Back to Talks & Interviews
Talks & Interviews Talks & Panels

Issa al-Maalouf

From his grandfather's library, which taught him that a book is a treasure, the historian sheds light on Issa Iskandar al-Maalouf, who broke historical traditions, wrote the history of common people and modest families, and established a comprehensive approach to Lebanese history.

عيسى المعلوف

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

شكرا لغرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع على تنظيم هذه الاحتفال ودعوتي للمشاركة فيه.

اسمحوا لي ان أسهم في هذه المناسبة بصفتين. الصفة الاولى: الحفيد.

أمضيت قسما كبيرا من طفولتي واليفاعة في منزل جدي عيسى وجدتي عفيفة في طريق متفرعة من شارع كليمنصو ببيروت لصق مدرسة العازارية على مبعدة لا أكثر من مئة متر عن منزل اهلي. فقد ورثت عن امي داء الربو التي ورقته بدورها عن ابيها ويبدو ان منزله كان اقل رطوبة من منزلنا. وفي الصيف كنت امضي أياما طويلة في منزل الجدّ بزحلة، ذي الرواق والسُطَيحة الواسعة المُشرفة على «الميدان».

المشهد الاول: زحلة.

صبّي يقف امام باب مغلق يعلوه بيتان من الشعر:

الا يا مستعيرَ الكتب دعني/فإن اعارتي للكُتْبِ عارُ

فمحبوبي من الدنيا كتابٌ/وهل أبصرتَ محبوبا يعارُ

الشعر للمعلوف والخطّ للمصري نجيب الهواويني الملقّب بخطّاط الملوك.

لعلهما اول بيتين أحفظهما من الشعر وإن كنتُ لم أطبّق ما فيهما من حكمة ابدا.

يطيل الصبيّ الوقوف امام الباب المغلق وبوده ان ينطق بالعبارة السحرية «افتح يا سمسم» ليلج تلك العوالم الغامضة المختبئة خلفه. لن ينفتح الباب بمفرده الا عندما يحين الموعد.

الجد لا يزال يعمل في غرفة نومه متربعا على السرير باسطاً الكتب والدفاتر والأوراق حوله في فوضى اليفة. يمارس اول الطقوس النهار: قراءة الصحف. يقصّ منها ما يحتاج لحفظه ويلصق القصاصات على صفحات مجلدات ضخمة ومعها ما هو مناسب من تعليقات وإحالات. سوف يكتشف الصبيّ لاحقا ان تلك المجلدات تسمّى «سفائن». وسوف يبقى التجليد الأكثر اثارة لمخيلته بين طقوس صنعة التأليف والكتابة: السراس (الغراء) والفرشاة والجِلد والورق المقوّى والمكبس الخشبي.

أخيرا، يترجل الشيخ من على سريره ويتهادى بقامته الفارعة يفتح باب المغارة السحرية فيدلف الحفيد وراءه ملقيا أولى نظراته الى السقف ليقيسَ، مستهولاً، ارتفاع َرفوف الكتب الشاهق ويعجب كيف لا تتهاوى فوق رأسه. لن تشبع الزيارة الخاطفة فضوله. فها ان الجدّ قد فتح النوافذ وبالكاد سمح للحفيد بأن يلامس مخطوطة او يفتح كتابا مغبرا اصفر الورق حتى يكون قد خرج وأخرج حفيده خلفه. الباب مشرّع لكن عليه عارضتين متصالبتين من الخشب تعلنان ممنوع الدخول. هكذا على سبيل الاحتياط خشية ان يخطر ببال ساكن الغرفة المجاورة المسماة «الكوخ الأخضر» ان يتسلّل الى المكتبة. والمعني هو طبعاً الخال الشاعر الراحل رياض المعلوف.

هذه هي المغارة السحرية التي علّمتني ان الكتاب كنز.

وبين شارع كليمنصو وميدان زحلة كانت مدرستي الاولى، اتتلمذ فيها على يد الشيخ عيسى، معلّمي الاول في صنعة التأريخ وفي حبّ اللغة العربية. وهي مناسبة الآن لاشهار هذا الدَين.

آليتُ على نفسي ان أفي عيسى المعلوف بعض دينه عن طريق الاهتمام بطبع مخطوطاته والكتب. بعد إعادة طبع كتاب فخر الدين الثاني، توليت طبع موسوعته «تاريخ العيل الشرقية» المخصصة لأسر لبنان بعد سنوات طويلة في تبويبها وتحريرها وتدقيقها الى ان صدرت في سبعة اجزاء عن دار الريس للكتب والنشر العام ٢٠٠٧. فكم يسعدني ان أنضم اليكم للمشاركة في هذا الاحتفال بنشر مخطوطة جديدة من تلك المخطوطات، «تاريخ البقاع وسورية المجوّفة». وانا هنا مجرّد مالك للمخطوطة، لكن جهد انتاج هذا الكتاب الجميل، المَهيب، ترقينا وتدقيقا وتصحيحا وتحريرا وبحثاً وتعليقا وفهرسة، يعود الى الصديق والزميل زهير هواري والى إبراهيم مهدي والفريق الذي عمل معهما طوال أشهر طويلة. وانا هنا أيضا لتحية الجهد الجبار الذي بذله زهير وفريقه والشكر. وأود ان أشكر أيضا المجالس الثقافية الثلاثة في زحلة وبعلبك والبقاع الغربي والافراد الذي شجعوا الفكرة من بدايتها وأسهموا في تحقيقها بأشكال مختلفة.

صفتي الثانية في هذه المناسبة هي: المؤرخ. المؤرخ الذي يريد ان يشهد لعيسى إسكندر المعلوف … المؤرخ.

