لبنان في مهب السلام
فواز طرابلسي
إختتمت جلسة الحوار الرابعة عن الستراتيجية الدفاعية بمادة قد لا تستحق التعليق لولا خطورة الموضوع الذي تدّعي تناوله وما طرأ وقد يطرأ من من مستجدات في المدى الاقليمي المحيط.
إحتل سمير جعجع القسم الاكبر من الاجتماع بمشروعه الذي يقتدي بالنموذج السويسري على وجهيه: انشاء جيش شعبي (بواسطة التجنيد الاجباري العام) واعلان حياد لبنان (في النزاع العربي الاسرائيلي). بحجة التعدّد اللبناني، رفض رئيس »القوات اللبنانية« فكرة »الشعب المقاوم« التي دعا اليها »التيار الوطني الحر«، مع انه يصعب التمييز بين صيغته تلك وصيغة »الشعب المقاوم« التي دعا اليها العماد عون. وبحجة هذا التعدد، وفي لون من الوان الحنين الى مشروع الفيدرالية العسكرية الذي دعت اليه »القوات اللبنانية« خلال الثمانينات، دعا جعجع الى انشاء مجموعات »سرية« من »الحرس الوطني« في كل منطقة من المناطق اللبنانية. والملفت ان قائد »القوات اللبنانية« استشهد بـ »حزب اﷲ« »نموذجا ناحجا« في تكوين تلك المجموعات على ان يطبّق النموذج في »الاطر الشرعية«. وإختتمت الجلسة على وعد من »حزب اﷲ« تقديم مشروعه في الجلسة القادمة، بعد شهر، وتشكيل لجنة خبراء لتقريب وجهات النظر نحو صياغة مشتركة للمشروع الستراتيجي العتيد.
استراتيجية دفاع لا تلامس احتمالات الحرب وكيف الاحتساب لها، من حيث تفاديها او خوضها، لا بد ان تختزل بموضوع السلاح وان يقع السجال حوله في ما يشبه النزاع على المحاصصة الطائفية. جرى السجال على هبة المقاتلات الروسيات من طراز ميغ ۲۹ مجرى السجالات الاخرى بين فريقي النزاع وأن إختلطت الاوراق بعض الشيء. في جبهة الدفاع، من يقرأ مرافعة وزير الدفاع الياس المر عن دور النائب سعد الحريري في زيارته الاخيرة الى موسكو قد يراوده شعور بأن رئيس تيار »المستقبل« قد اشترى لنا المقاتلات من صديق والده بوتين هدية لعيد الميلاد ونحن غير دارين!
من جهة ثانية فيما رحّب »حزب اﷲ« بالهبة الروسية، شن عليها شركاءه في »التيار الوطني الحر« هجوما لا يشكو الحدة. انتقد اللواء عصام ابو جمرا هبة المقاتلات بما هي هدية باذخة ومكلفة. وهو في ذلك يكمل تصريحا للعماد عون يقول ان لبنان يعتمد »نظام المقاومة« فهو بغنى عن طيران حربي. اما نوع السلاح الذي يحتاجة لبنان فقد صنّفه اللواء ابو جمرا رئيس الى نوعين: سمتيات أباتشي وكوبرا (الاميركية) المزوّدة بصواريخ جو-ارض لاعانة الجيش في مهماته الداخلية؛ وصواريخ ارض-جو سام ۷ (الروسية) من النوع الذي يحملها »مقاوم« فرد للتصدي لطائرات معادية تخرق الاجواء اللبنانية. وهو تقسيم عمل يحصر الدفاع الوطني بـ»المقاومة« فيما يتولى الجيش الوطني مهمة ضبط الامن الداخلي، حتى لا نقول القمع. ولسائل ساذج ان يسأل ويكرر السؤال: اذا كان لبنان يملك في طاقات دفاعه ما يربو على اربعين الفا ويزيد من الصواريخ المختلفة الانواع، بما فيها صواريخ ارض-جو، ما الحاجة الى شراء مثل هذه الصواريخ؟
وهكذا فليس من المبالغة القول انه بعد الجلسة الرابعة المخصصة لإستراتيجية الدفاع لم نزدد علماً في كيف نتفادى حربا او في كيفية خوضها او فيما خص نوع التسليح الانسب والتعبئة الوطنية للدفاع الوطني، ولا نحن تقدمنا خطوة في كيفية الافادة من قوتي الدفاع اللتين يملكهما لبنان: جيشه النظامي و»مقاومته« المسلحة التي يديرها الجناح العسكري لـ»حزب اﷲ«!
