غزة – مشهد ما بعد المعركة
فواز طرابلسي
مع ان الاوان لم يحن للنظر في مآل العدوان الاسرائيلي، من حيث استبعاد الحرب البرية، وتبيّن كل تعقيدات المفاوضات حول وقف اطلاق النار والهدنة والتهدئة، الا ان المغامرة في رسم بعض معالم مشهد ما بعد المعركة قد تفيد في استخلاص خلاصات الاولية عن هذه المواجهة.
سوف تتكشف امور جديدة عن اسباب الهجوم الاسرائيلي وأغراضه. فما من شك في ان ناتنياهو كان يحتاج، لاكثر من سبب داخلي وخارجي، الى مشهد عسكري لموسم الانتخابات على عادته في الموسم الذي سبقه. ولا بد من الملاحظة ان جرّ حركة «حماس» الى المعركة إقتضى استفزازا اجراميا كبيرا، غير متناسب واي حادثة حدودية او عبر الحدود، فكان اغتيال ابرز قادتها العسكريين الشهيد احمد الجعبري.
وفي الدوافع رغبة نتنياهو في استقبال الولاية الثانية لاوباما بإستعراض عسكري جوي يصعب على الرئيس الاميركي الا ان يؤيده ومعه إجماع اعضاء الكونغرس الاميركي، ولو على امل التعويض عن تأييده السافر لمنافسه الجمهوري. ولن يخفَ على نبهاء الاكتشاف ان نتنياهو يكرر في غزة لعبته المكشوفة منذ سنوات: يهدد بضرب ايران، ويبتزّ العالم اجمع بالنووي الايراني، ثم يقبض ثمن ابتزازه بالضرب في فلسطين كيفما اتفق.
وفي تقديرات حصيلة المواجهة، سوف لن تعوزنا التقارير والتحليلات عن اداء الاسلحة الجوية والصاروخية الاميركية الصنع، الاسرائيلية التطوير، الهجومية منها والدفاعية، بما فيها الطائرات دون طيار، والدفاعات الجوية من طراز «باتريوت» و«القبّة الحديدية» وغيرها. وسوف يلاحظ خبراء ان «حماس» فقدت قسما كبيرا من قدراتها الصاروخية منذ الايام الثلاثة الاولى للحرب. ولكنهم سوف ينسون او بتناسون ان كل سلاح تخسره «حماس» والفصائل الفلسطينية في غزة قابل لأن يعوّض بأحسن منه واوفر عددا واكثر تطورا واشد فتكا. هذا ما تعلمنا اياه تجربة ما بعد عدوان ٢٠٠٦ في لبنان وما بعد عدوان ٢٠٠٨ في غزة على حد سواء.
وسوف تتكشف كامل ابعاد ما بعد المعركة. مشهد الدماء والدمار. الدمار سوف تكاري عليه انظمة النفط بالثمن الغالي للدم: اتركوا ايران وإقبلوا التهدئة وفضلونا على سوانا في الوساطات، وعالوا معنا الى «التهدئة»، حسب الرواية القطرية مثلا. واما الدم فإنه ينادي الدم. القائد الشهيد يحلّ محله قادة. وابن الشهيد يحمل سلاح ابيه. ومن لم يكن أبوه مقاتلا يتطوّع هو للقتال. وأمهات غزة وسائر فلسطين ولاّدات، يضربن الرقم القياسي العالمي في الخصوبة.
انها المعادلة اياها: المقاومة التي لا تباد ولا تستسلم، تنتصر. والعدو الذي لا يسحق خصمه، يخسر. يؤجل المواجهة. وبهذا المعنى، سوف تخرج حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية الاخرى، ومعها الشعب الفلسطيني في غزة، اقوى من هذه التجربة الدموية ايضا.
امران لن يمكن اخفاءهما في مشهد ما بعد المعركة. الاول ان الرئيس محمود عباّس برّ بوعده في منع قيام انتفاضة مسلّحة في الضفة الغربية. والثاني ان عدد القتلى في الايام السبعة الاولى في غزة لم يكن قد تجاوز ضحايا يوم واحد في سوريا.
من جهة اخرى، ترتفع أصوات لتبادل الاتهامات. فمن قائل ان الانتفاضات العربية حرفت الانظار عن مركزية قضية فلسطين، الى من يردّ عليه فلا يجد في العدوان الاسرائيلي على غزة غير محاولة لحرف الانظار عن مركزية الانتفاضة في سوريا.
