Back to Publications
Publications Papers

On Arab Elite Perceptions of the Zionist Project and Israel

Instead of "conspiracy" say "balance of power"; instead of "victim" say "a backward society unable to defend itself" — Yassin al-Hafez against the prevailing Arab view.

في نظرات النخب العربية الى المشروع الصهيوني واسرائيل

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

في نظرات النخب العربية الى المشروع الصهيوني واسرائيل

فوّاز طرابلسي

(ندوة »الصهيونية وإسرائيل « قبرص ١١و١٢و١٣ كانون الاول ١٩٩٨)

مقدمة

اثارت الانتفاضات العربية السؤال حول العلاقة بين مطالب ومشكلات الداخل والخارج العربي وبين القضية الفلسطينية والنزاع العربي الاسرائيلي.

اولا، تنطلق هذه الدراسة من فرضية انه توجد نظرة عربية سائدة الى المشروع الصهيوني والى تحدي قيام دولة اسرائيل وإستتباعا الى القضية الفلسطينية والنزاع العربي-الاسرائيلي. كما تفترض ان هذه النظرة ظلت سائدة لامد طويل واذا كانت طرأت عليها تعديلات، بل انقلابات، الا انها ما لبثت ان إستعادت موقع الصدارة بعد العام ١٩٦٧ وبخاصة مع مباشرة «عملية السلام».

ثانيا، في متابعتي لتلك النظرة السائدة، ونقيضهاتها، سوف احاول الجمع بين التشخيص البنيوي للنظرات والخطابات حول المشروع الصهيوني وبين متابعتها عبر مساراتها وتحولاتها التاريخية.

ثالثا، تندرج دراسة نظرات النخب العربية الى المشروع الصهيوني ودولة فلسطين في الاشكالية العامة لدراسة النظرات العربية الى الغرب. اي ما يمكن تسميته «الاستغراب». والحال انه اذا كانت الادبيات العربية مشبعة بنقد الاستشراق، فان نقد الاستغراب مهمة لم تستوفَ كامل حقها كمشروع نقدي معرفي. واول ما ينبغي الاشارة اليه ان القسم الاكبر من الخطاب العربي حول الصهيونية استشراقي بامتياز. اي انه شديد التأثر بالمرجعيات الغربية سلبا او ايجابا) التخاطب مع الغرب بلغة نعتقد انها الوحيدة التي يفهمها: القومية، العداء للشيوعية، الديمقراطية، حقوق الانسان، المجتمع المدني، الخ. ب ) استعارة المرجعيات الفكرية: من فكر اقصى اليمن الاوروبي واللاسامية (بروتوكولات حكماء صهيون) للتدليل على المؤامرة الكونية الابدية اليهودية للسيطرة على العالم، او استلهام النازية (الادغام بين الصهيونية والشيوعية )، او استلهام النقد الغربي للصهيونية (أعمال إبراهام ليون، مكسيم رودنسون، ناثان فاينستوك، وتاليا المؤرخين الاسرائيليين «المراجعين»).

رابعا، العلاقة المثلثة الاطراف. العملية الكولونيالية التي ادت الى قيام الدولة الصهيونية عملية فريدة في التاريخ الكولونيالي. فمنذ ان شكّل وعد بلفور عقد الزواج الذي زفّت به الصهيونية الى الكولونيالية والشعب الفلسطيني يواجه عدوّين في آن معا: واحداً ليستعمر ويستغلّ وآخر ليجلي ويقيم. وهذه حالة لا قرين لها في تاريخ الاستعمار. لا تقارنها اقرب الحالات التي يستدلّ بها عليها عادة. إن استعمار الاوروبيين البيض لاميركا الشمالية اباد القسم الاكبر من السكان الاصليين، وحبس من تبقى في «المعازل» لكنه لم يتم في محيط يشكل فيه المستوطنون الجدد اقلية لا حظ لها في ان تتحول الى اكثرية او في اجلاء تلك الاكثرية كما هو حال اسرائيل في محيطها العربي. من جهة ثانية، مهما تكن اوج الشبه بين الصهيونية ونظام التمييز العنصري في جنوب افريقيا، يبقى .

بسبب هذا العلاقة المثلثة الاطراف (الغرب-الصهيونية-العرب) فالموقف من المشروع الصهيوني ومن قضية فلسطين كان ولا يزال وسوف يبقى محكوما بالموقف من السياسات الغربية في المنطقة. والخطاب العربي في فلسطين وعن فلسطين يتوسطه دائما ويتحكم به الى ابعد حد نمط الخطاب العربي الموجه للغرب او عن الغرب، اي انه ينحكم دوما بالموقع الذي منه يصدر العربي المخاطِب للغرب، موقع التابع او المقاوم، موقع الحاكم او المحكوم، موقع الوسطي او المتظلّم، الخ.

١. النخب العربية اثناء وبعيد العام ١٩٤٨

كيف استقبلت النخب العربية/الفلسطينية المشروع الصهيوني؟

تؤكد ردود الفعل الاولى للهجرة والاستيطان اليهوديين الى فلسطين ان مطالع الهجرة اليهودية الى فلسطين لم تبدُ للفور على انها عملية استعمارية استيطانية حيث ان حرمان فلسطين من حريتها وحقها في تقرير المصير في اطار دولة عربية مشرقية موحدة كان هو الفعل الاستعماري البريطاني الغالب.