عيسى إسكندر المعلوف مشهور أكثر منه معروف. حظي بلقب «العلامة» ويجرى التداول في نتاجه بما هو نسّابةٌ وابٌ لثلاثة شعراء دون احاطة بعدة عشرات من اعماله، لا يزال معظمها مخطوط، وبمئات مقالاته وابحاثه، في حقول العلم المختلفة.

اكتفي بعدد من الملاحظات في قيمة هذا الرجل العلمية.

أولا، يظهر عيسى اسكندر المعلوف في علم التأريخ بلبنان وبالمشرق العربي، بما هو مؤرخٌ انتقالي باشر القَطع مع حرفة التأريخ التقليدية – أي تدوين الِسير وتراجم الوجهاء والاعيان والمشاهير او تواريخ الحكام. باشر المعلوف ممارسة التأريخ بما هو سيرورة، أي بما هو دراسةُ فِعل الزمان في البشر، جرياً على مذهب ابن خلدون القائل إن «الناس بزمانهم أشبهُ منه/م بآبائهم».

ثانيا، عيسى المعلوف مؤرخ شامل. و«تاريخ البقاع وسورية المجوّفة» الذي دوّنه خلال الحرب العالمية الاولى، وإن ظل مؤلفه يضيف اليه النبذ والمعلومات والتعديلات الى حين وفاته العام ١٩٥٦، كتاب يحوي أقرب مقاربة لما يمكن تسميته «التاريخ الشامل». منهجه الإحاطة بكل أوجه حياة المنطقة التي يؤرّخ لها. فهو أولا وقبل أي شيء آخر يكتب تاريخ العامة قدر ما يكتب تاريخ الخاصة، إن جاز هذا التعبير التقليدي، وهذا نهج انتهجه بنوع خاص في كتابة «تاريخ الاسر الشرقية» عندما كسر تقليد تدوين تراجم أسر الاعيان والحكام والخاصة، ليدوّن سلالات الناس بما هي علاقات اجتماعية ومادية، وصولا الى أكثر الاسر تواضعا بغض النظر عن مكانة او موقع.

ثالثا، يؤكد المعلوف في كتابه هذا كما يؤكد في سائر مؤلفاته في التاريخ المقولة التي تقول بأن علم التاريخ هو عِلم العلوم: هنا تشتغل الجغرافية، وعلم الآثار، وعلم الاقتصاد وتنمية الموارد، والتاريخ السياسي لتعاقب الحكّام والعهود والأنظمة والدول، وهنا تلقى التأريخ المحلي وتواريخ الجماعات (العيل والعشائر والقرى والبلدات والجماعات الاثنية والدينية)، كما تلقى رصد الأماكن المقدسة والأبحاث في الطقوس والشعائر الدينية مع الوله الخاص بالمعلوف في العادات والتقاليد الاجتماعية والثقافة الشعبية، والى هذا كله يضاف تاريخ رجال الدين وعلمائه والادباء البقاع وسورية المجوفة، أي ما يسمّى في علم التاريخ المعاصر، «تاريخ الأفكار»، الذي يحتل الجزء الثاني من الكتاب.

رابعا، لست اجد أي تعارض بين ان أؤكد على شمولية التأريخ عند المعلوف وبين حرصه على التواريخ العينية، اعني بها هنا تواريخ المناطق اللبنانية. وهو هنا يسعى الى تجاوز الاحتكار الطويل الذي مارسه جبل لبنان، ومعه بيروت، على التاريخ البناني. لمن يهتمّ بإنتاج تاريخ موحّد للبنان، أي تاريخ شامل على تعدد، يشكل تاريخ البقاع اسهاما كبيرا في هذا الاتجاه. وفي الانتقال من تاريخ لبنان السلطة والدولة الى تاريخ المجتمع.

لن يُكتَب تاريخ للبنان على طريقة تشكيل حكومة او عدم تشكيلها، ولن ينتج عن ائتلاف مؤرخين يمثلون الطوائف الرئيسة يسعى كل منهم الى اخذ أكبر حصة لجماعته من السلطة على الماضي، ومن فرض روايته عليه، ومن خلال هذه وتلك فرض هيمنته على الحاضر. المأساة في هذه النزعة التوافقية ليس انها تنتج تسويات، وانما انها في الغالب لن تنتج تاريخا أصلا لأنها، مثلها مثل التوافقية الطائفية والمذهبية، تخضَع للقانون الحديدي القاهر الذي يحكم نظامنا السياسي: إما الاجماع وإما الفيتو. والراجح هو الأخير.

اعرف ان مكتبة عيسى إسكندر المعلوف قد غادرت زحلة، لكنها الآن متاحة في مكتبة الجامعة الاميركية ببيروت. فما خسرته زحلة المكان، كسبه الزحليون وسائر اللبنانيين. لم يعد عذر لأحد ان مؤلفات المعلوف محجوبة في مكتبة بحارة الراسيّة. ان كامل مكتبة المعلوف مفتوحة لمن يهتمّ: بضعة الالاف من الكتب التي جمعها بأناة وصبر عبر رحلاته في طول البلاد وعرضها؛ المئات من المخطوطات العربية القيمة التي اقتناها وحافظ عليها، وأخيرا مؤلفاته المختلفة وخصوصا مخطوطاته التي تنتظر تكريمها بنشرها.

بالنشر، ولو بعد أكثر من نصف قرن على وفاته، تكرَّم زحلة استاذَ المدرسة الذي وفد اليها من جرود المتن ليدرّس في مدارسها، فاستوطنها ففيها تزوج وأنجب وانتج، وبالنشر كائنا ما كانت المبادرات، فردية او أهلية او رسمية، يكرّم لبنان علّامته، وهو لو سئل لما أراد اي تكريم آخر.

Themes
History
Countries
Lebanon
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
History Memory Personal Tribute Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.