موقع ضفة ثالثة، ٦/١٢/٢٠١٩
علاء الدين العالم
محاورة فوّاز طرابلسي
السؤال الأول: دائما ما كان لديك انهمام في كتابة تاريخ لبنان، مثال ذلك عديد كتبك “تاريخ لبنان من الإمارة إلى الطائف، حرير وحديد..” وغيرها. كمؤرخ وباحث في التاريخ اللبناني، كيف ترى هذا الفصل الجديد من تاريخ لبنان الذي تكتبه الجماهير في الشوارع والمدن اللبنانية كافة، وما هي المخاطر التي تهدد هذا الحراك الفاعل؟
#يمكن القول ان الانتفاضة الشعبية الحالية تشكل فصلا جديدا من تاريخ لبنان بمعنيين اثنين. الاول انه يشكل سابقة تاريخية من الثورة على سلطة ونظام غير مسبوقة في تاريخ لبنان. والثاني، ان هذه الانتفاضة قد قطعت الصلة بفصل من تاريخ لبنان المعاصر هو نظام «إعادة الاعمار» بعيد الحرب الاهلية وقد دام ثلاثة عقود من الزمن. ما قبل ١٧ تشرين ٢٠١٩ لن يكون مثل ما بعده.
ما يجري حراك شعبي تثور فيه فئات واسعة من الشعب اللبناني في معظم مناطقه ضد النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والقيمي الذي أنشيء بعد الحرب. وهو نظام قام على شراكة حميمة بين السلطة والثروة متمثلة بزعماء ميليشيات الحرب من جهة والمسيطرين على النظام الاقتصادي من مصرفيين ومستوردين وعقاريين، من جهة ثانية. وقد ساده الخلط بين المال الخاص والمال العام وما نتج عنهما من فساد عميم. وهذه من علامات ونتائج الاقتصاديات النيوليبرالية. لم يجد هذه الطبقة الحاكمة اقتصاديا وسياسيا أكثر من التحوّل من الليبرالية المطلقة لما قبل الحرب الى النيوليبرالية المطلقة وكأن ليبرالية ما قبل الحرب لم تكن مسؤولية بشيء عن الفروقات المناطقية والطبقية او عن الاحتقان الاجتماعي الذي غذّا التمييز والتوتر الطائفيين للتضافر على تفجير الحرب.
لدينا الان اقتصاد تضخمت فيه قطاعات المال والاستيراد والعقارات وسوق شديدة التمركز الاحتكاري، اقتصاد ينتج العاطلين عن العمل في ظروف تتقلّص فيها فرص العمل الخارجية او يقل مردودها. جرى تثبيت العملة بناء على مديونية عالية، انفقت على الاعمار والبنى التحتية على امل تدفق رأس المال وتحويل بيروت الى مركز مالي وتجاري بناء على سراب سلام عربي-إسرائيلي قادم. وبدلا من رفد تثبيت العملة بتنمية القطاعات الانتاجية، جرى ربط العملة المحلية بالدولار والاتكال على عائدات العاملين في الخارج والتدفقات رؤوس الاموال الخارجية لسدّ النقص في الميزان التجاري مختل بنسبة ١/١٠ بين الصادرات والمستوردات.
كانت النتيجة نمو الفوارق المناطقية والطبقية بسرعة متسارعة. الافقار: زحلت اكثر المناطق فقراً من الجنوب الى الشمال، من بعلبك-الهرمل مرورا بعكار والضنّية، الى طرابلس التي تحتل مركز أفقر مدن البحر الأبيض المتوسط، يعيش ٨٠ ٪ من سكانها تحت خط الفقر. نمو الفوارق الطبقية: حيث ١٪ من البالغين يملك ٥٨٪ من الثروة الشخصية بينما ثلث السكان مصنفون من الفقراء والعاطلين عن العمل، وأبرز مظاهرها البطالة هي بطالة الخريجين.
الى هذه الفوارق يضاف تدهور كبير في مستوى معيشة فئات واسعة من اللبنانيين وخصوصا بين ذوي الدخل المحدود والطبقات المتوسطة، وهي تشكل نحو ٤٠٪ من سكان البلدا، جراء احتكار المواد الغذائية والدواء والمحروقات وخصخصة خدمات الدولة، منها النقل، وارتفاع اكلاف التعليم الخاص والطبابة والاستشفاء في يقابل تدهور التعليم الرسمي والارتفاع الشاهق في اكلاف الاستشفاء والحالة المزرية للمستشفيات الحكومية.
هنا يجدر تسجيل عدة ابرز مستجدات هذا الحراك.
أولا، شمول الحراك القسم الأكبر من المناطق اللبنانية. في حراك العام ٢٠١٥ نابت بيروت عن سائر لبنان في التعبير عن الغضب والرغبة في الحرية والتغيير، في العام ،٢٠١٧ تجد بيروت نفسها عاصمة هذا التحرّك لا بدل عن ضائع. وقد جرى التعبير عن هذا التلاقي عبر الحواجز المناطقية والطائفية بالإصرار على نزوع وطني شامل يظلله العَلَم اللبناني.
ثانيا، تصدّع العلاقة بين أحزاب السلطة واقسام من جماهيرها. وكان باديا بالدرجة الاولى بين قواعد حزب الله وحركة امل، ما دفع هذا وتلك الى سحب المناصرين من الساحات منذ الايام الاولى لبدء الحراك، بعد ان عبّروا، الى جانب اخوتهم واخواتهم، عن مرارة البطالة والعوز وغلاء المعيشة وادانة الفساد، وحمّلوا قياداتهم مسؤولية التستّر على الفاسدين والمفسدين وعجزهم عن معالجة أي ازمة فعلية من ازمات البلد الاجتماعية والمعيشية. وقد عنى ذلك ضعف مشاركة المناطق الواقعة تحت نفوذ حزب الله وحركة امل.
