Back to Publications
Publications Translations

Karl Marx - Articles on Syria and Lebanon, 1860

In his articles on the 1860 events in Syria and Lebanon, Marx exposes French and Russian imperial ambitions behind the pretext of protecting Christians, and reveals the "Arab Kingdom" project.

كارل ماركس – مقالات عن سورية ولبنان، ١٨٦٠

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

كارل ماركس

مقالات عن سورية ولبنان، ١٨٦٠

بدايات ٢٠

هذا عدد من المقالات كتبها كارل ماركس في صحيفة «نيو يورك دايلي هيرالد» بين شهري تموز/يوليو وآب/اوغسطس، ١٨٦٠ عن سورية، ومعظمها يدور حول «حوادث الستين» في جبل لبنان، ومشاريع التدخل الفرنسي فيه بعد مذابح دمشق بحجة حماية المسيحيين. المقالات دالّة على أسلوب ماركس الصحافي المعمّق والمكثّف وما فيه من اعتماد على المراجع وبحث وتحليل. وهو يستشهد هنا بمقاطع من كتابات روسية وفرنسا تعطي مصداقية كبيرة لرصده السياسات الروسية والفرنسية.

محور البحث الذي لا يحيد عنه ماركس هو عداؤه الذي لا يلين لنابليون الثالث بما هو ممثل الردة على ثورة ١٨٤٨ الفرنسية. من هنا ميله لتفسير الاحداث تفسيرا خارجيا من خلال الهجوم الذي يشنّ التحالف الروسي-الفرنسي ضد السلطنة العثمانية المدعومة من بريطانيا. في المقابل، يبيّن ماركس كيف ان التدخل العسكري الفرنسي في سورية، الذي اقتصر على بيروت والجبل، دخل في المقايضات الكبرى بين القوى الاوروبية، خصوصا دعم روسيا لفرنسا في مطالبتها احتلال مقاطعات نهر الراين الألمانية مقابل دعم فرنسا لروسيا في مطالبتها استعادة روسيا القسطنطينية والمضائق من السلطنة العثمانية. ويكشف ماركس هنا أولى ارهاصات مشروع المملكة العربية الذي طرحه دعاة الامبراطور الفرنسي في العام ١٨٥٨، واقترحوا الأمير عبد القادر الجزائري رئيسا عليها.

ولافت للنظر ما يبيّنه ماركس من علاقة وثيقة بين هزمة السلطنة العثمانية في حرم القرم ١٨٥٣-١٨٥٦ وبين فرض القوى الاوروبية على السلطنة المهزومة اصدار «خطّي همايون» الذي أسس لما سوف يسمّى «التنظيمات» والتي شكل اعلان المساواة بين رعايا السلطنة ابرز بنودها.

ولا يغيب عن بال ماركس ان القيصر الروسي والامبراطور الفرنسي يسعيان الى حروب خارجية للهرب من أزمات داخلية وللتغطية عليها، الا انه يغفل اغفالا شبه كامل الأسباب والعوامل الداخلية التي ادّت الى الحوادث اللبنانية الدامية العام ١٨٦٠ وأبرزها انهيار النظام المقاطعجي تحت وطأة الانتفاضات العامية والفلاحية، وآخرها انتفاضة كسروان، على خلفية تغلغل رأس المال المبكر في جبل لبنان والمعارضة العثمانية لـ«التنظيمات» العثمانية في بلاد الشام. قد يفاجأ البعض من الاوصاف التي يستخدمها ماركس في الحديث عن سكان جبل لبنان بوصفهم قبائل «بدائية» و«همجية». ويمكن وضع ذلك في خانة استشراقية لدى مؤلف «رأس المال» لا تخرج كثيرا عما كان سائداً في زمنه من منظور الى النزاعات في الشرق.

يبقى القول إن اشتعال حرب أروربية على خلفية نزاعات القوى الاوروبية على «المسألة الشرقية» لم يحصل، والتذكير بأن رسالة بونابارت الثالث الى پيرسينيي، سفيره في لندن، أدت مفعولها في تهدئة المعارضة البريطانية للتدخل الفرنسي العسكري في سورية، بعد مجازر دمشق، مع ان بريطانيا قيّدت مهمات الحملة العسكرية الفرنسية دون ان تشارك فيها.

الاقتتال الأهلي في لبنان

لندن، ٢٨ تموز/يوليو، ١٨٦٠

نظراً لأن الكتاب «الأزرق» عن الاضطرابات السورية قد صدر للتوّ، ولإعلان لورد ستراتفورد ردكليف مداخلته عن الشؤون السورية الى يوم الثلاثاء القادم، أؤجل الدخول في هذا الموضوع الحدثي، واكتفي بتحذير قرائكم من الانسياق وراء الإعلانات العاطفية للصحافة الديسمبرية ومن ان يمتلككم الشعور بالرعب إزاء المجازر المروّعة للقبائل العاصية، والعطف الطبيعي التي نشعره تجاه الذين يتألمون. لكن ثمة بضع نقاط لا بد من التركيز عليها بثبات.

في الدرجة الاولى، ان الإمبراطورية الروسية، بعيد الصدامات الداخلية التي نجمت عن حركة تحرّر الاقنان، وهدر الاموال العامة، تجد نفسها في مأزق ليست تدري الحكومة الحالية كيف تخرج منه الا عن طريق شن حرب واسعة النطاق. تبدو الحرب بالنسبة لهم الوسيلة الوحيدة لتفادي اندلاع ثورة تنبأ بها على سبيل التحفظ الأمير دولكوروكوف في كتابه La Vérité sur la Syrie. بالتالي، مضت ثلاثة أشهر منذ حاول الأمير غورتشاكوف إعادة اثارة المسألة الشرقية بإصدار تعميمه عن مظالم المسيحيين في تركيا، الا ان نداءه وقع على آذان صمّاء في اوروبا، ولم يتردد صداه الا في قصر «التوييوري».

