مفاوضات واشنطن: وبوسطة ناجي العلي
فواّز طرابلسي
يجمِع العدد الاكبر من المحللين والمعلقين اضافة الى السياسيين والدبلوماسيين على ان المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية التي تفتتح غدا في واشنطن حظوظها من النجاح تداني الصفر.
نادرا ما التقى مفاوضان يفصل بينهما هذا المقدار من الاختلال في عناصر القوة والامكانات والدعم وهوامش المناورة.
من جهة، سلطة فلسطينية ضعيفة الصفة التمثيلية يفاوض بإسمها رئيسها المنتهية ولايته والخاسر في الانتخابات النيابية الاخيرة التي فازت بها حركة «حماس» غير الممثلة في المفاوضات ولا قطاع غزة الذي تحكمه بالمليون والنصف من سكانه. غادر محمود عباس الى واشنطن تعارضه ثلاثة تنظيمات حليفة للسلطة (الجبهتان الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب ) jضاف اليها تنظيمات «جبهة الرفض» في دمشق. ويأتي عباس الى المفاوضات امتثالا لما يشبه الامر من الرئيس اوبام والتهديد بقطع المساعدات المالية للسلطة (مليار ومائتي مليون دولار لتشغيل ادارة من ١٦٠ الفا من موظفي) وتشجيع حاكمي مصر والاردن. وقد فرض على عباس اختزال مسألة التفاوض بموضوع الاستيطان الذي رفض التفاوض اول الامر الا اذا توقف الاستيطان في الضفة والقدس. لم يتوقف الاستيطان في القدس واستمر الاستيطان في الضفة الغربية، في ظل قرار التجميد الجزئي والمؤقت، ومع ذلك، قبل عباس بالمفاوضات غير المباشرة. ثم تعهد رئيس السلطة الفلسطينية بأنه لن ينتقل الى المفاوضات المباشرة الا اذا حصل تقدم في المفاوضات غير المباشرة. لم يحصل اي تقدم، حسب اعترافه، ومع ذلك وافق على افتتاح المفاوضات المباشرة.
في المقابل، يصل بنيامين نتنياهو واشنطن مزودا بثقة الرئيس الاميركي بأنه سوف «يجازف من اجل السلام » بعدما غض الرئيس الاميركي النظر عن تجاهل رئيس الوزراء الاسرائيلي طلبه بالتجميد الكامل للاستيطان، ومعززا بشبه اجماع من الطبقة السياسية الاسرائيلية. فحزب العمل، برئاسة ايهود باراك، لا يريد اكثر بكثير من تثبيت مبدأ التفاوض والتأكد من فشل المفاوضات في آن معا، واقصى اليمين يقدّم ما يكفي من التطرف لدعم تصلّب نتنياهو اللامتناهي.
ومع ان هيلاري كلنتون اعلنت ان المفاوضات تنعقد دون شروط مسبقة. وامتنعت اللجنة الرباعية عن تحديد موقف من تمديد التجميد البناء في المستوطنات، لم يصدر عن الطرف الاسرائيلي اي تعهد بتمديد فترة التجميد الجزئي للاستيطان في الضفة الغربية الذي يطالب به الوفد الفلسطيني.
الى هذا يجاهر نتنياهو بشروطه: الاعتراف بإسرائيل بما هي دولة يهودية، بما يقضي على حق العودة ويفتح الباب واسعا امام انواع التهجير لعرب الـ ٤٨؛ انهاء النزاع وليس مجرد وقف الحرب؛ والترتيبات الامنية. هذا يعني رفض الانسحاب الى حدود الرابع من حزيران واعتماد المرجعية الدولية والاعتراف بالقدس الشرقية جزءا من الاراضي الفلسطينية، ناهيك عن كونها عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة. هكذا سوف يجري التفاوض على ٤٢ في المئة من ارض الضفة الغربية عليها نصف مليون مستوطن اسرائيلي، منهوبة المياه، يقضم منها الجدار العازل الارض والزرع، ويجري تدريب شرطتها على حماية امن اسرائيل. وتشمل الترتيبات الامنية الاضافية تأمين الوجود العسكري الاسرائيلي في اغوار الاردن بحجة جديدة يطرحها نتنياهو انه لا يجوز وضع الاغوار «تحت سيطرة الفلسطينيين»، بعد الانسحاب الاميركي من العراق.