وهذا ما سمح للمثقف الفلسطيني روحي الخالدي بأن ينظر بإفتتان الى تنظيم المَزارع الصهيونية، في كتابه الصغير عن «السيونيزم»، حيث للمزرعة النموذجية طبيبها وادارتها ومسؤولها الاقتصادي ولهاعقل مشغول بالزمن والارقام. ولم يكن غريبا ان يقارن صاحب »فيكتور هوغو والعرب» بين حالة صهيونية مزدهرة وحالة عربية موازية حافلة بالتداعي. فيأخذ فيصل دراج على الخالدي، في نظرة انعكاسية، وقوعه في خطأين. الاول رأى في المشروع الاستيطاني الصهيوني امتدادا للحركات القومية الاوروبية في القرنين الثامن والتاسع عشر من ناحية، وفصل بين هذا المشروع وبين الاستعمار الاوروبي من ناحية ثانية. (فيصل دراج، «فتنة المنتصر التي تمزّقت»، السفير، ٢٦ نيسان ٢٠٠٢)

وليس يختلف نجيب نصّار، صاحب جريدة «الكرمل» كثيرا عن الخالدي في افتتانه الحداثوي، اذا جاز التعبير، إذ يقارن بين تنظيم المتاجر اليهودية وازدهارها وفوضى المتاجر العربية واضطرابها.

كان في ممارسات الصهيوني الذي حمل معه زمنا تاريخا آخر ما يفتن الناظر العربي ويمنع عنه الرؤية الصحيحة فيكتفي بتعابير الحضارة والمعرفة والمدنية قبل ان يكشف له زمن لاحق عن بربرية طليقة وعن مجازر منظمة لا نهاية لها.

وعندما يتكشف ان الاستيطان اليهودي الحداثوي هذا يندرج في مشروع لبناء «وطن قومي لليهود في فلسطين»، يتشارك نجيب نصّار وخليل السكاكيني في المفاجأة ازاء دعم البريطاني لهذا المشروع. يرى الاول ان وعد بلفور لا يتوافق مع امة انجبت شكسبير. اما خليل السكاكيني فيتحدث عن «مكر يهودي» يعبث بالامة الاوروبية ويرى انه من المخزي ان لا تكتشف هذه الامة العبث اليهودي بها. (فيصل دراج، «فتنة المنتصر التي تمزّقت»، السفير، ٢٦ نيسان ٢٠٠٢)

يقع الامر كله اذاً في مدار المكر والخديعة. اذ اليهودي يمكر بالاوروبي وإذ سذاجة الاخير تبتلع المكر وترضى به.

المقارنة حداثة/تخلّف، المكر الذي يتحول سيطرة لليهود على الغرب، و

النظرة السائدة لدى جيل ١٩٤٨

ان اشكالية العالم الذهني والسياسي الذي كانت تعيش فيه كل الطبقة السياسية العربية آنذاك، تمحور حول مجموعة من الاسئلة:

– كيف يمكن تفسير ذلك الضرب من الاستعمار الاستيطاني الغربي الذي يطرح تحديات مذهلة وبالغة الجدّة على كافة الصعد الدينية والاقتصادية والحدودية والعسكرية والثقافية؟

– كيف يمكن تفسير القوة التي استجمعتها تلك الاقلية لتستطيع الانتصار على الاكثرية؟ بل كيف يمكن تفسير هزيمة تلك الاكثرية؟

– وما هو حجم المسؤولية التي تتحملها القوى الغربية في قيام دولة اسرائيل؟

– كيف يمكن تفسير ذاك التواطوء المذهل بين اعدى اعداء الحرب الباردة، الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفييتي، على دعم انشاء الدولة العبرية في فلسطين والتسابق على الاعتراف بها؟

– من يتولى حل القضية الفلسطينية؟

كيف يمكن تكييف النزاع العربي-الاسرائيلي مع الرؤية التي تقوم على تقسيم العالم بين معسكر للخير ومعسكر للشر؟ وماذا عن الخلاف الذي نشب بين العرب والغرب بسبب قيام دولة اسرائيل والمأساة الفلسطينية، في وقت يسعى فيه شيحا، واقرانه من حلفاء الغرب في المنطقة، الى تأمين انحياز العرب الى المعسكر الغربي، بل تأمين انضمام الدول العربية الى الاحلاف العسكرية الغربية؟ كيف يمكن تفسير واستيعاب ما سوف يطلقه دور الغرب في انشاء دولة اسرائيل من ردود فعل سلبية عربية؟ وتاليا، ما العمل حتى لا يؤدي النزاع بين اسرائيل والاتحاد السوفييتي بعيد الحرب الكورية ١٩٥١-١٩٥٢ الى انحياز عربي الى صف الشيوعية؟ وعكسا، كيف يمكن اقناع الغرب بالخطأ الذي ارتكبه في دعمه قيام دولة اسرائيل والخطر الذي يمثله ذلك على المصالح الغربية، الاقتصادية منها خاصة، في المنطقة العربية؟

ذلك غيض من فيض من الاسئلة والاشكالات والتحديات الفكرية والسياسية والستراتيجية التي اثارها النزاع العربي-الصهيوني لدى صف واسع من اصدقاء الغرب في المنطقة العربية.

كان ميشال شيحا المفكر اللبناني والعربي بامتياز الذي اهّلته مصالحه الطبقية و «غربيته» غير المشروطة لان يبحث عن الاجوبة على تلك الاسئلة المؤرقة – وان يلقاها – في التراث الفكري لليمين المتطرف في اوروبا وبخاصة فيما يختزنه ذلك التراث من مقولات معادية للاسامية (اليهود في هذه الحالة ). وابرز تلك المقولات اثنتان:

– فكرة «المؤامرة اليهودية العالمية»

– الادغام بين اليهودية والصيهونية من جهة وبين الشيوعية من جهة اخرى.

وفي كلا الحالين، يتوجه الخطاب الشيحوي في شق اساسي منه، الى الغرب الذي يصحّ فيه قول المتنبي »فيك الخصام وانت الخصم والحكم «!