ومنذ ذلك الوقت كان عملاء روسيون وفرنسيون يجهدون لإشعال نزاع سياسي-ديني – تولته الاولى في منطقة دلماتيا والثانية على الساحل السوري – بحيث تدعم كل حركة منهما الأخرى، وبما ان اضطرابات بلاد الجبل الأسود وبلاد الهرسك أجبرت السلطة العثمانية على سحب معظم قواتها العاملة في سورية، فقد أخليت الساحة للتناقض الحاد بين قبائل لبنان الهمجية. وجد الامبراطور الفرنسي نفسه تحت وطأة الضرورة ذاتها التي تتحكم بالقيصر الأرثوذكسي، أي التطلع الى صليبية جديدة، تزجّ امبراطوريته مجددا في أتون الهلوسات الحربية. ان الحركة الايطالية التي تفلّتت حباله من بين يديه، واتخذت اتجاها على عكس الذي يريدها لها، تحولت الى مصدر ازعاج في رأي باريس، كما ألمحت جريدة لُ كونستيتيونيل بخفر. ثم ان محاولاته إغراء ولي عرش بروسيا بـ«تدعيم عنيف لقوة ألمانيا» يكون ثمنه «تعويض معنوي» لفرنسا على شكل [استعادتها] مقاطعات عبر نهر الراين، أصيبت بإخفاق مدوٍّ، حتى انها ألقت بشيء من الهزء على مخططات متعهّد تحرير القوميات [أي لوي نابليون]. اما النزاع الذي وجد لوي نابليون نفسه يخوضه مع البابا فقد زعزع دعامة النفوذ الذي كان يمارسه على الفلاحين وعلى إكليروس فرنسا الكاثوليكي.

(…) من الواضح ان الحاكم الفرد في فرنسا والحاكم الفرد في روسيا، الرازحان تحت

وطأة الضرورة الملحّة للنفخ في بوق الحرب، يعملان بتناغم بينهما. فبينما المنشورات البونابارتية شبه الرسمية تعرض «الوحدة الالمانية» على ولي عهد بروسيا، مدعومة بـ«تعويضات معنوية» لفرنسا، إذا بالإمبراطور ألكسندر، تماشيا مع ما أعلنه علناً، ولم تنفه صحافة برلين الرسمية ولا منشورات «الرابطة القومية» الألمانية، يقترح جهاراً على عمّه ضم بروسيا مع كامل المانيا الشمالية على شرط التخلي لفرنسا عن المقاطعات الواقعة على نهر الراين، والتواطؤ مع تقدّم روسيا في منطقة نهر الدانوب.

ان هذا الواقع الذي طرحه الحاكمان الفرديان معاً أدى الى لقاء «تيپليتس» بين امبراطور النمسا وولي العهد [ولي عهد بروسيا]. على ان متآمِري بطرسبرغ وباريس أبقيا حادثة المجازر السورية المثيرة، على سبيل الاحتياط في حال فشلت مطامعهما في بروسيا، ليعقبها تدخل فرنسي لا يستطيع الدخول من الباب الرئيسي، بل يفتح الباب الخلفي لحرب أوروبية شاملة. بالنسبة لإنكلترا، أضيفُ فقط انه في العام ١٨٤١، أمدّ لورد پالمرستون الدروز بسلاح حافظوا عليه منذ ذلك الحين، وانه، في اتفاقه مع القيصر نيقولا [الروسي] ألغى عمليا السيطرة التركية التي كانت تكبح قبائل لبنان العاصية، وأنشأ لها شبه استقلال، لم يكن له، مع الوقت، وبفضل حسن تدبير المخططين الأجانب، الا ان يفضي الى موسم من الدم. […]

العنوان الأصلي «احداث سورية – جلسة البرلمان البريطاني – حالة التجارة البريطانية»

كتبت في ٢٨ يوليو، ١٨٦٠

نشرت لأول مرة في «نيو يورك دايلي هيرالد، العدد ٦٠٢١، قي ١١ اوغسطس، ١٨٦٠.

التحالف الروسي-الفرنسي

وأمارة عبد القادر الجزائري العربية

لندن، ٣ آب/اوغسطس، ١٨٦٠

الملاحظات الواردة في رسالتي الأخيرة عن الرابط السري بين مجازر سورية والتحالف الروسي-الفرنسي، تلقت تأكيدا غير متوقع، يوم الثلثاء الماضي، من على الضفة الأخرى من القنال على شكل منشور للسيد دانتو بعنوان «سورية والتحالف الروسي» ومنسوب الى قلم السيد إدمون آبو. والمعلوم ان السيد دانتو هو الناشر الرسمي للحكومة الفرنسية، الذي أصدر كل منشوراتها شبه الرسمية والذي يبادر بين حين وآخر الى تعريف أوروبا على «الدراسات» التي ينتجها قصر «التويييري». المنشور المذكور أعلاه يكتسب اهتماما إضافيا من ان نشره يتبع مباشرة رسالة الحب التي أرسلها «بطل ديسمبر» الى پيرسينيي، التي كان مقدّراً لها ان تستحوذ على اهتمام بريطانيا، والتي رفض لورد جون راسل وضعها امام «البرلمان» لكنه أرسل نسخة منها الى صحيفة تايمز اللندنية.

