لبنان بدون فلسطينيين!
فواز طرابلسي
عندما دخل لبنان عهد الرئيس ميشال عون، بعد استقالة سميّه المبكرة، أعلن الرئيس الجديد عزمه على تطبيق البند الاساس في خطاب القسم: مقاومة الطوتين. ما نام الرئيس الليل وهو يعدّ لليوم العظيم وقد تعهد امام الله والوطن والشعب والمقاومة ان يبقى صاحيا الى حين الانتصار على مؤامرة الطوتين!
وإنتصر لبنان. تقدم بشكوى الى الامم المتحدة على الامم المتحدة بإعتبارها المسؤول الاول عن مأساة الفلسطينيين. وبعد جهود دبلوماسية جبارة وطويلة، اعترف الامين العام للامم المتحدة بمسؤولية المنظمة الدولية عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين، تماما كما اتهمها الجنرال الرئيس خلال لقاء عاصف له مع «لجنة شؤون اللاجئين» في المؤسسة الدولية. وكرر اتهامه امام «لجنة محاسبة فلسطين» (لجنة محاسبة سوريا سابقا ) في الكونغرس الاميركي. فاتخذت الجمعية العمومية، في جلسة مشتركة مع مجلس الامن، القرار رقم ٩/ ٢٠١٢ القاضي بتدويل قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وعهدت الامم المتحدة الى الولايات الاميركية المتحدة استقبال فلسطينيي لبنان، لخبرة طويلة لدينها في التعامل مع الشعوب الاصلية.
أسقط في يد القيادات الفلسطينية وارتبك وضع الاهالي. ولكن لكثرة ما كرروا رفضهم للطوتين، ومطالبتهم بحق العودة، تراءى لهم ان الوسيلة الوحيدة للرفض لن تجر الا الى العنف الاقتتال وتكرار المآسي. رضخ كثيرون خصوصا انهم شاركوا الموقف الرسمي الانتصار على المؤامرة الاسرائيلية التي تهدف الى توطينهم في … لبنان. فإنصاعوا الى تنفيذ تعهداتهم و«العودة» الى جوار اخوانهم الهنود الحمر.
حلّت مشكلة التمويل دون كبير لأي عن طريق «طوال العمر» – وهم في لبنان اصحاب التحريريَن والبيوت. ولكن لم يخلُ الامر من إشكالات وحوادث في مجالات اخرى. ارتبط كثير منها بتقرير من يرحل ومن يبقى. تكوّن اجماع على ترحيل اللاجئين. ووافقت اكثرية على ترحيل الشباب. وترك امر البحث في سائر الفئات الى وقت لاحق. إنقسم رجال الاعمال حول مصير الاغنياء. وجاء من يذكّر بالوفاء، لا للمقاومة، ولكن لشركة المقاولات الفلسطينية التي بنت مطار الشهيد رفيق الحريري الدولي. وقال قائل: ما دمنا نرحّل فلنرحلهم جميعا. و عندما تبيّن ان ثمة محاولة للابقاء على الفلسطينيين المسيحيين، أثير موضوع المجنسين. وتطرق البحث الى ذوي الاصول الفلسطينية تدل على كثير منهم اسماءأاسرهم: مقدسي وصفدي وعكاوي وغزاوي وغزي ورامي ويافي (ما في عبدالله اليافي ) ويافاوي وعبده (نسبة الى جوني عبده) وغيرها.
في خلاصة الامر، وافق كثيرون وعارض كثيرون. لم يكن عدد الذين قالوا «حرام» او «خطي» بالقليل. ورأى لبنانيون في الترحيل نهاية للمؤامرات واختتاما للحرب الاهلية. وهنا من قبل على مضض على امل تحسن الاحوال. ناهيك عن اصحاب المصالح في مصادرة الاملاك والشقق والعقارات والحرف والاعمال او شرائها بالسعر البخس او الاستيلاء على شاركة شريك في استقدام الخادمات او مقاولة العمال او المخدرات والبغاء.
وتوقف المسؤولون طويلا امام مصير المخيمات. بعد اخذ ورد، جرى التوقف عند ثلاثة خيارات صدف انها تلك التي طرحها الرئيس الراحل بشير الجميل: بناء مشاريع اسكان شعبي فوق انقاض المخيمات او تشييد حديقة للحيوانات كبيرة او استخدام العقارات مرائب للسيارات. استبعد الخيار الاول لأنه ينطوي على تدخل في حرية سوق العقارات والسكن. وإستبعدت حديقة الحيوان لعدم الجدوى اقتصاديا، وايضا بعد ان علّق احد الظرفاء قائلا ان الحديقة مهما ، فهي لن تسع من يستحق ان يوضع فيها. فقرّ الرأي على بناء مرائب لصف السيارات خصوصا من منظار مساهمتها في حلّ ازمة السير. ولكن بشرط اعتماد مبدأ «الفاليه باركنغ ».
على الصعيد الامني، ورد من نهر البارد خبر اجتياح سكان الجوار للمخيم وقد اخذوا يتعاركون على احتلال الشقق والمتاجر المشيدة حديثا وسكانها لم يغادروها بعد. وحدثت حوادث في غير مخيّم يقصر المجال هنا عن ذكرها.