يعرّف شيحا الصهيونية بانها «قوة عالمية» تشكـّل بذاتها مشروع استعمار وطغيان اقتصادي ومالي وصناعي وتجاري يحتشد له كافة يهود العالم 1. ويعرّف اسرائيل على انها «عاصمة اليهودية العالمية»، يدافع عنها «جيش من اليهود الاجانب» وتتمتع بنفوذ واسع في الولايات المتحدة وبريطانيا وتمتلك فوق ذلك موارد ضخمة على امتداد كوكبنا الارضي، اضف الى ذلك انها دولة تجعل من الهجرة المنظمة ومن الاستيطان المتسارع مرتكزين اساسيين لسياستها التوسعية 2

على ان الذي يسمح لليهودية العالمية بتحقيق مداها العالمي حسب شيحا هو مقدرتها الخارقة على الجمع بين نقيضين: المال والثورة. ومردّ ذلك خصائص قومية او عرقية لدى اليهود. اولها ميلهم الشديد الى السياسة. يمثّل عليه بالسياسيين اليساريين فقط: القائد البلشفي الروسي تروتسكي، وزعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي ورئيس حكومة الجبهة الشعبية سنة ١٩٣٦- ١٩٣٩ ليون بلوم، وبيلا كون، قائد الانتفاضة العمالية المجرية الفاشلة سنة ١٩٢٤، الخ. ولا يشذّ عنهم الا السياسي البريطاني المحافط بنيامين دزرائيلي. وثانيها صلة الرحم التي تربط اليهود بالماركسية – مشيرا الى الاصل اليهودي لكارل ماركس – وبثورة اكتوبر الروسية عام ١٩١٧ حيث أسهم اليهود الى ابعد حد في «اشعال الثورة التي اوقعت روسيا في الماركسية ». 3

هكذا يثبّت شيحا تعريفه لاسرائيل ولخطرها على ركيزتين تكمـّل واحدتهما الاخرى:

– «ان اسرائيل هي »رأس حربة سلطان المال»

– ان اسرائيل هي «رأس حربة الثورة» في العالم.4

وهذا الخطر المزدوج الذي يندمج فيه المال والثورة يتهدّد الكون باسره، فمشروع الصهاينة ليس يقتصر على بناء وطنهم القومي في فلسطين انما هو بناء امبراطورية كونية، ذلك ان اليهود «لن يرتضوا اقل من كوكبنا الارضي وطنا قوميا لهم»5. رداً على مشروع الهيمنة الكونية هذا، يوجّه شيحا النداء الى الغرب والعرب للتحالف من اجل التصدي للخطر المشترك الذي يتهددهما على حد سواء.

ليس مستغربا ان يقدّم شيحا روايتين متناقضتين عن اليهود والصهيونية، اعني تمثيلهما للمال والثورة معا. فهذا موقف مألوف لدى ذوي الفكر المنمّط عن الاقوام والاجناس الذي هو الى العنصرية اقرب. في الاربعينيات، اجرى تيودور أدورنو في الولايات المتحدة الاميركية دراسة مستفيضة عن التمييز الاقوامي والعنصري. وقد سأل الباحثون العاملون معه افراد العيّنة قيد المسح ان يسجلوا موافقتهم او معارضتهم لمقولات تنطوي على احكام قاطعة وشاملة تنم عن خصائص عرقية او اقوامية عند الشعوب وبخاصة منهم اليهود. وقد وافق افراد العيّنة المستجوَبون على تأكيدات متناقضة من مثل تلك التي يدّعيها شيحا. فالذين وافقوا على القول ان اليهود يتّجهون بكشل مبالغ فيه نحو تحصيل المال ويسيطرون على كبريات الشركات الاميركية، هم، في اكثريتهم، الذي وافقوا ايضا على القول ان اليهود جماعة تخريبية تحمل آراء انتقادية ضد الرأسمالية والاقتصاد الحر!6

الخطر الاقتصادي وكيفية التصدّي له:

منذ مطلع الاستيطان الصهيوني، والخطر الاقتصادي شيحا/حزب البعث:

الجواب: الخطر الاقتصادي: سلام سياسي ولا سلام اقتصادي /تراتب الاهوال: الالتحاق بالاحلاف الغربية

٢. في بعض خصائص النظرة السائدة

نظرة تقليدية قدرية وسلبية تداخلها وتخالطها خلائط من فكر العصر تتعايش معها دون ان تغيّر كثيرا في منظومة دلالاتها.

اولا، المنظور والتخييل القبليان: في المنظور القبلي، لا وجود لافراد بل لجماعات. تحمل الجماعة وزر ما يرتكب اعضاؤها. والمبدأ هنا هو المسؤولية الجماعية في الغرم والغنم ما يستدعي العقاب الجماعي. وابرز معالم هذا المنظور رفض التمييز بين اليهود والصهيونية، بل رفض التمييز ضمن اليهود عامة واليهود الاسرائيليين خاصة من حيث الفئات الاجتماعية والخيارات الفكرية والسياسية والموقف من الصراع العربي-الاسرائيلي. ومنها إنكار وجود يمين ويسار، واعتبار ان اليهود، كلٌ متماسك لا يأتيه التناقض والخلاف من قريب او بعيد. اليهودية جوهر ديني عند البعض وعرقي عند البعض الآخر لا يحول ولا يزول. تلقى هذا الحكم الاجمالي سائدا في ادبيات الحزب السوري القومي الاجتماعي كما في الادبيات الاولى لحركة القوميين العرب.

ان هذا المنطق، منطق المسؤولية الجماعية، مسؤول عن هجرة، حتى لا نقول تهجير، اكثر من ٧٠٠ الف يهودي من الاقطار العربية الى اسرائيل.