تحتوي المقتطفات الآتية على فحوى ما ورد في «سورية والتحالف الروسي»:

«كما في زمن الحروب الصليبية، تأثرت فرنسا المسيحية بالجرائم المروعة التي كانت سورية مسرحا لها مؤخرا. ٧٠٠ ألف مسيحي قد سلّموا الى الجموح العصبي التي لا يرحم لمليونين من المسلمين والحكومة التركية يبدو انها تعترف بتواطؤها نظرا لسكونها غير المبرر. بالتأكيد ستكون فرنسا متجردة من كل تقاليدها لو لم تدعّي فوراً شرفَ حماية حياة وممتلكات أولئك الذين كانوا، في زمن مضى، جنود «بطرس الناسك» و«فيليب أوغسطس.» … لذا فقد آن الاوان للتفكير في علاج لوضع لا يمكن ان يستمر على هذه الحال دون ان يؤدي الى كارثة أكبر – الإبادة الشاملة لرعايا «الباب العالي» من المسيحيين. الحملة التي تتحدث عنها الحكومة التركية كثيرا لا تكفي مطلقاً لإعادة فرض الامن. القوى الدولية التي لها من أبناء مذاهبها في سورية، والتي تقلق عن حق على سلامتهم، يجب ان تكون مستعدة للتدخل. في حال التلكؤ، سوف يفوت أوان انقاذ الضحايا؛ وتصير مهمتهم الوحيدة الثأر للشهداء.

«ثمة أمّتان لهما مصلحة خاصة في الدفاع عن الصليب على تلك الشطآن القصيّة – فرنسا وروسيا. فما الذي ستكون النتيجة المرتقبة لاتحاد سلاحهما، وأثر ذلك على تنظيم أوروبا اللاحق؟ هذا ما نحن في صدد التحرّي عنه.

«في فترات معينة من التاريخ، نجد ان الشعوب، بدافع من بعض قوانين الجاذبية والتجمّع، تشكل تركيبات سياسية لم تكن معروفة من قبل. اننا «نشهد» الآن واحدة من تلك اللحظات الحرجة في حياة البشرية. إن المسألة السورية إن هي الا واحدة من عُقَد ذلك الوضع شديد التعقيد. كل أوروبا في حالة من الترقّب والقلق، تنتظر حلا شاملا قادرا على ان يرسي أساس سلم دائم في أوروبا وفي الشرق معاً. وإن هذا الهدف لا يمكن ان يتحقق الآن الا عندما يكون تنظيم قارتنا متساوقاً مع رغبات ومتطلبات القضايا الراهنة للقوميات المناضلة تحت النِير. إن تيارات دينية معادية ومتباينة في الأمزجة واللغات تتواجه جذريا فيما بينها، وتحافظ في بعض الدول الاوروبية على تيار جوفي من التحريض يمنع إعادة فرض الثقة ويعرقل تقدم الحضارة. السلام، ذلك الهدف النهائي لطموح كل الحكومات، لا يمكن تأمينه على نحو مستدام الا عندما تختفي الأسباب الدائمة للاضطراب التي أشرنا اليها. لذلك نود التوصل الى نتيجتين اثنتين:

«ا. دعم تكوين دولة منسجمة ووطنية، حيث يمكن ذلك، تكون مهمتها استيعاب السكان الذي يملكون أفكاراً او اتجاهات مشتركة وتجميعهم مركزيا في وحدة متراصّة.

«٢. محاولة تطبيق ذلك المبدأ دون اللجوء الى السلاح.

«للوهلة الاولى، يبدو كأن فرنسا وروسيا قد حققتا المثال الذي تصبو اليه الأنظمة الملكية. مع ان ٤٠٠ «ليغ» تفصل بينهما، توصلت هاتان القوتان بواسطة السبل الأكثر تباينا، الى تلك الوحدة التي وحدها تستطيع ان تخلق امبراطوريات راسخة، لا مجرد كيانات مؤقتة تتغيّر حدودها من يوم الى آخر بسبب أقدار الحروب… إن القياصرة، الذين قضوا ١٣٥ سنة يتأملون في وصية بطرس الأكبر، لم ينفكوا يلقون نظرات الطمع صوب أوروبا التركية…. هل يجب ان تستمر فرنسا في الاحتجاج ضد مطالب القياصرة في امبراطورية السلطان المتهاوية؟ نعتقد ان الجواب هو لا. إذا أعانتنا روسيا على إعادة ضم حدود نهر الراين، يبدو لنا ان [وهبها] مملكة لن يكون ثمناً بخساً لقاء تحالفها. بفضل مثل هذه الشراكة، يمكن لفرنسا ان تستعيد حدودها الحقيقية كما رسمها الجغرافي ستاربو، منذ ١٨ قرناً.

[يلي ذلك استشهاد من سترابو، يعدد فضائل بلاد الغال بما هي قاعدة لامبراطورية قوية. ملاحظة ماركس]

«يمكننا ان ندرك بسهولة ان فرنسا سوف ترغب في إعادة بناء ذلك العمل المقدّس [استعادة حدود بلاد الغال] وقد احبطها خداع البشر خلال قرون عديدة. ومن طبيعة الامور اننا كنا ذاهلين عن التوسع الإقليمي، فيما المانيا تعاني من نوبات من الاضطراب، فقذفتنا، على سبيل التحدي، بنشيد «بيكر» الوطني …. نعلم اننا لسنا وحدنا من يملك مخططات توسعية. والان، إذا كانت روسيا ترى الى القسطنطينية بالعين ذاتها التي نرى فيها الى منطقة نهر الراين، الا نستطيع ان نحوّل تلك الادعاءات المتماثلة الى فائدة ما، ونفرض على اوروبا صفقة مركّبة تمنح تركيا الى روسيا، وحدود الراين الى فرنسا، تلك المنطقة التي كان نابليون الاول يعتبرها الشرط الذي لا غنى عنه لوجوده كحاكم سيّد؟

«يوجد في أوروبا لا اقل من مليوني تركي، في حين يوجد ١٣ مليونا من اليونانيين يرون الى القيصر [الروسي] على انه زعيمهم الروحي. إن الانتفاضة اليونانية [١٨٢١-١٨٢٩]، التي استمرت تسع سنوات، لم تكن الا المقدمة للحركة التي قد تلعب مجازر سورية دور الشرارة لاندلاعها. إن المسيحيين اليونانيين ينتظرون صدور الأمر من زعيمهم في سان بطرسبرغ [القيصر الروسي]، او من بطريركهم في القسطنطينية، للثورة ضد الكفرة؛ وقليلون هم السياسيون بعيدو النظر الذين لم يستبقوا حلا للمسألة الشرقية في اتجاه ميّال الى روسيا، وذلك في زمن ليس ببعيد. لذا فلا عجب ان الروس، استجابة لنداء أبناء دينهم، وبتشجيع من نبوآت ستاليزانيف، سوف يكونون مستعدين لتجاوز نهر «پروث» في أسرع وقت.