كان المطلوب انعقاد الجولة السادسة من المفاوضات السورية-الاسرائيلية غير المباشرة وآخر تصريحات للرئيس بشار الاسد يعرب فيها عن استعداده (المشروط بتسلّمه وديعة رابين أقلا) للانتقال الى المفاوضات المباشرة، ليدرك الساسة الاذاريون ان ثمة احتمالا آخر غير الحرب يمس اسراتيجية الدفاع هو احتمال التسوية والسلام.
هي المناسبة البدء بطرح السؤال: ما هي عناصر استراتيجية للبنان في حال بدء المفاوضات السورية-الاسرائيلية؟
اولى الاجابات معبّرة على التسرّع والخفة والمواقف التي سوف يطرأ عليه تعديلات جذرية حتى لا نقول انقلابات. اعلن رئيس الاكثرية النيابية سعد الحريري معارضته »ذهاب« لبنان الى مفاوضات سلام لبنانية-اسرائيلية. وفيما العماد ميشال عون اعرب عن تأييده »الذهاب« الى المفاوضات اذا كانت سورية مشاركة فيها، جزم الوزير محمد فنيش، عن حزب اﷲ، ان المفاوضات غير واردة اطلاقا لأن مبدأ التفاوض يعني تقديم تنازلات. موحيا انه ليس من الغريب ان نختلف وان نتباين، دون ان يسمّي مع من. والغريب في تصريح الوزير فنيش هو تلك البدعة الستراتيجية التي تتصوّر عملية تفاوض- ايا كانت وفي ان زمن- ليست تنطوي على تنازلات.
هذه هي حالنا الستراتيجية عند مطلع عام يؤذن بعواصف على غير مستوى سوف يكون لبنان في عينها. بالكاد خرجنا من فضيحة »قوة لبنان في ضعفه« ولم نفرغ من معالجة بقايا سياسة »تحييد لبنان«.
ولعل الايجابي في مباشرة البحث في »ذهاب« لبنان او عدم ذهابه الى المفاوضات مع اسرائيل يعني ان وهم العودة الى اتفاقية الهدنة لعام ۹٤۱۹ قد اخذ يتلاشى عن اذهان الكثيرين. سوف يقول قائل ان الانتخابات الاسرائيلية قد تنسف المسار التفاوضي السوري-الاسرائيلي من اساسه. وهذا محتمل بالتأكيد. ولكن المؤكد ايضا ان الستراتيجية، اذا كانت تعني شيئا، فانها تعني الاستباق بناء على تقدير للاحتمالات كافة. فكما لم يمكن ان يتفلّت لبنان من مفاعيل النزاع العربي-الاسرائيلي، والحروب والمقاومات العربية-الاسرائيلة، بالاثمان الفادحة التي دفعها، فلن يمكن ان يتفلّت من مفاعيل اكتمال التسويات الثانية لذاك النزاع.
لبنان في مهب السلام. هل ينتظر ساكنا مربكا مزايِدا ومنقسما مفاعيل المفاوضات السورية-الاسرائيلية حين تقع؟ وهنا لا مزايدة. ام يرسم منذ الآن سياسة موحدة لمواجهة ذلك الاإحتمال فيسارع اولا بأول الى تنظيم التعاون والتنسيق والتوحيد لطاقتي الدفاع الوطني – جيشة ومقاومته- قبل ان تلتقي مصلحة دولية مع مصلحة اقليمية على فرض وصاية جديدة عليه لعجزه عن المبادرة والقرار ولكونه يحتوى على ترسانة من الاسلحة لا دفاع فعليا عن وزنها الاقليمي الا اذا صارت جزءا من منظومة الدفاع الوطني اللبنانية.
هذا إن اردنا ان لا ينطبق علينا في مضمار الامساك بمصائرنا المثلُ القائل: لا في دُمّر عيّدنا ولا في الشام لحِقنا العيد!