ولما كانت النظرة القبلية دوماً متراتبة، والتراتب مردّه ومبرره دوما »الاصل«، تجد التعالي الارستقراطي تجاه اليهود بما هم شعب بلا اصل. فيتخذ هجاء الصهيوينة شكل التنديد بانعدام أصل يهود اسرائيل وتشتت انتمائهم بين كافة اصقاع الارض. «شذّاذ الآفاق» هو التعبير الاثير في هذا الطعن. أنـظر مثالا على ذلك قصيدة نزار قباني الشهيرة «راشيل شوارزنبرغ ».

ثانيا، الاغتصاب والثأر. تصوير عملية الإحتلال الصهيوني لفلسطين بما هي عملية إغتصاب. يستدعي التشبيه علاقة الارض/العرض والشرف المهدور الذي يستدعي الثأر استدعاء؛ والثأر يتطلب إنتخاء الاقربين (سائر العرب ) لتحقيقه (العزوة). هكذا تكونت الوحدة العصبية حول فلسطين المغتصبة.

ان النخوة القبلية سوف تتحكم الى حد بعيد في التعبئة العربية حول فلسطين.

اما الثأر، وهو عادة قبلية، فقد تلبّس في بعض الاحيان وظيفة »نهضوية«: استعادة امجاد الماضي. خذ مثالا على ذلك قصيدة «فلسطين» من شعر علي محمود طه وغناء محمد عبد الوهاب ومطلعها: »أخي جاوز الظالمون المدى/فحقّ الجهاد وحقّ الفدا». هنا تعادل خسارة ُ فلسطين سلبَ امجاد الماضي ورفعته، فتستفزّ عصبية جمعية (العروبة) لاسترجاعهما وقد تحوّل الثأر الى حرب دينية (الجهاد).

وقد يتلبّس خطاب الثأر احيانا اخرى وظيفة «حداثية»: ولوج ركب الحضارة. في اول ردود فعل على النكبة، جرى استيعاب مقولة الاغتصاب/الثأر في الخطاب القومي العربي خاصة في الادبيات الاولى لحركة القوميين العرب. في كرّاس «الثأر او محو العار» لعلي ناصر الدين، احد مؤسسي حركة القوميين العرب، تجد الاستعمار متّهماً بالعمل على «حرف أنظارنا عن الصميم»، والصميم هنا هو «إغتصاب الوطن». والوطن هو فلسطين تخصيصا. ولا تتوانى نشرة حركة القوميين العرب عن ترقية الثأر من الممارسة القبلية الى المصاف القومي بما هو أرقى تعبير عن القوة وإسترداد الكرامة المهدورة. بل اكثر: يرى ناصر الدين الى تحقيق الثأر شرطاً لـ «تجديد إنطلاق العرب في ركب الحضارة».7

ولكن هناك حلاً قَبَلياً للاغتصاب غير الثأر. هو الذي يذّكرنا به كاريكاتور لاذع لناجي العلي. يصوّر ناجي العلي فلسطين على شكل عذراء منتهَكة، خافضة الطرف، والى جانبها الرجل البدين- الذي يمثّل، عند ناجي، الحاكم العربي والثري العربي- وفي مقابلهما الشخصية الممثلة للاسرائيلي. يقول الرجل البدين للاسرائيلي: »انت إغتصبتها. انت الذي عليك ان تتزوجها !».

ليس في تهكّم ناجي العلي كبير مبالغة. ذلك ان العقل القبلي لا أسهل عليه من العبور من النقيض الى نقيضه: من الحب الى الحقد ومن القتل الى التآخي، وهو القائم دوما على صلحات لا يموت فيها الذئب ولا يفنى الغنم. فتارة حرباً يطيب فيها الموت وتارة مصالحة وأخوّة تنتفي معها أسباب النزاع.

ثالثا: التخييل الديني: التوجه الى الغرب بما هو مسيحي (اليهود صلبوا المسيح )؛ فلسطين منطقة لقاء إسلامي-مسيحي، مشرقي أقلا، ضد اليهودية؛ وعكساً، تفسير التعاطف الغربي مع اسرائيل بنسبته الى سيادة الفكر البروتسطانتي (التوراة والتراث المسيحي-اليهودي المشترك) تمييزاً له عن الفكر الكاثوليكي الذي رفض، حتى مؤخرا، الاعتراف بدولة اسرائيل وتبرئة اليهود (بما هم »شعب قاتل للربّ») من دم المسيح. انظر في هذا المجال كتابات جورج قرم ( ) وثمة ملحق رئيسي في هذا التخييل هو الاهمية المبالغ فيها لمسألة القدس.

رابعا: النظرة المؤامرتية:

وهي التي تقول ان فلسطين ومعها الامة العربية وقعت ضحية مؤامرة تحيكها قوى خارجية شيطانية شريرة.

– في تاريخ علاقاتنا مع الغرب هناك من المؤامرات الفعلية (المعنى العلمي للمؤامرة وهو اشتراك اكثر من فرد او طرف في التخطيط لامر ما دون علم المعني به وعلى حسابه ) ما يفوق كل ما يتخيله اي عقل مؤامرتي. نكتفي مثالا بسايكس بيكو ورسائل ماكماهون الى الشريف حسين ووعد بلفور.

– النظرة المؤامراتية تجعل ما جرى منذ العام ١٩١٧ اقلا مشروعا متكاملا يجري تطبيقه مرحلة مرحلة بحيث لا يمكن ان يأتيه اي حرف او تعديل او مقاومة او صد او حتى إفشال باي حال من الاحوال.

خامسا: وحدانية التضحية.

وعلى ارتباط شديد بالنظرة الى الذات بما هي ضحية، هو احتكار دور الضحية والغيرة من وجود اوتعبير لاية ضحية اخرى. تتجلّي هذه النظرة اكثر ما تتجلى في الموقف من عذابات اليهود وخاصة في المحرقة النازية خلال الحرب العالمية الثانية. نفي المحرقة او التنافس على الاعتراف بالضحايا، الخ.