«إذا ألقينا نظرة على حدودنا، تظهر الاعتبارات التي تبرّر توجهاتنا بنفس اهمية تلك التي تحرّك روسيا. لنضع جانبا كل ذكريات تاريخية، وكل دوافع جغرافية، ولنتناول المقاطعات التي تضمها منطقة الراين واحدة واحدة ولنتفحّص الأسباب التي تدعم ضمّها.

«نلقى بلجيكا في المقام الاول. إذا ما افترضنا صفاء النية، يستحيل ان نشك في التشبيه المثير الذي حدا ببعض المؤرخين الى ان يسمّوا البلجيكيين «فرنسيي الشمال». الحقيقة ان الطبقات المتعلمة على امتداد البلد لا تستخدم من اللغات الا الفرنسية، واما العامية الفلامنكية فلا تفهمها الا الطبقات الدنيا من السكان وفي بعض المناطق فقط. الى هذا، فإن بلجيكا تعتنق الكاثوليكية، في كافة انحائها، وإنها مدينة، في استقلالها، لفرنسا، شقيقتها في الأصل واللغة والدين. لن نستعيد حقيقة ان بلجيكا قد اجتاحتها قواتُنا في العام ١٧٩٥، وشكلت تسع مقاطعات فرنسية حتى العام ١٨١٤. الا انه يبدو ان نِيرنا لم يكن ثقيلا جدا، ففي العام ١٨٣١، استحصلت بلجيكا من الدول العظمى على الإذن بالانضمام الى فرنسا فقدّمت، في تصويت لمجلسيها التمثيليين، تاج بلجيكا لدوك نيمور، ابن ملك فرنسا. وقد حدا بهم رفض هذا الأخير للتاج الى تقديمه الى دوك ساكس-كوبورغ، وهو ليوبولد الاول حالياً. على ان السابقة التي نشير اليها تبدو لنا بالغة الاهمية، وتسمح بالافتراض انه لو استشيرت بلجيكا فلن تكون اقل كرماً من مملكة [ساڤوا]، وتؤكد مجددا جاذبية الهيبة الذي تشعرها بها عظمةُ فرنسا. وإن معارضة بعض افراد الطبقات العليا لن تلبث ان تخنقها هتافات التأييد الشعبية.

«قبل ان يصب في البحر، كان نهر الراين ينقسم الى ثلاثة فروع، يسير اثنان منهما باتجاه الشمال، هما «ايسّل» Yssel الذي يصب في «زويدرزي» Zuyderzee [خليج تابع لهولندا في بحر الشمال]، و«فال» Waal[الذي يعبر هولندا] وهو احد روافد نهر «موز» Meuse [اكبر الأنهر الاوروبية، ينبع في فرنسا ويصبّ في بحر الشمال بعد ان يجتاز بلجيكا وهولندا]. ولو كان لفرنسا ان تعيد رسم حدودها، اما كان الاحرى ان تعتمد مجرى نهر الراين، بمعناه الفعل، بدلا من مجرى نهر «فال» او مجرى نهر «إيسّل» بحيث تقتطع اقل مقدار ممكن من جنوب هولندا؟ المؤكد ان هذا ما كانت سوف تفعله. الى هذا، فليس تعديل الحدود لجهة هولندا هو الذي لا بدّ منه باتخاذ مجرى نهر الراين قاعدة للترسيم. ان بلجيكا، في حدودها الحالية، سوف تكون كافية لاشباع نزعة التوسع التي اخذ الرأي العام يطالب بها عاليا في الآونة الأخيرة. ثم ان مجرى نهر «شلدت» Scheldt هو الحدود التي جرى التنازل عنها لفرنسا في معاهدة لونيفيل العام ١٨٠١.»

[يلي ذلك مقطع يبيّن، وفق محاجة مماثلة، ضرورة ضم دوكية لوكسمبرغ الكبرى، «التي كانت تشكل “مقاطعة الغابات” في ظل الإمبراطورية.» ثم يمضي كاتب المنشور ليبيّن ضرورة ضم بروسيا. ملاحظة ماركس]

«لن تنتهي مهمتنا ما إن تقع بلجيكا واللكسمبرغ تحت سلطتنا. … من اجل استكمال حدودنا ينبغي ان نتملك لا اقل من ثلثي بروسيا الرينانية، وكامل بافاريا الرينانية، وحوالي ثلث دوكية هيسّ الكبرى. كانت كل هذه الأراضي تشكل، في ظل الإمبراطورية [زمن نابليون بونابارت]، مقاطعات «روير» Roer الرينانية، و«موزيل» التابعة لمقاطعة «سار» Sarre و«جبل الرعد» Mont de Tonnerre ودوكية «برغ» Berg الكبرى. في العام ١٨١٥، كانت تلك المقاطعات موزعة بين عدة مالكين، ما يزيد من صعوبة استعادتنا لها. على ان الواقعة الداعية للاعجاب ان تلك المقاطعات التي ضمّها العرش الفرنسي، التي لم تكن على تعاطٍ مباشر معنا لأكثر من سنوات قليلة، ترك وجودنا المؤقت أبرز الآثار عليها. للتدليل على مبلغ العطف الذي يلقاه المسافِر الفرنسي في تلك الأجزاء، نترك الكلام للذين سافروا الى هناك. لأربع وخمسين سنة خلت، لم يعسكر جندي فرنسي واحد في تلك البلدان على ضفاف نهر الراين، ومع ذلك فمن الرائع ان نشاهد الاستقبال المؤثر الذي يلقاه لابسو بزّات جيشنا هناك. انهم كاثوليكيون مثلنا – ومثلنا هم فرنسيون! اليس في «أيكس لا شاپيل» كان امبراطورنا شارلمان يعقد مجلسه؟ … إن مقاطعات نهر الراين ينبغي ان تتبع سياسيا لفرنسا، مثلما هي تابعة طبيعيا لها.»

