Back to Publications
Publications Articles

On the Cathars, Evil, and What They Paint

Once the world is judged evil in itself, no one comes out pure; tragedy is dragged in with the verdict.

عن الكاثار والشَرّّ وما يرسمون

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

عن الكاثار والشَرّّ وما يرسمون

«النِذر للدَيْر والخَرَا ع سمعان».

اضع هذا المثل الشعبي مدخلا الى نصي هذا لأنه يقيم مقارنة ما، والمقارنة علاقة، بين شأن ديني وبين ما قد يبدو الاسفل من امور الدنيا، البراز البشري. ولكن، هل ان السافل من شؤون هذه الدنيا نقيض للخير الذي يفترض ان تبشّر به جميع الديانات السماوية؟ هل ان البراز والشرّ متماثلان؟ وما حكم الخير والشر؟ ما الذي يجعل البشر يعتقدون ان الشرّ على هذه الدنيا من صنع الشيطان وحده وان الروح وحدها من خلق الله؟ بل كيف يندفع بشرٌ، بمثل ذلك اليقين، الى رفص الإقرار بوجود حقيقي للعالم الارضي والقول بأن العالم الوحيد الحقيقي هو الحياة الآخرة؟

تداعت عليّ هذه الاسئلة في مزرعة في منطقة الـ«تارن» في مقاطعة تولوز الواقعة بين جبال الپيرينيه الفرنسية والبحر الابيض المتوسط عندما جمعتْ الصدفة بين يديّ ثلاثة نصوص:

– كتاب تعريفي بـ«الـكاثار»، الشيعة المسيحية التي هيمنت على تلك المنطقة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين،

– مجموعة مقالات لجون برجر في النقد الادبي والفني،

– رواية «مديح زوجة الاب» لماريو فارغاس يوسّا.

يروي يوسّا قصة حبّ يافع لزوجة ابيه المثيرة قاطعاً سرد الولد العاشق بوايطة فصول تروي قصص الحب والجنس عند ملوك وآلهة من التراث الاغريقي. بل ان القسم الاكبر من رواية يوسّا استنطاق للقصّ الاسطوري في اللوحات الفنّية: ملك ليديا المفتون بعجيزة زوجته، في لوحة لجاكوب جوردياش، ولوحة فرانسوا بوشيه الشهيرة «ديانا تستحمّ»، ولوحة «فينوس والحب والموسيقى» لتيسيان، ولوحة «البشارة» لفرا أنجيليكو، وغيرها.

ينطوي نص الروائي البيروفي على ومضات من الكتابة الايروسية الناضجة. وما عدا ذلك من العاديات. اما اللوحات الفنية فقد أدرجتْ في النص لغرض تزيين السرد الروائي ليس إلا. لا يشذّ عن هذا الا اللوحة التجريدية الحديثة التي يشبّهها اليافع بزوجة الاب. والتشبيه هو عقدة السرد. تنحلّ العقدة عندما يفكّ الابُ اللغزَ إذ يكتشف ان تفاصيل اللوحة التجريدية انما هي تفاصيل جسد زوجته. فيكتشف الأب بذلك ما وقع بين الابن وزوجة الأب.

يروي يوسّا قصة ولد يتركنا سلوكه بلا تفسير. فهو يغري زوجة ابيه في اربعينها فيضاجعها ثم يفشي الِسّر الى أبيه عبر فرض دراسي، فيستجلب التعاسة للاب ولزوجة الأب معا. إذ ان الاب الشغوف حد الهوس بجسد زوجته لا يلبث ان يطلّقها. وفي حوار للولد مع مربّيته الشابة، يزيد الولد من الغموض الذي يلف دوافعه. تسأله المربّية هل اقدم على فعلته ليمنع اباه من ان يُحِلّ امرأة اخرى في فراش امه؟ فيجيب انه صارح الاب بعلاقته بزوجه أبيه من اجل المربّية! عقدة اوديب ليست إذاً عقدة الرواية، ولا هي بالتالي الحل.