فيما تعبّر تلك النظرة عن كل الشعور بالظلم تجاه التمييز بين الضحايا في العالم، وسعي الدعاية الصهيونية الى احتكار دور الشعب المتعرض لابادة الاجناس، الا انها تشي بشيء آخر تماما ينعكس سلبا على الحق العربي. اقصد بذلك الشعور المتمادي لدى العديد من العرب، والمثقفين خصوصا، بالتماهي مع النازيين في ارتكاب ابادة الاجناس بحق اليهود. من هنا سيادة ذلك الشعور بالذنب عما ارتكبه النازيون وبالعمل على التشكيك في حصول الواقعة اصلا. فيكون الميل الى نفي المحرقة او التشكيك في عدد ضحاياها.

قد يقول قائل ان ادانة المحرقة في حق اليهود هو الحد الادنى الضروري لكي يسمع الغرب صوتنا ويعترف بحقنا. ليس هذا ما يهمني هنا.

في بعض تناقضات النظرة السائدة: ١) غلبة الدعاية على المعرفة وسيطرة التهويل على وعي التناقضات عند العدو؛ ٢) القدرية والاستسلامية الضمنية فيها؛ ٣) التراوح بين الحتمية المطلقة (نظرية المؤامرة التي لا حول لنا ازاءها ولا قوة، بل تلك التي تبريء عجزنا واستكانتها لأنها، تعريفا ، مؤامرة! ) وبين الارادوية المطلقة (دحر العدو )؛ ٤) بين نظرية المؤامرة وبين الاستعلاء القبلي يضيع اي امكان لتقدير دقيق للخصم، بين التهويل بقدراته غير المحدودة (القدرة على تسيير العالم باسره ورغبته في السيطرة على الكون باسره ) وبين الاستخفاف به القائم على الوهم العددي والمفاخرة بالاصل المثبث (في مقابل «شذّاذ الافاق ») والتبجّح الحربجي العشائري، يجري تغييب امكانية بلورة استراتيجية لمواجهة اسرائيل، بما هي تراكم خطوات ومكاسب واجراءات تؤدي في نهاية المطاف الى تعديل ميزان القوى بين العرب واسرائيل.

٣. النظرة النهضوية

واعني بها تلك التي تضع التخلّف العربي مسؤولا عن انتصار الصهيونية وتفوقها. من روّاد تلك النظرة في الخطاب عن فلسطين وتحديات المشروع الصهيوني شبلي الشميّل. في واحدة من اوائل ردود الافعال على الاستعمار الصهيوني لفلسطين، يرفض الشميّل الحجة السائدة بأن الصهيونيين «دخلاء غرباء يعتدون علينا ويسلبوننا أرضنا»، داعيا الى منافسة الصهيونيين بإعمار ارض فلسطين بدلا من تكرار الحديث عن ملكيتها: «فليس آمامنا حفظا لكرامتنا وضنّاً بالارض نفسها الا ان نناهضهم مناهضة رجال العقل لا رجال الجهل ونتبارى معهم في الاعمال العمرانية ونأخذ عنهم ونحمدهم على انهم كانوا لنا مدرسة تعلِّمنا كيف نعمّر أرضنا… فإستعمروا الارض ايها الناس وعمّروها والارض الباقية خير من الانسان الزائل. فعلى صلاحها يتوقف صلاح الاجيال في الحال والاستقبال«.8

هذه النظرة التي تنسب الهزيمة امام الصهيونية الى التخلّف العربي سوف تشكل مدرسة بذاتها. اليها ينتمي كتابات قسطنطين زريق (معنى النكبة )، وجورج حنا وياسين الحافظ على سبيل المثال لا الحصر.

بعد عقدين من الزمن على النكبة، يكتب جورج حنا على النسق ذاته في تحميل العرب المسؤولية الاولى عن قيام دولة اسرائيل، بمثل ما يحملّهم المسؤولية الاولى عن استعمار الغرب لهم. والسبب في ذلك تفوّق الغرب على العرب في كافة الميادين من الاقتصاد الى الثقافة والعلم. يتساءل حنا بصدد فلسطين:

«ترى، اكانت هذه الدول [الغربية] تستطيع ان تدزّ هذه الدولة في قلب العالم العربي، كما يدزّ القاتل خنجره في قلب القتيل، لو كان في هذا العالم العربي، تقدّم ثقافي واقتصادي سواء في المجال الصناعي ام الزراعي وهو التقدّم الذي يؤتيه العلم، ولا شيء غير العلم؟

»أكانت الدول الاجنبية، تستطيع شكَّ هذا الوتد في فلسطين العربية، لو عمّر العرب فلسطينهم، ورفعوا إنسانها الى مرتبة علمية واقتصادية وثقافية، واجتماعية، تعطيه القدرة على تطوير بلاده،واستثمار خيراتها؟»9

٤. فلسطين والمشروع الصهيوني في الحقبة الناصرية

يمثل الخطاب الناصري محاولة للتوفيق بين النظرة النهضوية والنظرة القوموية. على ان محاولاته التوفيق تلك اصطدمت دوما وتكرارا بالصلة العضوية بين الغرب الاستعماري واسرائيل.