[ثم يعود المؤلف الى روسيا، وبعد ان يبيّن ان حرب القوم لم تشكّل حاجزا امام تحالف فرنسا وروسيا، على اعتبار ان تفاهما بينهما لم يحصل حينها، يقدم هذه المعلومة المتعلقة بعرفان للجميل نت فرنسا تجاه روسيا- ملاحظة ماركس]:

«ينبغي ان نتذكر ان فرنسا لم تتبع خطط بريطانيا في بحر البلطيق. لسنا ندري ما إذا كان هجوم على كرونشتاد [المرفأ الرئيسي لسان بطرسبرغ الروسية] سوف ينجح في أي حال؛ لكنه لم يتم، لحسن الحظ، بفضل معارضة فرنسا على ما نعتقد.»

[بعد جولة في الحملة الايطالية، لا يشك الكاتب في ان بروسيا سوف تنضم الى الحلف الروسي-الفرنسي في نهاية المطاف- ملاحظة ماركس]:

«ولكن لربط حكومة برلين بسياستنا، لا بد من سحبها من تحت تأثير انكلترا. كيف يمكن تحقيق ذلك؟ بالعمل بمهارة فائقة كي لا تبقى بروسيا جارتَنا على نهر الراين، وبأن نعد بدعم مطالبها المشروعة للغلبة في المانيا. ان تبادل هذه المقاطعات الرينانية يجعل باڤاريا وبروسيا تأخد تعويضاتها من النمسا. إن التحالف الانكليزي لن يوفّر لبروسيا غير الحفاظ على الوضع القائم – في حين ان التحالف مع فرنسا يفتح لها آفاقا بلا حدود.

«ان التحالف بين فرنسا وروسيا وبروسيا، إذا ما انعقد تحت راية الإخلاص، ولنا كل سبب لاعتقاد ذلك، سوف يستتبع نتائج طبيعية بامتياز. … فقد بيّنا أعلاه ما أرساه «سترابو» منذ ١٨٠٠ سنة بما لا يسمح بالشك – ان نهر الراين كان الحدود الطبيعية لفرنسا الشمالية. الآن، بروسيا هي المتأذي الأكبر من هذا التوسع الجغرافي. فقد احتفظت منذ ٤٥ سنة بنهر الراين بما هو التنّين المستخدم لحراسة حديقة «هيسبيريديس» Hesperides. يجب ان يختفي هذا السبب للعداء بين بروسيا وفرنسا. ولتعد الضفة اليسرى لنهر الراين فرنسية مجددا؛ ومكافأة لها على حسن نواياها، سوف تلقى بروسيا تعويضاتها في النمسا – تلك القوة التي سوف تعاقب على ما أبدته من سوء ظن وغُشم. ولينتظم الجميع من اجل سلام دائم.

«وليجري استشارة السكان، بحيث لا يقع أي ضم بواسطة العنف. في وضع تكون فيه روسيا في القسطنطينية، وفرنسا على نهر الراين، والنمسا محجّمة، وبروسيا مسيطرة في المانيا، اين سنلقى سببا آخر للاضطراب او الثورة في أوروبا؟ هل ستجرؤ إنكلترا على ان تنافس منفردة ضد روسيا، وبروسيا وفرنسا؟ لسنا نفترض ذلك. وعلى افتراض ان ذلك حصل، وغامرت بريطانيا العظمى بارتكاب مثل تلك الوقاحة، فسوف تتلقى درسا قاسيا. جبل طارق، مالطة، الجزر الايونية هي الضمان لكي تلتزم الهدوء؛ فتلك هي نقاط الضعف في درعها. ومع انه سوف يجري تقزيمها الي تلويح عقيم داخل حدود جزيرتها، وتضطر الى ان تكون شاهدا مستكينا على ما يجري في القارة، فبالكاد سوف يسمح لها بأن تعبّر عن رأيها، بفضل الخمسة او ستة الاف جندي التي سوف ترسلهم الى سورية.

«لقد آن الاوان لتحديد سياستنا بوضوح: انه في سورية حيث يترتّب على فرنسا ان تحتل حدود نهر الراين سلميا، بترسيخ التحالف مع روسيا. ولكن يجب ان نحذر من ان نمنح روسيا توسعا بلا حدود. يجب ان تكون المقاطعات شمال المضائق كافية لإشباع طموحها. أما آسيا الصغرى فيجب ان تبقى أرضا حيادية. ولو أمكن النظر الى موضوع عملي في ضوء شِعري وعملي معاً، لقلنا إن قرارنا قد اتخذ؛ لقد ظهر رجل يبدو انه التجسيد الفكرة التي نريدها في سورية – انه عبد القادر. فهو سُنيّ/قويم في إسلامه بما يكفي لتطمين السكان المسلمين؛ وهو متحضّر بما فيه الكفاية لكي يقيم العدل بالتساوي بين الجميع؛ وهو يرتبط بفرنسا بروابط الاعتراف بالجميل؛ وهو سوف يحمي المسيحيين ويُخضِع لبيت الطاعة القبائل المشاغبة المستعدة دوما وأبدا لتعكير صفو الامن والسلام في آسيا الصغرى. إن تتويج عبد القادر أميرا على سورية سوف يكون مكافأة نبيلة على الخدمات التي أسداها لنا سجينُنا.»