في ايروسية يوسّا عبادة للجسد النسائي وقد بات شميما ولميسا وأصوات. هنا يشكّل الانف والاذنان والردفان الف باء ابجدية إيروسية مبتكرة تريد ان تتحاشى التركيز على المفردات التقليدية للنص الجنسي: النهدين والفرج. على ان يوسّا يغلّب الطقس على الفعل، فتأتي ممارسة الحب في روايته متقطعة سريعة.

ولعل الكلمة المفتاح في رواية يوسّا هي الطقوسية. تدور معظم طقوس الرواية مدار الماء والاغتسال والتمرحض: تمرحض الرجال واغتسال النساء، بما فيه طقس الاغتسال قبل المجامعة. وذروة هذه الطقوسية، وصف الروائي للدقائق التي يقضيها احد الارستقراطيين متأملا خراءه الذي يواظب على انزاله في الساعة عينها من كل يوم.

❊❊❊

تشاء الصدفة ان يتطرّق كلا من يوسّا وبرجر للتمرحض والبراز البشري. ولكن كل واحد منهما من موقع مختلف، واي اختلاف.

يجمع كتاب جون برجر نصوصا مختارة من النقد الادبي والفني لن اتطرق اليها هنا. بل اكتفي بواحد منها فقط. ولا بد باديء بدء من ملاحظة الفارق بين الكاتبين. يوسّا روائي فيما برجر حكواتي. برجر حكواتي القرية حتى عندما يكتب ما يمكن اعتباره «رسالة» في موضوع معيّن او مقالة في النقد الادبي والفني.

في النص المعني، يروي الحكواتي برجر تجربة شخصية. هذا الكاتب والناقد الكبير يعيش منذ عقود من الزمن بما هو فلاّح في قرية نائية في أعلى جبال الساڤوا الفرنسية تعوزها المجارير الحديثة لتصريف الإفرازات البشرية. وفي شهر أيار من كل عام، يحفر برجر حفرة كبيرة ليطمر فيها الخراء البشري المتراكم في بيته خلال الشتاء.

والحال ان مهمة طمر براز الشتاء هذه مناسبة لتأملات وتخييلات لا متناهية عند الكاتب. توحي له رائحة البراز بمشاهد من الجنة، لا بصور لملائكة وقديسين، وانما بصور جنّّات من خُضرة وماء. على الذين قد تصدمهم العلاقة، يردّ برجر على شاكلة سؤال: من اين تأتي أحلام الطهارة والنضارة الا من الحضور الدائم والعميم للغبار والوحل والخراء؟

على المنوال نفسه من اقامة العلاقة بين السافل والسامي، يستشهد برجر بملاحظة للروائي التشيكي ميلان كونديرا يقول فيها ان الحجة على عدم وجود الله هي الحُكم على الانسان بأن يتبرّز. فلو كان الله موجودا لما حُكِم على البشر الممارسة اليومية لمثل ذاك الفعل الشنيع. يعلّق برجر ان مثل هذا القول انما هو عيّنة معبّرة عن الفكر النخبوي. يحوّل النخبويون النفور الطبيعي الى صدمة أخلاقية. فتلك عادة متأصلة من عادات النخبويين. وهذه عادة اخرى عندهم: الشجاعة قيمة يعجب بها الجميع. لكن وحدهم النخبويون يذمّون الجُبن على انه شرّ فيما المحرومون والفقراء، ناهيك بالجنود والمقاتلين والمناضلين، يدركون تمام الادراك ان الجميع قابل لأن يجبن في حالات معينة.

ينفي برجر وجود الشرّ في الطبيعة. ليس الشر وليد تخثُّر المادة، كما في الخراء. انما الشرّ وليد قدرة البشر على ان يقنعوا أنفسهم بالشرّ. الشرّ كامن وظاهر في البشر، إذاً. وعلى عكس الكثير ممن يريدون اقناع انفسهم واقناعنا معهم بأن السلوك غير البشري هو سلوك حيواني، يؤكد برجر ان الوحشية ليست من نتاج الحيوان ولا هي من نتاج الطبيعة. فيخلص الى ان «التوحش نتاج اقناع انفسنا بإلحاق الاذى بالآخر او هو نتاج التجاهل الواعي للالم الذي يعاني منه الآخرون» (ص ٤١). يمكن تفادي الشرّ، يستنتج برجر، لكنه يستدرك قائلا ان تفادي الشَرّ مجرّد خيار، قد نختاره او لا نختاره.