بين المركزيتين، ترتسم حقيقة جديدة او متجددة: إن النزاع العربي الاسرائيلي يستوطن المنطقة العربية، ويتفشّى في كل قضاياها، ويتمفصل في كل جوانب حياتها وعلاقاتها بالعالم. ولكن لا اولويات بعد الآن. ذلك ان ابرز درس للانتفاضات هو إعادة الاعتبار للداخل، والنزاع العربي الاسرائيلي بهذا المعنى اعلاه «داخل»، ولاعادة التفكير بالمصالح، وتجسير الفجوات واقامة العلاقات بين الاوجه المختلفة للمطالب الشعبية. فالتضحية بأن وجه من تلك الاوجه يضرّ بها جميعا. لم تتقدم قضية التنمية والعدالة والمساواة في ظل الظلم والتنكّر للحريات والحقوق، ولا أحرزت قضايا الاستقلال والنضال من اجل فلسطين والوحدة مكاسب تذكر في ظل الاستبداد. حتى لا نتحدث عن حصاد الانتكاسات والهزائم. وفي المقابل، يكفي لاستبيان الحضور الوازن لقضية فلسطين في المواقف المختلفة من الانتفاضات الديمقراطية العربية النظر الى موقع امن اسرئيل، وتأمين انظمة عربية تحميه، في كامل السلوك الاميركي تجاه الانتفاضات منذ البداية، وفي الكيفية التي بها تعاد صياغة الانظمة الخارجة من تلك الانتفاضات، والخارجة عليها.
ان الامتحان الكبير للانتفاضات الراهنة، من منظار المسألة الوطنية المركبّة – النزاع العربي الاسرائيلي والسيادات والاستقلالات – هو ايضا امتحان في المجال الديمقراطي. ذلك ان الانجاز في هذا المجال الاخير يعني امرا واحدا مؤكدا: الافساح في المجال امام الجماهير العربية بأن يكون لها حضور أوزن في تقرير مصيرها وطرق حياتها وحرياتها وحقوقها في اختيار حكامها ومحاسبتهم وتغييرهم. بدون هذا نكون امام استبدال نظم ونخب استبدادية عسكرية بنخب ونظم استبدادية مدنية تلتقي العولمة الاميركية في شقّيها: التعريف الديني للبشر والنيوليبرالية. والمؤكد بالنسبة للجماهير العربية، والرأي العام الشعبي العربي، هو انها حاسمة في جذريتها تجاه الحقوق الفلسطينية والعربية وطرق التعبير عنها والنضال من اجلها. وليس صدفة ان تتألب كافة القوى المعادية للانتفاضات، الخارجية منها والمحلية، من اجل اخراج الجماهير، وخصوصا جماهير الشباب والشابات، من الساحات والشوارع لكل الاسباب مجتمعة: راديكاليتها الديمقراطية والمدنية والاجتماعية والوطنية في آن معا.
في المقابل، طرحت المواجهة الاخيرة، مثل مثيلاتها في غزة ولبنان، حقيقة ان الصمود العسكري المقاوم لا يمكن ان يكون بديلا عن السياسة، بمعناها الاوسع الذي يعيد الاعتبار للمصالح والتناقضات والزمن والتمرحل والتراكم. هذا يتراوح بين الصمود والعودة الى نقطة الصفر، ونحن تحتها، وتحقيق مقادير من التوازن مع العدو وصولا الى تغيير موازين القوى. بل ينبغي القول ان الوحدانية العسكرية تسمح بتسريح قوى وطاقات جماهيرية واعفاء الانظمة والشعوب والقوى السياسية من المسؤولية على اعتبار ان ثمة بؤرتين تتوليان القتال والتضحية بالنيابة عنها، وهي تصرخ وتتضرّع «يا وحدنا!». بل هي اقرب طريقة الى توليد الاحباطات عندما لا تؤتي الافعال العسكرية الانتصارات المعقودة عليها.
ان غزة واخواتها، والانتفاضات العربية، تضع اعادة النظر في السياسات العربية من النزاع العربي الاسرائيلي في صلب الحاضر العربي، وانه لمعبّر حقاً ان تضطر أوساط رسمية عربية، بما فيها الجامعة العربية، ان تبحث في موضوع اعادة النظر في الاتفاقيات المعقودة مع اسرائيل ومن ضمنها المبادرة العربية للعام ٢٠٠١.
ان هذا الاضطرار يرسم معالم الطريق لقوى التغيير. ذلك ان الارتقاء الى مستوى العدوان والالتقاء مع بطولة اهالي غزّة والتأكد من ان تضيحاتهم لن تذهب سدى، يستوجب وصل القضية الوطنية بحركة الجماهير العربية من اجل العمل والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية، وتزويدها برؤيا وبرامج وسياسات لتحقيق انتفاضة مثيلة في الحلقة الفلسطينية وحلقة النزاع العربي الاسرائيلي.
