لم اودع الياس خوري بعد. هذه شهادة مختصرة عن الصداقة.
تعرفت الى الياس عام ١٩٧٠ كان خارجا من صفوف “الجبهة اللبنانية لمكافحة الصهيونية-قوات طانيوس شاهين” أولى المجموعات الفدائية اللبنانية بعد هزيمة ١٩٦٧. وعنوان الجبهة مشروعا قائما بذاته: الربط بين التحرر الوطني، وفي القلب منه مقاومة الاحتلال الاسرائيل والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير من جهة، والتغيير الاجتماعي الداخلي من جهة أخرى، يرمز اليه قائد الانتفاضة العامية والفلاحية في جبل لبنان عام ١٨٥٨. حاولت أقناع الباحث عن اطار تنظيمي للنضال، بالانضمام الى اليسار اللبناني الجديد المؤسس حديثا. آثر النضال الفلسطيني في صفوف حركة فتح.
تجدد القاء بعد عودتي من فرنسا مطلع التسعينات. كان الياس يدير موقعين ثقافيين اسسا لنمط جديد من النضال السياسي-الثقافي. كان كل منا يراجع تجربته في التزام لبناني فلسطيني عربي طوعي غذى رفقة نضالية سياسية-ثقافية. كانت الثقافة فيها لحمة السياسة. الثقافة التي هي عند الياس فعل أخلاقي. ومعها نمت صداقة شخصية وعائلية معززة بالصداقة بين نجلا ونوال. ومن الطقوس حبنا المشترك لوجبة الملوخية أيام الخميس في فندق “بريستول” الذي ما لبث ان غدر بنا واقفل ابوابه ليزيد القهر على غياب معلم آخر من معالم بيروت المدينة.
انضممت اليه عندما تولى ادارة النشاطات الثقافية في «مسرح بيروت» اذكر مهرجان لأفلام الفيديو للشباب العرب، ندوة تكريمية لادوارد سعيد، وأول عرض في لبنان لأفلام المخرج السوري أسامة محمد. وبمبادرة من الياس دوما، دعوة عدد من المثقفين اليهود العرب المعادين للصهيونية لندوة في بيروت عن فلسطين. تعذّر حضورهم بعد ان ورد تهديد بنسف المسرح من أحد التنظيمات الفلسطينية المناوأة لمنظمة التحرير. عقدنا الندوة بالرغم من التهديد وتركنا مقاعد الأربعة فارغة. ترأستُ الجلسة وتناوبت مع سمير قصير على قراءة أوراق الغائبين: ابراهام سرفاتي، نعيم قطان، شمعون بالاص وسليم نصيب.
دعاني الياس وسمير قصير للانضمام الى “اليسار الديمقراطي” اعتذرت لأسباب يضيق عنها المجال هنا. في كل الأحوال، كنت قد “خدمت عسكريتي” في النضال الحزبي وتأسيس المنظمات والانشقاق عليها. لكن كان الاختلاف في أسلوب كان واحد منا لمرجعة تجربة الحرب والسعي لإعادة بناء يسار متجدد، دون كبير نجاح.
بقدر ما افترقنا في المشاريع التنظيمية، بذاك القدر كان ينمو التعاون السياسي-الثقافي.
في “ملحق النهار الثقافي”. أسئلة الحرب والعنف والذاكرة والتعلّم من التجربة. شجعني على تحويل محاضرة عن تجربتي السياسية الى سلسلة فصول نشرت في “ملحق النهار الثقافي” صدرت لاحقا في «صورة الفتى بالاحمر» (١٩٩٧) نشر لي يومياتي عن حصار الجيش الإسرائيلي لبيروت صيف ١٩٨٢ «عن امل لا شفاء منه» (١٩٨٥) في “مؤسسة الأبحاث العربية” التي كان يديرها وقد اعتذر غير ناشر عن النشر في زمن الاحتلال. وكان الياس من المبادرين الى التصدي لمشروع إعادة الاعمار في مدينة بيروت مع حفنة من المعماريين في مقدمتهم الراحل عاصم سلام. رأى في المشروع تشويها لمدينته وسيطرة رأس المال العقاري على المدينة والسلطة. التقينا في عدة نشاطات حول هذه الموضوع بما فيها في فيلم عمر اميرالاي عن رفيق الحريري، وإن يكن الحبيب الغائب عمر لم يتح لنا ما يكفي من الوقت للتعبير عن افكارنا انا والياس، وسمير قصير.