برجر الحكواتي فلاح مضطرّ لان يتعامل والخراء. فتردّه رائحة البراز الى الطفولة والى مشهد تفتّح نوّارات اللَيْلَك، فيتذكر رائحتين متمازجتين، الليلَك والبراز، هي ذاكرة تعود الى زمن طفولي لم يكن يعرف الكاتب فيه إسماً لا للَّيلَك ولا للبراز!

اليس الحلم بالجنة هو الحلم بليَلك الطفولة؟

❊❊❊

قد يوافق الكاثار على رأي برجر القائل إن الشرّ ليس موجودا في الطبيعة وانما في البشر موجود. ولكنهم يدفعون ذلك الرأي الى نهايات عجبية. فيخلصون من تأكيد وجود الشرّ في البشر الى إنكار وجود عالمنا الارضي، بل قل الى تكفيره.

ظهرتْ طائفة الكاثار المسيحية الهرطوقية في القرن الحادي عشر في بلاد «ليموزان» وانتشرت في وسط فرنسا فكانت مراكزها الرئيسية في مدن وبلدات تولوز وكاركاسون وبيزييه. تأثر انصارها بالديانات الشرقية مثل المزدكية والمانوية. وابرز معتقد لديهم رفضهم الاعتراف بوجود حقيقي للعالم المحسوس. كانو يؤمنون بأن العالم المحسوس نفيٌ خُلِقَ من غير تدخّل الارادة الربّانية. ولما كان الخلق الوحيد هو ما صنعه الله، فالروح وحدها حقيقية. من هنا ان اساس الشرّ كامن في هذا العالم. إذ لا يمكن للشرّ ان يكون صادرا عن الله، إن هو الا من صنع الشيطان. هنا يتجلّى التأثير المزدكي الفارسي على مذهبهم، إذ يرون الى الكون مسرحا للصراع بين مبدئين: مبدأ الخير، خالق العالم الروحي، ومبدأ الشر، المتجسّد بالشيطان، خالق العالم المادي، الحسي. لذا كان على الانسان أن يتحرر من العالم المادي لكي يستطيع الانفلات من إمارة السوء الذي يسيطر عليها الشيطان وتحقيق الاتحاد بالخالق.

كيف يكون ذلك؟ يكون بانتصار مبدأ الخير على مبدأ الشرّ وفق نظرة طوَفانية نُشورية لنهاية العالم. عندما تحين اللحظة الآتية، سوف تغمر المياهُ الأرضَ وتنخسف الشمس والكواكب وتسود الظلمات. والنار سوف تستهلك المياه والمياه سوف تطفيء النيران. وفي انتظار تلك اللحظة الآتية لا محالة، ما الذي يترتّب على المؤمنين ان يفعلوا؟ يتعيّن عليهم ان يعيشوا حياة التقشف البسيطة الطهرانية كالتي يفرضها الكاثار على أنفسهم. فقد مجّدوا العُذرية والعزوبية ودعوا الى ممارسة الإمتناع الجنسي. ولما كانوا يؤمنون ايضا بالتقمّص وتناسخ الارواح، ما جعلهم رفضوا قتل الحيوان، فقد كانوا نباتين امتنعوا عن أكل اي من مشتقات اللحم.

وكانت الجماعة الكاثارية تنقسم الى فئتين: فئة تسمى «الكاملون» (او المختارون) وفئة المؤمنين العاديين. الاولون، يتلقّون العمادة الروحية (الكونسالامِنْتُم) التي تتم بتقاطع الايدي ويُجْبَر الذين يتلقّونها على سلوك حياة عذرية وتقشف. فيمتنعون عن اكل اللحوم والبَيض وكل مأكول ذي اصل حيواني ويحرّمون على انفسهم شرب الخمر والإتصال الجنسي. والى ذلك كان الكاملون يتخلّون طوعاً عن كل ممتلكاتهم الدنيوية ويعيشون على صَدََقات المؤمنين العاديين. اما الاخيرون، وكانوا يسمّون ايضا «الخيّرون»، فلم يكن مطلوبا منهم مثل تلك التضحيات والتحريمات القاسية المفروضة على الكاملين، بل كان يكتفى بأن يتلقّوا العمادة الروحية عند الوفاة. ولما كانت حركتهم ايضا ردة فعل على فساد رجال الدين، شيّدوا كنيسة خاصة بهم، يرأسها اساقفتهم، ورفضوا الطقوس الدارجة للكنسية الكاثوليكية الرسمية، بما فيها طقوس الزواج.