في فلسطين، اكتشف جمال عبد الناصر فساد النظام الملكي المصري ومخاطر الوجود البريطاني في مصر، او هو تأكد من هذا وذاك، وايقن ان الرد على الهزيمة امام قيام دولة اسرائيل انما هو في مصر ذاتها. صار الموضوع عنده لا قوة اسرائيل، بل ضعف المصريين والعرب. ويكون تمكين المصريين والعرب في تحررهم والوحدة والتنمية والعدالة الاجتماعية. كانت تلك لحظة جديدة من لحظات الوعي العربي حيث ستصبح قضية تحرير فلسطين «لا شرطا لانقاذ الوجود العربي بل نتيجة لتأسيس هذا الوجود تأسيسا جديدا»، على حد تعبير محمد عابد الجابري. 10

كان عبد الناصر نهضويا بهذا المعنى. حاول مطلع عهده تحييد اسرائيل من اجل التفرّغ لمهمات البناء والتنمية الداخليين مصريا واستكمال التحرر من الوجود الاستعماري المباشر في مصر والعالم العربي (اليمن، ثورة الجزائر، الخ .) والسيطرة على الثروات العربية وتحقيق الوحدة. فجاء العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦ يذكّره بالرابط العضوي بين الصهيونية والاستعمار.

وهكذا، عاد الرد على المشروع الصهيوني لينتظم في خطاب متكامل يربط عناصر الدعوة الوطنية والقومية والاجتماعية بعضها مع بعض: الصلة بين الاستعمار والصهيونية (الصهيونية تارة سبيلا للتحريض ضد الاستعمار وطورا التماهي بينهما)؛ ، الربط بين التحرر الوطني والقومي من جهة وبين التحرر الاقتصادي والتنمية والعدالة الاجتماعية من جهة اخرى، يختزلها جميعا، فيما يتعلق بالمشروع الصهيوني وقضية فلسطين، شعار «الوحدة طريقاً الى تحرير فلسطين».

وحتى عندما فشلت تجربة الوحدة المصرية-السورية، عاد عبد الناصر الى تعميق البناء الداخلي، فعادت الآلة الجهنمية تعمل ضده: اسرائيل وسيلة بيد اميركا واميركا حاضنا وضامنا للمشروع الصهيوني. لا فكاك بينهما. وهو ما افصح عنه عبد الناصر عشية حرب حزيران عندما أعلن «اسرائيل هي اميركا واميركا هي اسرائيل». فكأنه كان بذلك يبوح بالمحرّم قوله، مدركا ان عجز الغرب عن التخلص منه داخليا وبواسطة الاحلاف المعادية يقابله القدرة على تحريك الاحتياطي الاستراتيجي لديه: اسرائيل. وهكذا فبعد هزيمته في حرب الايام الستة، كان معبّراً جدا ان يستقيل عبد الناصر وان يكلّف نائبه زكريا محيي الدين خليفة له للتفاوض مع الاميركيين، تأكيدا منه ان الهزيمة التي وقعت امام اسرائيل انما هي تكريس لهزيمته امام الولايات المتحدة الاميركية.

على ان الخطاب الناصري تجاه فلسطين لم يكن خلوا من اعتماد لغتين: واحدة معدّة للاستهلاك الخارجي شديدة الاعتدال والمساومة الي حد التفريط جل ما تطالب به هو تطبيق القرارات الدولية والثانية للاستهلاك الداخلي حد اقصوية موجّهة للجمهور العربي تلهج بلغة حربية داعية الى تدمير اسرائيل. ولعل اغرب ما في الامر ان بعض الناس كان يظن انه بالامكان تمرير هذا الازدواج على الناس جميعا. في ٢٨ ايار عقد الرئيس جمال عبد الناصر مؤتمرا صحفيا هدّد فيه بأن الحرب سوف تكون شاملة اذا بادرت اسرائيل الى شن الهجوم العسكري. بعد المؤتمر، اسرّ احد كبار المسؤولين المصريين الى إريك رولو، الصحفي في «الموند» الفرنسية الذي كان يغطي المؤتمر: «لقد ارتكبنا خطأ فادحا عندما شبكنا مكروفونات اذاعة القاهرة بعضها ببعض، بحيث بات عبد الناصر يخاطب الجماهير العربية والرأي العام العالمي في آن معا».11

٥. فترة ما بعد حزيران ٦٧

ا. عودة زاخمة للفكر المحافظ:

استخدام الهزيمة ضد عبد الناصر والاشتراكية والتحالف مع الاتحاد السوفييتي:

على خطى ميشال شيحا، سوف يسير كثيرون في تبرئة الغرب واعتماد منطق الادغام بين الصهيونية والشيوعية. على غرار قول شيحا «بريطانيا واميركا هما سجينتا اسرائيل »، كتب الفيلسوف اللبناني كمال يوسف الحاج »وعندي ان الشعوب العربية اخطأت في ان الغرب هو المسؤول الاول عن الصهيونية (…) الذي يحدوني على ألاّ ألوم الغرب هو كونه خدع تماما كما خدعنا نحن طوال هذه المدّات: أجل إن الغرب مخدوع!«12

ويدلي ميشال اده، وزير الاعلام اللبناني خلال وبعيد حرب حزيران ١٩٦٧، بدلوه في تفسير الهزيمة العربية مستخلصا منها درساً اساسياً: بينما كان العرب يحاربون بواسطة السلاح السوفييتي، كان الاسرائيليون يستخدمون سلاحا شيوعيا أمضى واشد فتكا هو التكتيك اللينيني الذي يقوم على تحديد السبل التي تمكـّن الاقلية من الانتصار على الاكثرية. فالتكتيك الذي طبقّه لينين في روسيا لتمكين البلاشفة، وهم اقلية، من الاستيلاء على الحكم، هو ذاته التكتيك الذي اعتمدته اسرائيل في حروبها ضد العرب في الاعوام ١٩٤٨ و١٩٥٦ و١٩٦٧. ويدلي إده بدلوه في نظرية الشيوعية-الصهيونة بإضافة معلومات عن «ضلوع» اليهود في قيادة البلشفية الروسية والحركة الشيوعية العالمية، فـ«يكشف» الاسماء اليهودية الحقيقية وراء الاسماء المستعارة لتروتسكي وزينوفييف وكامنييف وكارل رادك وغيرهم. 13

