف النظر عما إذا كنت من أنصار ذلك أو ضده. تغيب عن المشهد الثقافى محاولات جادة لفهم أصول هذه المقاومة المتمثلة فى تحطيم دولة وجيش العراق وإشعار السنة بأنهم مأخوذين بجرائم صدام حسين. ويتجاهل أنصار المقاومة ملاحظة أن ما يسمى المقاومة فى العراق موجهة إلى المدنيين فى أسواقهم وشوارعهم. ولا يكاد إلا قلة ينتبهون إلى أن الولايات المتحدة تعمل منذ سنتين على استمالة السنة وكونت منهم فرقا تسمى فرق الصحوة، بأموال أمريكية وسعودية، ففصلت قسما كبيرا منهم عن البعثيين المقاتلين، وهم المقاومة القائمة بالفعل فى المنطقة السنية بينما تراجعت القاعدة. هذا كله يغيب عن العقلية الكولونيالية التى تختصر المشهد كله فى ثنائية الاستعمار والمقاومة. وبالتالى فإن جانبا كبيرا من عدم معرفة العدو وعدم معرفة الذات هو جريمة الإنتليجنسيا العربية.

• كيف ترى أن يكون موقف اليسار من المسألة القومية والقضية الصهيونية فى ظل تصدر الحركات الأصولية الإسلامية– شئنا أم أبينا – لصياغة القضايا القومية واحتكارها عمليا؟

– ألاحظ أن هناك نغمة من التعب تسود فى التعامل مع المسألة الوطنية والقومية، على أساس أن هذه المسألة إما احتكرها الإسلاميون، وإما وقعت ضحية الديماجوجيا القومية. وأعتقد هنا أن اليساريين يرتكبون خطأ تاريخيا إذا رموا خلف ظهورهم المسألة الوطنية والقومية لهذا السبب، بدلا من إنتاج وجهة نظر مستقلة فى هذه المسألة. المؤسف أن اليسار الشيوعى حين صحح خطأه فى العداء لقضايا القومية العربية وقع فى المغالاة فى تقديرها، بما أدى به إلى المزايدة على مواقف القوميين.

هناك دور متجدد تمارسه إسرائيل أدى إلى التحام متزايد مع الولايات المتحدة، خصوصا بعد 11 سبتمبر، والعمل على تصفية الحقوق الأساسية للشعب الفلسطينى. وفيما يتعلق بالوحدة العربية، فإننا نشهد، بالإضافة إلى التجزئة الأصلية، خطرا متزايدا للتجزئة على أسس طائفية وعشائرية كل قطر عربى. فى ظل هذا الوضع، ما زال الفكر العربى الراهن ما زال يرتكز على حالة ماضوية، أى تجربة الوحدة المصرية السورية. ويتناسى أين نحن.

أعتقد أن المدخل لفكرة الوحدة هو العلاقات بين الدول العربية على أساس المصالح. وهو مدخل تعززه بالطبع وحدة اللغة ووحدة الشعوب ووحدة التاريخ، الخ. ولكن غياب موضوع المصالح هو الذى يجعل موضوع الوحدة إيديولوجى. نجحت التجزئة بين البلدان العربية فى جعل العلاقات الاقتصادية بين بلدانها هى الأدنى نسبة بين كل مناطق العالم. فالتبادل التجارى فيما بينها نسبته 7% من تبادلاتها التجارية. والنسبة بين سوريا ولبنان هى 3 إلى 4%، هذا فى ذروة الوجود العسكرى والسياسى السورى فى لبنان. فهذه المنطقة فى حاجة إلى تحقيق تكامل ما بين بلدانها. السودان الذى كان يُفترض أن يكون خزان الأمن الاستراتيجى الغذائى للعالم العربى، أصبح يستورد الحبوب.

هذه ليست أخطاء، هذه سياسات ومخططات أمريكية. فالمنطقة تأخذ من الغرب المليارات مقابل النفط وغيره، والغرب يعمل على أن يستعيد هذه المليارات، بشراء بضائع منه. ومؤخرا أبرم عقدا مع السعودية بقيمة عشرين مليارا من الدولارات لتوريد أسلحة، بل ظهرت الولايات المتحدة بموقف المتفضل لأنه وافق على بيعها، وهى تعرف أن الأسلحة سوف تصدأ فى الصحراء. هذا هو الاستعمار، وهذا هو مستوى النهب.

نحن المسئولون عن مواجهة هذا. من ليس له مكان فى الاقتصاد العالمى ليس له مكان فى العالم. وهناك إمكانية: إذا كانت أوربا المتناحرة استطاعت أن تحقق وحدة اقتصادية تدرجية ثم تدعمها بأشكال من التوحيد بالمؤسسات السياسية والقانونية، فإن المنطقة العربية إذا استطاعت أن تفعل المثل سيكون لها حظ فى الوجود، لكل بلد على حدة، ومجتمعة.

Themes
Political Economy Politics
Countries
Arab World Iraq Syria Palestine Lebanon
Published In
Al-Bawsala
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Latin America Communist Party Capitalism Marxism Political Theory Left Politics

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.