كتبت في ٣ آب/اوغسطس

العنوان الأصلي «التحالف الروسي-الفرنسي»

نشرت لأول مرة في صحيفة «نيو يورك دايلي هيرالد»، العدد رقم ٦٠٢٥ في ١٦ آب/اوغسطس، ١٨٦٠

رسالة الامبراطور

نابليون يتودد لبريطانيا

لندن ٧ آب/اوغسطس، ١٨٦٠

[…] ان رسالة لويس نابليون الى عزيزه پيرسينيي لا تزال أبرز موضوع أحاديث هنا وعلى الضفة الثانية من القنال. يبدو ان احتجاج «الباب العالي» ضد الحملة السورية كما خططت لها فرنسا وروسيا بالأصل، لقي دعما قويا من النمسا وبروسيا، في حين ان لورد پالمرستون، خلال النقاشات عن التحصينات، عيّن لوي نابليون على انه الأكثر اثارة للريبة بالنسبة لبريطانيا، [ولكنه] لن يستطيع ان يلقي بثقله في الميزان مع تركيا والقوى الجرمانية. ويبدو أيضا ان «بطل ديسمبر» قد تملّكه الفزع الى حد ما، ليس فقط من النبرة الدكتاتورية التي اتخذتها روسيا، وانما أيضا وخصوصا من الاسرار التي تتداولها صالونات «الأحزاب القديمة» والهمهمات المتناقلة في «الاحياء الشعبية» بصدد «التحالف الكوزاكي» [الفرنسي-الروسي].

لجعل هذا الأخير قابلا للهضم لدى باريس، لا بد ان الامور بلغت درجة اعلى من التعقيد. في تلك الظروف المحزنة؛ وفي حالة ذهنية مرتبكة بالتأكيد، خطّ لويس نابليون رسالته، وقد تعطّرت عدة مقاطع منها بشذى العبث.

إن انكليزيا قد يستسلم للضحك عندما يقرأ العبارة التي يتوجه بها لوي نابليون الى لورد پالمرستون «دعنا نتفاهم بنيْة حسنة كرجال صادقين لا كلصوص يرغب واحدهم في ان يخدع الآخر»؛ وما من فرنسي يستطيع ان يقرأ ذلك المقطع دون ان يذكّره بعبارة مشابهة ترد في مسرحية «روبير ماكير» الشهيرة. (…)

كتبت في ٧ آب/اوغسطس، ١٨٦٠.

العنوان الأصلي: «الضريبة على الورق – رسالة الامبراطور»

نشرت لأول مرة في «نيو يورك هيرالد تريبيون»، العدد رقم ٦٠٣٠، في ٢٢ آب/اوغسطس، ١٨٦٠.

المسألة الشرقية

بعد التنظيمات العثمانية

لندن، ٢٥ آب/اوغسطس، ١٨٦٠

[…] غريب ٌ جداً، مشهد القارة الاوروبية في هذه الآونة. المعروف ان فرنسا تنوء تحت مصاعب مالية ثقيلة، لكنها تنتج السلاح على نطاق لا يقل ضخامة عن تلك المصاعب، وبنشاط ليس أقل زخماً، كأنما تملك فانوس علاء الدين السحري. النمسا تتأرجح عند شفير الإفلاس، ولكن يوجد المال، بطريقة او بأخرى، لإطعام جيش جبار، وحشو القِلاع الرباعية بالمدفعية. وروسيا، حيث فشلت العمليات المالية للحكومة – ويجرى الحديث عن ان الافلاس الوطني احتمال وارد- وحيث الجيش يزمجر بسبب عدم دفع متأخرات [رواتبه]، حتى ان ولاء «الحرس الامبراطوري» موضع امتحان عسير، لأنه لم يتلقى مرتباته خلال الأشهر الخمسة الماضية – روسيا مع ذلك، ترسل قواتها الى البحر الأسود وقد جهزت ٢٠٠ بارجة حربية في نيكولاييف، لتبحر نحو تركيا. ان عجز الحكومة الروسية في معالجة مسالة الرق [تحرير الاقنان]، والمشكلة المالية، واحياء المسألة البولونية، يبدو انها عقدت العزم على تجريب الحرب بما هي آخر مادة تخدير. إن التذمر المتصاعد من كافة انحاء الإمبراطورية، وكافة مراتب المجتمع الروسي، يجري بالتالي اغراقه، بأوامر حكومية، في صرخة الثأر المتعصبة لمسيحيي تركيا الفقراء المسحوقين. يوما بعد يوم، تضج الصحافة الروسية بالصور والبيانات عن ضرورة التدخل في تركيا. يمكن اعتبار هذا المقتطف من جريدة «إنڤاليد» [«روسكي إنڤاليد»] مثالا معبّرا عن ذلك:

«لقد بلغت المسألة الشرقية مرحلة المؤكد انها سوف تبقيها مثارة على جدول اعمال «القوى» الاوروبية لفترة من الزمن، ولما كانت تستقطب اهتمام أوروبا بأكملها، فلا يليق بنا ان نتركها من غير نقاش على صفحاتنا. الذين لا يكترثون لمصالح الانسانية يمكنهم ان يتركوا هذا الموضوع يمرّ دون تعليق. اما نحن، فمجبرون ليس فقط على ذكر التفصيل عن المجريات الشرقية، وانما أيضا ان نستشرف احتمالات المستقبل، خصوصا انه يترتب علينا ان نكشف للجمهور الاجراءات الواجب اتخاذها للتخلص من تلك الحالة غير الطبيعية، التي شكلت، وهي تشكل حقاً، وصمة عار على بلدنا والحضارة.