مارس الكاثار التضامن الوثيق فيما بينهم مثلما اشتهروا بممارسة المؤاساة بعضهم لبعض. ولن تعجب، وقد بلغ إيمانهم بالروح تلك المواصيل، ان تعلم انهم استهتروا بالموت إستهتارا. عرف عنهم سعيهم للإحتراق بالنار، ما جعل خصومهم يتهمونهم بانهم يمجّدون الموت ويشجعون على الانتحار. ومن تقاليدهم النضالية ممارستهم «الإنديور» Endura وهي الصوم او الاضراب عن الطعام عند الاعتقال.

إنتشرت شيعة الكاثار بين عامة الشعب في اواسط فرنسا، الا انهم تكاثروا بين الحرفيين، والحائكين منهم خصوصا. ولكنهم لقيوا تأييدا واسعا في صفوف النبلاء والبرجوازيين والفرسان والتجار والفلاحين. بل ان كبار إقطاعيي فرنسا مالوا اليهم وخصوصا نبلاء مدينة تولوز، ثالث اكبر مدن اوروبا، بعد البندقية وروما. وتولوز آنذاك منطقة غنية من ابرز معالمها الثقافية التروبادور، الشعراء الشعبيون الذين كانوا يعمّمون قيم الاستقامة والمساواة ويرفضون حق الاقوى ويمجّدون الانسان.

تحصّن الكاثار في قلاع منيعة. وأشهرها قلعتهم المقدسة في «مون سيغور» القلعة المبنيّة على شاكلة تابوت يعكس كل حركات الشمس في دورانها. واغلب الظن انها كانت في الاصل معبدا مانويا.

للتكفير عادات. وللعنف عادات. والتكفير أعظم مسوّغ للعنف. فإذا التكفير الذي مارسه الاوروبيون في الحملات الصليبية ضد العرب والمسلمين خلال سنوات ١٢٧٠-١٠٩٥ يرتد ضد الاوروبيين أنفسهم عند انتهاء الصليبية المشرقية. بدأ البحث عن الكفّار داخل البيت الاوروبي المسيحي. فقرّر بابا روما اينوتشنتي الثالث شنّ حملة صليبية على الكاثار. وخلال لا اقل من عشرين عاما بين ١٢٠٩ و١٢٢٩ تدفّق اكثر من ٣٠٠ الف جندي صليبي من كافة انحاء اوروبا وارتكبوا بحق الكاثار مجازر مشهورة كان اشهرها مجزرة مدينة بيزييه التي قتل خلالها نحو ٢٠ الفا من اهالي البلدة. ونسب الى احد قادة تلك الحملة انه عندما سأله جنوده كيف التمييز بين الكاثارالكفرة وبين عباد الله المؤمنين من سكان المدينة، دعاهم الى القتل دون تمييز. قال: «اقتلوهم جميعا. سوف يتعرّف الله الى ابنائه بينهم».