ولا يستوي الادغام بين الشيوعية والصهيونية الا اذا ادى غرضه الاساسي: تبرئة الولايات المتحدة الاميركية في عدوان عام ١٩٦٧ وتحميل الذنب للاتحاد السوفييتي و «الشيوعية الدولية ». من هنا ترى الوزير إده يحذّر العرب من ان يطبّقوا على الولايات المتحدة مبدأ «العقوبة الجماعية» المتداول آنذاك رداً على دعمها لاسرائيل في حرب «الايام الستة»، لان هذا يعني الوقوع في الفخ الذي نصبه لهم الصهاينة واسرائيل. والفخ المقصود هو توسيع شقة الخلاف بين العرب والولايات المتحدة الاميركية.14

في نظرية اسبق زمناً واوضح تعبيراً، تدفع عملية القلب والابدال هذه الى نهاياتها »المنطقية«، يرفض رجل الاعمال اللبناني اميل البستاني الحديث عن «فخ» وقع فيه الغرب ولا يرى حاجة لتحميل الغرب اية مسؤولية في المسألة الفلسطينية، بل يؤكد ببساطة ان الاتحاد السوفييتي هو المسؤول الاكبر عن قيام اسرائيل وعن دعمها. والدليل القاطع على ذلك ان اسرائيل انما تخدم اغراض الاتحاد السوفييتي طالما ان وظيفتها الاساسية هي تخريب العلاقات بين العرب والغرب!

ب. النهضوية الجديدة: النقد الذاتي بعد الهزيمة.

صادق جلال العظم وياسين الحافظ

الاول يمارس ما يصلح تسميته في لغة الحاضر تفكيكا للخطاب القوموي التقليدي، فيما الثاني يستأنف ويعمّق المشروع النهضوي كما عبّر عنه قسطنطين زريق في »معنى النكبة «، اعني البحث عن جذور الهزيمة في ما يسميه الحافظ «عمارة المجتمع العربي»، وبناه المفوّتة والمجزأة. والمعادلة التي يسوقها الحافظ هي «لم تكسب اسرائيل المعركة بل العرب هم الذين خسروها »، ترجع صدى ما كتبه جورج حنا بعيد نكبة ١٩٤٨ ذلك ان «التخلف العربي هو حضن الهزيمة». ولا يتغاضى الحافظ عن العامل الخارجي، الا انه يرى الى ان هذا العامل لا يفعل فعله الا بسبب ومن خلال العوامل الخارجية فيخلص الى ما يلي:

»عندما نقرّ ان الخارجي يفعل فعله بقدر فوات وتآكل الداخلي، لا نعود بحاجة للصراخ على الطالع والنازل على الخارجي. بل سيكون تثوير وتحديث الداخلي واقامة بنى جديدة، وبالتالي نسب القوى، وسيلة الفعل بالخارجي. فقط انطلاقا من رؤية كهذه نتجاوز منظوراتنا القدرية (الاستسلامية ضمنا ) الى القدرة الامبريالية وإحساسنا بالدونية ازاءها… ونسير في طريق يؤهلنا للتأثير فعلا بالسياسات الامبريالية والصهيونية، تعديلها او إفشالها او إحباطها حسب الاحوال«.15

ويقدّم ياسين الحافظ، في معرض تحليله، مشروع مفردات ومصطلحات جديدة لخطاب جديد يناهض الخطاب المهزوم خليق بأن تنبني عليه استراتيجية ممكنة جديدة تأخذ في الاعتبار موازين القوى وضرورة تعديلها بالنضال والضغط واستجماع عناصر القوة وتعترف بالتناقض بين المصالح بل وتحض على استخدام تلك المصالح المتضادة واخيرا تقترح النقد الذاتي بديلا من الانتحاب على المصاب والتلذذ المازوشي في لعب دور الضحية:

«بدلا من “مؤامرة” نقول “ميزان قوى”. بدلا من “قوى شيطانية شريرة” نقول “قوى دولية تخدم مصالحها القومية” (كما نخدم نحن مصالحنا القومية ). بدلا من “ضحية” نقول “مجتمع مفوَّت عاجز عن الدفاع عن وجوده ومصالحه” …«16

٣. التشبيه التجاري: المبادلة.

الارض مقابل السلام. يقوم على افتراض ان اسرائيل تريد السلام والعرب هم الممتنعون عن اعطائه اياه. وتتجاهل إثنين: ١) ان السلام معضلة اسرائيلية اكثر ما هي معضلة عربية (وهل ابلغ دليل على ذلك من التصويت الاكثري في اسرائيل لنتنياهو يليه شارون؟ ) و٢) ان الذي يستطيع منح السلام هو الذي يستطيع شن الحرب.

النفط مقابل التفهم: ياسر عرفات.

ج. الفكر الفلسطيني المقاوم:

ولادة المقاومة الفلسطينية قلبت المعادلة والاختزال. فلسطين طريق الوحدة. العودة الى الصميم: جوهر القضية العربية. تصير كل القضايا العربية الاخرى عرضة للمبادلة في مقابل فلسطين. النفط مقابل فلسطين مثلا. في حديث من اوائل احاديث ياسر عرفات الصحفية يقول بالحرف تقريبا: »الغرب يريد نفطنا ونحن نريد تفهّم الغرب لقضية فلسطين. خذوا نفطنا وأعطونا تفهّمكم «.

د. اليسراوية الثوروية: درك الهزيمة يعادل الاستنهاض. التأسيس على الاختزالية الفلسطينية باعتبارها » الرافعة التاريخية « (محسن ابراهيم ) التي سوف يعاد انطلاقا منها استنهاض الوضع العربي برمّته:

– انفصال التحليل عن نتائجه.