«نظراً الى طبيعة الافعال الهمجية التي يُسمَح الآن للأتراك بارتكابها، فنحن، من خلال تبجيلنا الحق والعدالة، ملزمون بالاعتراف بأن أوروبا ينبغي ان توضع موضع محاسبة على العصبية المُسلمة، في اصولها والعواقبه اننا لن نتردد في ان نتحدث بصراحة. ما هي الدوافع التي حدت بأوروبا الى ان تخوض حربا ظالمة ضد روسيا العام ١٨٥٣-٥٤؟ وقد تقدمت أوروبا نفسها بأمرين بما هما الأساس لحرب القرم. كان الاول هو كبح قوة روسيا وطموحها، والثاني منع اضطهاد المسيحيين في الشرق. لقد اعترفت أوروبا بالتالي بوجود مثل ذاك الاضطهاد، ولكنها قصد إزالته، أعلنت عن تصميمها على الحفاظ على وحدة الأراضي التركية بما هي شرط ضروري لتوازن القوى. وما ان انتهت الحرب حتى انشغلت الدبلوماسية بوسائل بلوغ هذا الهدف المزدوج. كانت الخطوة الاولى هي استعادة تركيا الى أسرة القوى الاوروبية، وحمايتها ضد تدخل أي من تلك القوى وطغيانها. ولما كان تحقيق ذلك من السهولة بمكان، فقد تحقق بالتالي واحدا من الهدفين. ولكن كيف كان الامر بالنسبة للآخر؟ هل قدِّمتْ أي ضمانات لحماية المسيحيين ضد القتل وكل منوعات الإساءة؟ مع الأسف [ان لا]! وضعت أوروبا ثقتها في هذا الموضوع في الكلمات والأوراق والوثائق، دون أي ضمانات منحت من اجل تحقيقها. منذ الثامن من اوغسطس، ١٨٥٤، عندما بدأ البحث في وقف العمليات الحربية، دعي «الباب العالي» الى منح المسيحيين والمسلمين حقوقا دينية متساوية. وقد طرحت حكومة سان بطرسبرغ المطلب ذاته، في احتفالات ٢٨ ديسمبر ١٨٥٤، وأخيرا في مسودة شروط السلام التي صيغت في فيينا في الاول من فبراير ١٨٥٦، وسجّلت لاحقاً في محاضر اول اجتماع لـ«مؤتمر باريس» وقد تضمنت الكلمات الآتية: “ان حقوق رعايا السلطنة سوف تحمى دون تمييز، ولكن دون الإساءة الى استقلال السلطان وكرامته السيادية. ان النمسا وفرنسا وبريطانيا العظمى و«الباب العالي»، متفقة على حماية استمرار تمتع المسيحيين الاتراك بحقوقهم السياسية والدينية؛ وهي سوف تطلب موافقةَ روسيا على هذا المقترح في صك السلام.”

«وقد انشغل المؤتمر بالموضوع عينه في عدد من جلساته الأخرى، كما يتبيّن من محاضر ٢٨ فبراير، و٢٤ و٢٥ مارس. في كل هذه، كانت الرغبة هي بلوغ هدفين يلغي الواحد منهما الآخر – الحفاظ على الحقوق السيادية للسلطان، ووضع المسيحيين من رعاياه تحت حماية أوروبا. فقد تناسى المؤتمر، بجميع أعضائه، ان حقوق المسيحيين ذاتها، وقد رغبوا رغبة عارمة في تثبيتها، قد منحها «الباب العالي» مرارا متكررة في معاهداته السابقة مع أوروبا – معاهدات، سبق لها أنّ ألغت السلطةَ السياديةَ لذاك المَلِك [السلطان]، وهو الملك الذي تقول أوروبا الآن انه يجب مساعدته على الاحتفاظ بعرشه. من اجل تأمين حد أدنى من التناغم بين هاتين النقطتين المتناقضتين، اضطر السلطان الى اصدار الـ«خطّي همايون» الشهير، مع انه اقرّ بأنه تصرَّف في ذلك بناء على ارادته الحرّة ونزوعه السيادي. فاضطر الى ان يَعِد باحترام رعاياه المسيحيين وزيادة حقوقهم، مع ان هذا الوعد لم يدخل في معاهدة السلم، ليكون بمثابة الضمانة لتنفيذه بما هو أحد عناصرها المكونة. بناء عليه، تنازل المؤتمر، في البند التاسع من المعاهدة، عن أي تدخل لاحق في شؤون تركيا الداخلية.

«ولكن هل حصل المؤتمر على أي ضمان لتطبيق «الخطّي همايون»؟ هل ضمّنه السلطان أي الزامات فعلية؟ لم يتوفر أي من هذا. فبالرغم من ان المعاهدة تمتدح عاليا حكمة «الخطّي همايون»، الا ان هذه الوثيقة، كما توقعت كل أوروبا، ظلّت كلمة ميتة. والاسوأ من ذلك – أوروبا، بموجب تلك الحقوق، قد حُرِمت من أي حق في التدخل الشرعي، مع ان «الخطّي همايون» قد لا يطبّق بالمرة، ولم يمنع ارتكاب أبشع المجازر بعد أربع سنوات فقط على إصداره […] مؤخرا، حذّرت روسيا حكومات أوروبا من ان تعصب الاتراك لم يتضاءل لا من حيث الزخم ولا من حيث العنف؛ وانه يمكن توقع انفجارات وشيكة، مع انه لم يحصل اية فترة هدوء انتقالية، على كل حال. ولكن حتى حينها، ظلت أوروبا راضية بوعود «الباب العالي»، وعللت نفسها بالأمل ان الأطراف المذنبة سوف تلقى العقاب، وان الامن والنظام سوف يستتبان. اقتضى الامر مجزرة جماعية على ايدي هؤلاء الوحوش لجعلها تغيّر رأيها. وأخيرا صمّمت أوروبا على التدخل، ليس بدون ابطاء ومراوغة ما يبرر الاعتقاد بأنها كانت تنوي ان تترك المذنبون يفرّون. تقرر ان يعتمد كل شيء على رسالة معاهدة ٣٠ مارس ١٨٥٦، وتماما كما في حال إيطاليا في العام الماضي، لم تزن عذابات شعب شيئا مقابل نص وثيقة دبلوماسية.