تكتيك نتنياهو واضح: التفاوض من اجل التفاوض. وخلال ذلك فرض المزيد والمزيد من عناصر الامر الواقع «على الارض». يمكن القول ان الرئيس عباس يفاوض هو ايضا من اجل ان يفاوض منعا لاغضاب الادارة الاميركية. غير انه وضع نفسه في حشرة إذ هدد بمغادرة المفاوضات اذا لم يمدد قرار تجميد الاستيطان بعد انتهاء المهلة في ٢٦ ليلول الجاري. وقد تبين ليس فقط ان البناء استمر في ظل التجميد خلال الاشهر العشرة الاخيرة وانما ان عدد المستوطنين زاد عشرة الاف مستوطن على ما صرح الوزير بيني بيغن.
ماذا لو فشلت المفاوضات لعدم امكانية الاتفاق حتى على موضوع الاستيطان والحدود والامن؟
حقيقة الامر ان المفاوضات قائمة كي تستمر إن لم نقل كي لا تفشل. لأن الرئيس الاميركي بحاجة اليها في الانتخابات القادمة التي سوف تقرر مصير ولايته الثانية مصداقا على تنفيذه تعهداته في السياسة الخارجية: الانسحاب من العراق والسلام العربي الاسرائيلي. فمن هو الطرف الذي سوف يقدم التنازلات في هذه الحالة؟
كم يذكّر الوضع العربي بالبُوسطة ذات الطبقتين في كاريكاتور شهير للمرحوم ناجي العلي الذي نحتفل هذه الايام بذكراه!
في الطبقة السفلى يجلس ركاب في اتجاه سير البوسطة. هؤلاء هم «جبهة القبول». وفي الطبقة الثانية ركاب «جبهة الرفض » يجلسون بعكس اتجاه سير البوسطة! منذ غياب ناجي، تغير اسم الافرقاء الفلسطينيين والعرب. صار الاولون يسمون «المعتدلين» والثانون «الممانعين». ونزل من البوسطة ركاب وصعد ركاب. لكن «بوسطة الحل السلمي » لم تزل من طبقتين مع انها طليت بالوان جديدة وعمدّت «بوسطة مبادرة السلام العربية ». وربما تغير السائق او تعدد السواق. والمشكلة ان الركاب، على تعاكس جلساتهم في البوسطة، يشتركون فيما بينهم بوهم حاجة اسرائيل الى السلام. يضاعف منه وهم اكبر هو ان اميركا بحاجة للسلام من اجل «تأمين خطوط الامداد بالنفط» في الخليج. علما ان اميركا تحملت ثمانية سنوات من الحرب بين بلدين نفطيين – ايران والعراق – اعقبتها حرب الخليج الاولى ثم حرب الخليج الثانية – احتلال العراق – و«خطوط امداد النفط » سالكة وآمنة.
تناسى «المعتدلون» ان الذي يعطي السلام هو من يملك القدرة على الحرب. وهو درس تعلمه «المعتدلون» اقلا. ولكن تناسى «الممانعون» ان الحلول الثنائية قد شرّعت الانفكاك المتبادل بين الصراع الفلسطنيني-الاسرائيلي والصراع العربي-الاسرائيلي، ما يضعف الطرفين معا. وتحولت اتفاقيتا كامب ديفيد ووادي عربة الى عناصر ضغط على المفاوض الفلسطيني لتقديم المزيد والمزيد من التنازلات. وتحول الانفراد الفلسطيني في اتفاقية اوسلو ليس فقط الى شرعنة الانفراد المصري والاردني وانما سوغ لعرب النفط تقديم التنازلات في مجالات التطبيع مع اسرائيل – واولوية التطبيع العربي هي الوسيلة التي بها نسفت بها الادارة الاميركية معادلة الانسحاب من كل الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧ مقابل التطبيع الشامل. وتتم تلك التنازلات كلها بحجة «ما دام القاضي (الفلسطيني ) راضي». فيما العقيد القذافي مشغول بالدعوة الى أسلمة اوروبا بتوزيع القرآنين على الصبايا الايطاليات!
يذكرنا كاريكاتور ناجي العلي بأن البوسطة معطلة والطريق غير موجودة وبأن المطلوب «تغيير قواعد الاشتباك ».