– المقاومة الفلسطينية نضال عربي بالتعويض والنيابة

– خرافية الكفاح المسلح. البؤر المسلحة بديلا عن الجيوش على القاعدة ذاتها للمواجهة العسكرية. توريطا للجيوش او بديلا عنها.

هـ. مراكز الابحاث من الاعلام والدعاية الى المعلومات والمعرفة

– تقييم نشاط مراكز الدراسات غلبة طابع الإعلام والمعرفة على طابع الدعاية ونشر ما يثبت الحق والعدالة في الموقف العربي او يؤكد عنصرية الصهيونية وتوسعيتها. الي التعرّف الى الكيان الصهيوني من الداخل.

اعمال وليد الخالدي وهذه مناسبة لتحية جهوده

اعمال انيس صائغ وعبد الوهاب الكيالي في التوثيق لتاريخ فلسطين من خلال وثائق الخارجيات البريطانية خاصة،

بدء التجرّؤ على الاجابة على اسئلة من نوع لماذا وكيف غادر الفلسطينيون سنة ١٩٤٨. كتاب الياس صنبر. التساؤل عن اسباب هجرة اليهود العرب. الدراسات العينية لسياسات بلدان بذاتها مثل كتاب فاروق مردم بك وسمير قصير عن فرنسا وقضية فلسطين، وكميل منصور عن السياسة الاميركية تجاه القضية الفلسطينية،

لم تكن كلها خلوا من المضمرات الآنفة الذكر، خصوصا فيما يتعلق بمنطق التهويل بالخطر الصهيوني كما في التعاطي مع الشرق اوسطية.

٦. فترة ما بعد ٨٢:

او امثولة يوسف واخوته

ا- الاستقلالية الفلسطينية:

– اسقاط متدرج للتساؤل عن الصهيونية، استخدام بؤس الوضع العربي تبريرا لسياسات الانفراد الفلسطيني : انفكاك مطرّد عن العرب.

الاساطير التأسيسية. ابتكار كيان فلسطيني ذو اصل تاريخي (ظاهر العمر) على غرار ما فعله بعض المؤرخين والاديديولوجيين اللبنانيين في ابتكارهم اصلا تاريخيا للكيان اللبناني مع الامير فخر الدين المعني الثاني. في حين ان ما حمى فلسطين هو انتماؤها الى الامة العربية تراثها وثقافتها قبل اي شيء آخر.

ب- المنافسة مع اسرائيل على كسب الغرب الى جانبنا بتقديم كل ما يريده (آخر التقليعات: القبول بالولايات المتحدة بما هي «الوسيط او الشريك النزيه في عملية السلام ».

ج- إنحرافات الادعاء النهضوي:

– نقض النظرة المؤامرتية او الصيغ الجديدة لتبرئة الاستعمار.

> الرد على نظرية المؤامرة بنقيضها: تحميل الذنب للذات. الجلد الذاتي. لا يكتفي بهذا القدر بل يذهب عند كنعان مكيّة الى محض الثقافة العربية خصائص جوهرية هي المسؤولة عن سلوكنا كله بما فيه الهزائم الوطنية والقومية. في كتابه الاخير، «القسوة والصمت»17، يعبّر كنعان مكية عن رؤية متكاملة يجري فيها تحويل العوامل «الثقافية» الى قوالب جاهزة منمّطة والى تغليب تلك العوامل على سواها بحيث تصير هي التي تخلق الوقائع المادية وتتحكم بسلوك البشر. يزعم مكيّة انه يساجل ضد عادة مستشرية في العالم العربي تلوم دائما الغرب في كل ما يصيب العرب من مآس ومكاره. فاذا جوابه هو ان يعكس الآية ناقلا اللوم الى القومية العربية والتقاليد «الثقافية» العربية المغروسة. وهكذا فان اي نقد للمواقف والسياسات الغربية يصير متّهما بانه يتبنّى وجهة نظر «مؤامراتية». وحصيلة هذا المسعى خلطة عجيبة تندغم فيها السذاجة مع سوء النية والتلاعب بالاستشهادات والادلة مع الافتراء المحض. والكل تحكمه نظرة منمطة ومانوية الى الثقافتين الغربية والعربية معا كما الى العلاقات العربية-الغربية. واذا احلاله «القومية العربية» محل «الغرب» في رأس نظرته المؤامراتية الثقافية، بتحويلها الى الشرّ الاعظم الذي تنسب اليه كل المصائب والمكاره، ينضح بعدمية ثقافية تصل الى حد رفض كل ما هو عربي.التنميط في «ثقافة القسوة»: الهجاء، بؤس حال الكتاب العربي، الايمان بالخرافات، الذكورية، الخ.

٧. خلاصات:

> التجويف الاستعماري هو الذي سدّد الضربة الاقوى للقضية الفلسطينية. كان يجب تدمير العراق وشلّ قدراته لكي يمكن اسداء الضربة الاخيرة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وذلك بعد نزع سلاح النفط من ايدي العرب نهائيا، بل وتحويل النفط واسرائيل الى صنوين يكمل واحدهما الآخر حيث الولايات المتحدة تحمي عرب النفط من العراق وايران وليس من شعور عميق بأن ما تحقق على صعيد

– من منطق المقاطعة الى منطق المقاومة. إما حرب وإما سلام. التسوية السلمية ليست نهاية للصراع. بل بداية لاشكال جديدة منه.

المركزية؟ ماذا تعني؟

Themes
History
Countries
Algeria Arab World Iraq Yemen Palestine Lebanon Egypt
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Colonialism Arab-israeli Conflict Zionism Arab Nationalism Palestine

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.