على سيرة «سوف يتعرف الله الى ابنائه»، إسمحوا لي بهذا الاستطراد. في واحدة من اغرب تخريفاته، تنبأ برنارد لويس بأن ايران سوف تهاجم اسرائيل في اليوم ذاته الذي أعلنه الرئيس الايراني احمدي نجاد يوم بدء المفاوضات النووية مع الدول الغربية في ٢٢ اوغسطس ٢٠٠٦. البرهان ان تلك الليلة – اتي تصادف «ليلة القدر» – سوف تكون ليلة مجيء «صاحب الزمان» المهدي المنتظر. وانها الليلة التي سوف تشنّ فيها ايران هجوما نوويا على اسرائيل. ولقطع الطريق على الحجة القائلة بأن مثل هذا الهجوم النووي سوف يقتل من عرب ومسلمين اكثر من يهود اسرائيليين بكثير، يقول ان ارهابيين يعملون بإسم الاسلام لا حراجة لديهم في ذبح اعداد من اخوتهم المسلمين ذلك ان غير المسلمين الذين سوف يقتلون في ذلك الهجوم سوف يكون مصيرهم النار، أما الضحايا المسلمون للقتلة المسلمين فسوف يصعدون فورا الى الجنّة. وختم لويس قائلا: «إن الله سوف يتعرّف على أبنائه». استخدم لويس في تلك العبارة مفردة Allah للايحاء بأنه يستشهد بنص ديني اسلامي. نشرت نبوءة شيخ المستشرقين الانكلو-اميركيين، الزعيم الروحي للمحافظين الجدد ومستشار الرئيس بوش في الحرب على العراق، في «وول ستريت جورنال» الاقتصادية بالغة الجدّية في الثامن من آب/اوغسطس ٢٠٠٦ بعنوان «اوغسطس ٢٢. هل ان ايران تخبيّ أمراً ما؟»

في آب/اوغسطس ٢٠٠٦ لم تكن ايران تخبيء اي أمر. كانت اسرائيل تخوض حربها على لبنان (١٢ تموز/يوليو – ١٤ آب/اوغسطس).

والآن لنعد الى الكاثار.

إحتل الصليبيون مدينة كاركاسون، فإنكفاء الكاثاريون الى قلاعهم. أخذ الصليبيون يحاصرون القلاع الكاثارية. وفي عام ١٢٢٨، إنعقد مجمع تولوز الكنسي، الذي ولدت فيه محاكم التفتيش ونِيْطَ بسلك الرهبان البِنيدِكتيين مهمة مطاردة الهراطقة الكاثار. وفي عام ١٢٥٢، صدر رقيم بابوي يبيح لمحاكم التفتيش استخدام التعذيب خلال التحقيق مع الهراطقة.

نظّم الكاثار مقاومة سرّية ضد الكنيسة الرسمية والسلطة الملكية استمرت عشرات السنين الى حين سقوط قلعتهم المقدسة في «مُون سيغور».

ولم يكن أمر الكاثار بلا مضاعفات مناطقية وسياسية. مثلما كان ثمة ارتباط وثيق بين نمو نفوذهم وبين استقلالية مقاطعة تولوز عن السلطة الملكية المركزية. فإنعقدت صلة وثيقة بين مكافحة الكاثار وبين اخضاع تلك المقاطعة لسلطة ملوك فرنسا. تم ذلك في عهد لويس الثامن وزوجته الطموحة والقديرة بلانش دي كاستيل، مؤسسَي السلطة الملكية المركزية الفرنسية. وقد وسّعوا رقعة المملكة الفرنسية وأخضعوا الارستقراطية العليا بالاتكال على رجال الدين والبرجوازية الصاعدة. تحاشياً للاسوأ، تعهّد ريمون السابع، كونت تولوز، بتطهير المنطقة من الكاثار بنفسه. فبين فقدان الاستقلال السياسي والتخلي عن الكاثار، إختار الحكّام التضحية بالكاثار. لم يتحقق لهم ما أرادوا. ثار اهالي تولوز ضد محاكم التفتيش وارتكبوا مجزرة بحق عسسها والجلاوزة، بتواطوء إن لم نقل بقيادة ريمون السابع بل بقيادته. ولا تلبث المعارك ان تنتهي بمصالحة بين سان لوي، ملك فرنسا، وحكام تولوز. لكن بلانش دُ كاستيل أعطت امرها الى أمير كاركاسون لكي «يقطع رأس التنين»، حسب تعبيرها، اي اسقاط حصن «مُون سيغور». وهكذا صار. تزامن إسقاط آخر قلاع الكاثار مع وفاة ريمون السابع، كونت تولوز، سنة ١٢٤٨، فإنقطعت إستقلالية منطقة «اللاغندوك» وإلتحقت بالتاج الفرنسي.

مأساة الكاثار انهم اقنعوا انفسهم بان العالم شرّ وقائم على الشرّ. فصاروا هم الشرّ.

Themes
History Politics
Countries
France
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Cultural History Art & Visual Culture Cultural Criticism

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.