«لكن رأينا في كل هذا مختلف تماما. ان معاهدة أوروبا مع تركيا، في نظرنا، تضمن مبادئ الانسانية والدين والحضارة. وإذا ما خَرَقت تركيا هذه المبادئ، فأنها تستجلب بمفردها على نفسها تدخل أوروبا.

«الى العام ١٨٥٦، كانت القوى الاوروبية، بناء على عدة معاهدات موقعة مع السلطنة، تملك الحق الشرعي في الاعتراض بالنسبة لوضع الرعايا المسيحيين. على انه يجوز التساؤل الآن ما إذا كان هذا الحق قد الغي بموجب معاهدة ٣٠ مارس، ١٨٥٦. هل تنازلت أوروبا عن امتيازاتها في حماية أبناء دينها؟ سيكون الجواب بالإيجاب إن هي راهنت على تطبيق «الخطٌي همايون»، الصادر في ١٨ فبراير [١٨٥٦]؛ وإذا ما اقتنعت مرة بأن الإصلاحات الموعودة هي ذاتها الإصلاحات المطبقة؛ إذا هي أمِلت بأن عادات المسلمين وأهواءهم والتشريعات قابلة للتغيير. لكن لم يكن لأوروبا، طبعاً، ولن يكون لها مثل هذا الرأي. مأخوذة بالاعتقاد ان سلامة أراضي السلطنة العثمانية شرط اوحد لتوازن القوى، سمحت أوروبا للسلطان بأن ينضم الى أسرة دولها. على ان هذا لم يُمنَح الا بشرط ان تتحرر تركيا من تقاليدها الإسلامية، وتصير أوروبية في مؤسساتها؛ وبأن لا يعود السيف هو الذي يقيم العدل بين المؤمنين وغير المؤمنين؛ وبأن لا يبقى المسيحيون عبيداً لأسيادهم وبآن لا تعود أملاك رعايا السلطنة منهبةً للمسلمين. كانت تلك بالتأكيد الفكرة الرئيسة في أوروبا العام ١٨٥٦. على كل غضبها ضد روسيا، وهو النتيجة الطبيعية لحرب دموية وظالمة، لم تتملص السلطنة من التزاماتها السابقة؛ بل على العكس من ذلك، طالبت بتحسين متدرج لوضع المسيحيين. إن ضمان بلوغ هذا الهدف كان الغرض الوحيد للانتداب الاوروبي على السلطنة وكان هو الثمن الوحيد الذي طالبت به أوروبا لقاء ضمان سلامة أراضي ممتلكات السلطنة. دون ذلك، لم يكن ما يبرر الحرب او السلام. بدون ذلك، لم تكن تركيا لتُقبل عضوا في أسرة القوى الاوروبية، ولا كانت تأمنت حماية سلامة ممتلكاتها. إن الشرطيَن متلازميَن تلازما وثيقا بحيث لا يمكن الفصل بنهما؛ وهذا ما يستطيع أن يتبيّنه أي كان، إن كان يريد ان يتبيّن شيئا على الاطلاق.

«صحيح ان شكل الشرط كان يمكنه ان يكون أقل فاعلية مما هو الان، لو ان النص الحرفي للمعاهدة كانت له السلطة الكاملة. لقد أوروبا تخلت رسميا عن التدخل في الاوضاع الداخلية لتركيا بمقتضى البند التاسع؛ لكن حتى ذلك البند يتضمن الإشارة الى «خطّي همايون» الصادر في ١٨ فبراير، والذي يقضي بأن يوضع المسيحيون على مرتبة مساوية للمسلمين في الحقوق. وانه من قبيل التناغم مع قوانين المنطق الصارمة ان البند التاسع يسقط إذا ما أغفل «خطّي همايون».

«عبثاً تسعى تركيا الآن لقمع الاضطراب الأخير في سورية. كان هذا الاضطراب حتميا، بسبب عدم تحسين وضع المسيحيين، بل بالعكس صار أسوأ مما كان من قبل. وعبثاً تحاول بريطانيا الحيلولة دون تدخل أوروبا، قد تكون لها سياستها الخاصة، وقد تكون مدفوعة بدوافع سياسية وتجارية، لسنا نريد تقدير صوابها واهميتها. لكنها لا تستطيع ان تبني اعتراضاتها على البند التاسع من معاهدة باريس […] عبثاً تحاول أوروبا إخفاء حقيقة تدخلها، بذريعة انها تمّت بناء على إرادة السلطان. نقول إن كل هذا عبث وبالرغم من ان «إيليون» لم تصدّق نبؤات «كاساندرا» فما يرضينا على الأقل هو معرفة أن «أيليون» قد دمّرت.»

كتبت في ٢٥ اوغسطس، ١٨٦٠

العنوان الأصلي: «أسعار القطن – موازنات أوروبا والتحضيرات للحرب – المسألة الشرقية»

نشرت لأول مرة في «نيو يورك دايلي هيرالد»، العدد ٦٠٤٦، ١٠

سبتمبر، ١٨٦٠.

Themes
History
Countries
Syria Lebanon
Published In
Bidayat
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Marxism Mount Lebanon Syria Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.