وخلال المناقشات في مجلس النواب، تساءل احد النواب: بما ان المؤامرة تستهدف توطين الفلسطينيين في لبنان، مقابل سداد ديونه، كيف سوف يجري سداد المديونية وقد رحل الفلسطينيون؟ واستطرد: خسرنا ستين مليار دولار وهي ثمن باهظ للنصر في معركة مقاومة الطوتين. ردّ عليه زميل له: بسيطة نقترض من البنوك البنوك تقرضنا قدر ما نحتاج وأزود. ونهره آخر: كل شيء يهون في سبيل الحرية والسيادة والاستقلال.
لكن هذا كله لا يقارن بشيء اذا ما قيس بما ضرب البلد من اعاجيب.
نّور البلد فجأة وشعشع ليس بالعلم وانما بالكهرباء. واذا «فائض قوة المقاومة» لا تؤمن تيار الـ٢٤/٢٤ وحسب وانما فاض البلد بكهربائه وبكبريائه. حتى عجزت مؤسسة كهرباء لبنان على السيطرة على توترها العالي: الشرارات تنطلق من الاعمدة والاسلاك وهوائيات التلفزيون تقذف النيران وصحون التقاط البث الفضائي تتوهج فوق السطوح كأنها اقمار برتقالية.
وتفجرت الينابيع كما في المعجزات. وارتفع منسوب الانهر حتى اعلن الدفاع المدني الانذار الاحمر من خطر الفيضانات. وساد قلق على طاقة بالوعة القرعون على تصريف ما ارتفع من مياه البحيرة، وفاضت مياه سد شبروح واخذت تهدد الشاليهات الباذخة في المنطقة.
وبعد ان غادر من كانوا «يسرقون اللقمة من فم اللبنانيي»ن، إمحى الفقر. وسجل لبنان الرقم القياسي في مباريات «وأد الفقر» الدولية. ووئدت البطالة وأداً. إن البطالة كانت موؤدة. ظل الشباب اللبناني يهاجر، لكن ذلك كان تعبيرا عن روح المغامرة التي دفعت باللبنانيين الاوائل ان يمخروا عباب اليم، لا بدافع الحاجة المادية.
وبسحر ساحر حلّت قضية الضمان الاجتماعي بعد ان اعفي من أعباء دفع حصة الدولة من اشتراكات العاملين الفلسطينيين. وأقر قانون ضمان الشيخوخة.
وهذا مجرد غيض من فيض مما انعم النصر على اللبنانيين في ذلك اليوم المشهود.
فلا عجب إن عمّت المهرجانات المناطق. إنعقدت حلقات الدبكة ودارت صحون الكبة على الالاف المؤلفة (بعدما اتفق على خلطة مشتركة تتعايش فيها الزغزتاوية والزحلاوية والجنوبية والمالسة وكبة الحيلة والزُنكل).
وكان المهرجان المليوني الحاشد في باحات قصر بعبدا. خرج الرئيس، مثل ايام زمان، الى الشرفة لتحية الجموع، خلفه يافطة كتب عليها: «ماذا يعني لبنان منزوع السلاح والى جانبنا دولة تريد توطين الفلسطينيين؟» والى جانبها لوحة جبارة تمثل الرئيس على شاكلة مار جرجس يصرع تنين الطوتين. وتأكيدا على الوحدة الوطنية، نظّمت رئاسة مجلس النواب والمقاومة مهرجانا مليونياً هو الآخر في تبني،ن تبارى الخطباء خلاله في تمجيد المقاومتين وتوجيه التحيات لشعبنا المقاوم في فلسطين المحتلة. وللمزيد من التأكيد على الوحدة الوطنية، إنعقد مهرجان مليونيّ آخر في ارض «سوليدير»، خطب فيه رئيس الحكومة ملوّحا بالقلم بيده وهو يصيح: «انا اذهب حيثما اشاء ولا احد يحدد لي الى اين اذهب».
واختتم ذلك اليوم العظيم بعرض المسرحية الغنائية «ناطورة المفاتيح» للاخوين رحباني وفيروز، وقد اسهمت قيادات مقاومة الطوتين في تسوية الخلافات على الحقوق الفنية داخل الاسرة. فأبدعت فيروز ومسّت شغاف القلوب حين شَدَتْ «راحوا، متل الحلم راحوا» ! فحار النقاد في تفسير معانيها الملتبسة. وكانت شائعات سرت بأن إسم سفيرتنا الى النجوم ورد خلال التداول الرسمي في ترحيل الفنانين الفلسطينيين على اعتبار ان اباها فلسطيني! ولكن دمشق تدخلت شخصيا هذه المرة لطوي الموضوع.
وفي الشأن الاقليمي، إفتتحت في ذلك اليوم بالذات، مفاوضات السلام اللبنانية-الاسرائيلية عبر الوسيط الاميركي، اعترافا من اسرائيل بهزيمتها في لبنان، امام مقاومة الطوتين هذه المرة. وإذ إنعقد اول اجتماع في الناقورة، شوهدت النوافير تتقاذف النفط والغاز تتفجر من الحقول البحرية المشتركة عبر الحدود البحرية اللبنانية-الفلسطينية.