تشاركنا في صداقة ادوارد سعيد ومحمود درويش وسمير قصير، وآخرين. واستقبلنا أوائل المعارضين السوريين ميشال كيلو، أسامة محمد، عمر اميرآلاي، وغيرهم. تظاهرنا ضد اعتقال قائد المعارضة السورية المخضرم رياض الترك. اسهمنا في وثيقة “اعلان دمشق-بيروت، بيروت-دمشق”، التي ازعجت الاجهزة السورية الى حد انها اعتقلت عددا من الموقعين عليها. شاركنا مع سمير قصير في فيلم اخرجه عمر اميرالاي عن رفيق الحريري، مع ان عمر لم يفسح لاصدقائه المعارضين ما يكفي من الوقت للتعبير عن افكارهم. نظمنا تظاهرة شموع حول تمثال الشهداء تضامنا مع المعتقلين السياسيين السوريين في مطلع ٢٠١١. والباقي معروف.
#### اود ان أسجل هنا ديني الكبير لالياس على دوره في تنمية “شذوذي الادبي” – والتعبير لدرويش – وقد قررت مراجعة تجاربنا النضالية والحروب بواسطة التأريخ والادب والنقد الفني وعدم الاكتفاء بالنص السياسي. نشر لي يومياتي عن حصار الجيش الإسرائيلي لبيروت صيف ١٩٨٢ «عن امل لا شفاء منه» (١٩٨٥) في “مؤسسة الأبحاث العربية” التي كان يديرها وقد اعتذر غير ناشر عن النشر في زمن الاحتلال. شجعني على تحويل محاضرة عن تجربتي السياسية الى سلسلة فصول نشرت في “ملحق النهار الثقافي” صدرت لاحقا في «صورة الفتى بالاحمر» (١٩٩٧) ومنذ ذلك الوقت الياس هو القاريء والناقد الاول – أحيانا الوحيد – لمخطوطاتي. وكان الى ذلك اول المشجعين والمشاركين عندما خضت مغامرة اصدار الفصلية الثقافية «بدايات». كتب عن انتفاضة ١٧ تشرين وعن فلسطين والألم وبيروت -دوما بيروت- بيروت الرواية وبيروت العمارة في حوارية مع الصديق جاد تابت.
## اود تسجّيل كلمتين عن الياس الروائي. بلغ الياس ذروة فنه الروائي برأيي في رواية “كأنها نائمة”. في هذه الرائعة يعلن الياس المدوّي للمرأة ويرقى من الشعر الى تلك المناطق الكحلية من النفس البشرية ويتوّج الكل بالهرطقة في الدين.
هي سيمفونية عن الماء. بطلة الرواية ميليا هي الماء. المرأة ماء. ماء الرجل لا يضاهي بشيء ماء المرأة. ماء المرأة هو البحر والاغفاء والنوم والمنام. والمنام هو نوم على الماء.
الماء يجمع كل عناصر الرواية. الشعر ماء. وجسد المرأة ماء. والحب ماء. واالله استوى على عرش الماء، وجعلنا من الماء كل شيء حيّ.
مِيليا هي المنام. «المنام مثل الماء كمن يسبح في ماء عَينيه». يقع الماء في الصراع الابدي بين المنام والشعر. ميليا هي المنام. زوجها منصور، الشِعر.
تسأل بسخرية-هل مشى المتنبي على الماء حين عاش على ضفاف بحيرة طبريا؟
– لا. بل مشى على الكلام، يجيب منصور. كانت الكلمات ماءه والموسيقي أمواجه.
تجسّد الياس امرأةً والمرأةُ كتبت رواية الوجود المتوازي بين عالمين، عالم الاحياء وعالم الموتى. الموتى يحيطون بالاحياء. الاحياء لبّ الموتى. واللازمن يحيط باللب. تعيش ميليا على البرزخ بين هذين العالمين يحاول كل منهما جذبها اليه. بين العالمين كثرة من المبادلات عادة ما لا تكون واضحة تسعى الديانات الى توضيحها.
رواية الياس للدين من منظار مسيحية مشرقية هرطوقية: ابطاله آلهة يقتلون ابناءهم وقديسوها يوسف النجار فقد النطق عندما دخل على امرأته ووجدها حبلى.
### الألم. تعذّب خلال ١٤ شهرا بعد جلطة في المصران، هي ذاتها التي قتلت صديقه محمود درويش. دخل وخرج من المستشفى مرارا، في قسم العناية الفائقة، وأجريت له ست عمليات جراحية.
في اول لقاء بعد طوفان الاقصى. كنت مستبشرا بمستوى جديد في مقاومة الاحتلال. اخذت احلّل واتوقّع. “انهزمنا رفيق”، قال. لم افاجأ بتلك اللازمة. بتّ أدرك جدلية تلك العبارة التي هي عند الياس شيفرة تقول: مستمرون في النضال. وتقول نبدأ من جديد. النكبة مستمرة. والمقاومة مستمرة. كان علي انا داعية الامل الذي لا شفاء منه ان أتذكر دوما انني احاور من يرى في اليأس طريقا الى الامل.
سُمِح له ان يكتب لا أكثر من ثلاث ساعات في اليوم. ماذا تفعل بعد ذلك؟ أفكر، احلم.
وكان يتألم خصوصا ويأمل. يقاوم بالكتابة. يكتب مقالته الأسبوعية في «القدس العربي» ويحرّر «مجلة الدراسات الفلسطينية» ويواصل الشغل على روايته الجديدة. “انها عن بيروت هذه المرة”. كأنه يكتب بيروت لأول مرة !
في احدى الزيارات، كان يخطط للعدد الجديد من «مجلة الدراسات الفلسطينية». اقترحت بعض المواد. وهو طلب مني ان اكتب عن تجربتي في تحرير مجلة «بدايات» وقد توقفت عن الصدور. يصمت. تُدرك انه متعب تشتأذن وتغادر.
عندما تعطلت مقاومة الكتابة، قاوم الياس خوري بحلاوة الروح. في الزيارة الأخيرة كان قد نحل كثيرا. اتكأ على الممرّض للمشي نحو الحمام. عاد وقال: هي ١٣ خطوة وتَراني ألهث. ١٣ خطوة من درب الالام تعيده الى البداية. الى فلسطين التي يقاوم شعبها بحلاوة الروح. كتب:
” كيف يفقُد الشجاعةَ مَن امتزجت تجربته بالتراب منذ بداية المقاومة الفلسطينية.
غزة وفلسطين تُضَربان بشكل وحشي منذ ما يقارب العام أيضاً، وهما صامدتان لا تتزحزحان. إنهما النموذج الذي أتعلم منه كل يوم حب الحياة”.
####قبل أشهر، فاجأني بسؤال: ما رأيك ان ندفَن هنا انا وانت؟
رددت فورا: انا معك.
كنا في نشاط جماعي دعت اليه الصديقة رنا عيسى لتنظيف مدفن احمد فارس الشدياق في الحازمية، وهو المرقد التي اختاره النهضوي الكبير على طريق بيروت-دمشق الفاصل-الواصل بين شطري لبنان الشمالي والجنوبي آنذاك.
كانت فكرة مجنونة. تضاحكنا. قلنا نقدم طلبا رسميا الى المجلس البلدي للحازمية. لست اذكر إن كنا تحدثنا بالأمر لأحد. ثم طوي الموضوع من تلقاء ذاته.
عندما كنت اراجع هذه المداخلة توقفت طويلا امام الحادثة. كم هو رائع وغريب ان يختار صديقان ان يدفنا الواحد جنب الاخر. هو عقد صداقة ارادي يتحدى الزمن. والاهم ان القرار ينطوي على نقض كامل لقواعد القرابة والنسب. انها الصداقة – التي يمكن تسميتها الاخوة الطوعية – تحل محل القرابة الجبرية. ثم ان الموقع الذي اخترناه لندفن معًا أضاف طابعا طقوسيا على الرغبة: مريدان يتمنيان الدفن قرب ضريح شيخهما!!
لم يدفن الياس الى جانب شيخِنا الكبير الكاره للاكليروس. دُفن حيث يقال لك كم عليك ان تتعذّب على هذه الارض لتفوز بالملكوت السماوي. والياس، الذي أكثر من نصيبه من فائض الألم، هو القائل اننا نموت للأهداف التي نريد تحقيقها في حياتنا. واحسبه يعني هدف السعادة عن طريق الحرية والمساواة على هذه الفانية.
اما انا – الذي أدين أيضا بمذهب السعادة على هذا الفانية، فقد تخليت عن فكرة الحرق وذر الرماد على زرقة مياه البحر الأبيض المتوسط الرائعة. قررت ان اخضع لموعظة الألم واكتساب الملكوت السماوي، مقابل ان ارقد في ارض بلدتي مشغرة مع من قضى من اهلها في الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