ثالثا، الحضور العارم للشباب يعلنون كسر الخوف ورفض الخضوع لابتزاز «عودة الحرب» الذي طالما ارهب آباءهم. وبمثله يكون الحضور المفاجيء للتلامذة والطلاب الحاملين مطالبهم بوعي ونضج نادري المثيل: نريد البقاء في وطننا، العمل حق ونرفض نظام يهجّر شبابه؛ نريد وظيفة بعد التخرّح ونرفض اضطرار أهلنا التزلّف للسياسيين والمتنفذين؛ نرفض المناهج البالية وكتاب التاريخ بنوع خاص؛ لنرفض تحميل اهلنا الأقساط المرتفعة في التعليم الخاص، نطالب بدعم التعليم الرسمي وتطويره على كافة مستوياته.
يهمّني اثارة نقطتين تتعلقان نقاط بمسار الحراك.
الاولى، هي المفارقة العميقة بين ما اتاحه هذا الانفجار الشعبي العارم من طموحات وآمال في التغيير الجذري، السياسي خصوصا، من جهة وبين واقع حال بلد على شفير الإفلاس تنخفض قيمة عملته الوطنية وتفرض مصارفه قيودا على سحب الودائع وحرية صرف العملة، وموجة افلاس في مؤسسات صغيرة ومتوسطة، وارتفاع معدلات غلاء المعيشة تقابلها حملة واسعة لصرف العمال والاجراء والموظفين. وهذا كله في ظل ما يمليه صندوق النقد والبنك الدولي والاتحاد الاوروبي ومشروع «سيدر» من سياسات تقشف وافقار للدولة والشعب، تتجسّد في ما سمّي «الورقة الإصلاحية» الموضوعة على جدول اعمال اول حكومة سيجري تشكيلها. وأبرز ما فيها: تبرئة الذين جنوا الثروات الهائلة بالمضاربة على حساب مديونية الدولة من المساهمين في المصارف وأصحاب الودائع الكبيرة من المسؤولية في علاج الازمة المالية والقائها تبعاتها على موارد الدولة وعلى معيشة المواطنين؛ الغاء المشاريع الانمائية؛ خصخصة شركات الدولة بدءاً بقطاع الاتصالات، ثاني موارد الخزينة من العائدات.
هل ان الانتفاضة امام فرص مناسبة للتغيير الجذري، ام ان الاولوية يجب ان تكون لاستجماع كامل قواها وزخمها وتوجيهها لتنظيم مقاومة شعبية عارمة ضد هذه السياسات؟ لن اتردد في الانحياز لأولوية الخيار الثاني.
ان نقطة ضعف الحراك كانت ولا تزال ما غلب على مناخاته من رفض لفكرة التمثيل والقيادة والتشكيك بالتنظيم والحزبية والأحزاب عموما جرياً على العداء للأحزاب الحاكمة؛ والتوكيد على ان الشعب يطالب ولا يفاوض؛ وقد منع هذا المناخ السائد ان يبلور الحراك مطالبه أصلا وان يعبّر عن نفسه بواسطة ممثلين حقيقيين عنه.
لا يوجد حراك عفوي ولو لم توجد له قيادات معلنة او ممثلون منتخبون معترف بهم. في غياب ممثلين معلنين، يقوم افراد او مجموعات بالنطق باسم الحراك او بدعوة جماهيره الى نشاطات وتحركات عن طريق الاعلام ووسائل الاتصال. الى هذا تتساكن قوى الحراك مع احزاب من السلطة والطبقة الحاكمة المعارضة للعهد الحالي، وهي في معظمها قد ايدت «الورقة الإصلاحية»، (عدا الحزب التقدمي الاشتراكي الذي تحفّظ عليها ولم يصوّت ضدها). وتشارك هذه الاحزاب في عدد من نشاطات الحراك وتدّعي النطق باسمه وتعيين اهداف له.
ان بناء استقلالية الحراك، وتوجيه زخمه للضغط من اجل أبرز مطالبه، واستعداده لمواجهة الحكومة القادمة، والاحتياط لأن تفرض السلطة من يمثله في الحكومة بالضد من ارادته، كل هذا بات يستدعي ان ينتخب الحراك ممثلين عنه يجرى اختيارهم على أوسع نطاق في جمعيات عمومية وبالتنسيق بين ممثلي الساحات المختلفة. ولقد آن الاوان لأن تتمخّض الندوات والورشات العديدة والغنية التي انعقدت خلال ما يزيد عن سبعة أسابيع عن رؤية برنامجية تتمحور حول النضال ضد سياسة التقشف وضد افقار الدولة والمجتمع ومن اجل تحميل الذي اثروا على حساب مديونية الدولة والشعب المسؤولية الأكبر عن دفع ثمن حل الازمة المالية، وتطبيق قوانين الشفافية وقوانين الاثراء غير المشروع والتربّح على حساب المال العام، وأخيرا ليس آخراً، فرض كل الاجراءات اللازمة لحماية العمل ومستوى معيشة الأكثرية الشعبية.
والمهمتان متلازمتان: فلا بد ان يتم انتخاب الممثلات والممثلين للحراك بناء على تعاقد على برنامج الحد الأدنى المشترك والاتفاق على مساراته اللاحقة ووسائل التحرك والضغط الجديدة المطلوبة.
السؤال الثاني: اشتغلتَ في كتابك “دم الأخوين…العنف في الحروب الأهلية” على ما يسمى بـ”عنف الجماهير” وكيف تجلى هذا العنف في مطلع الحرب الأهلية اللبنانية في السبعينيات، وكان دلالة على اعتراض هذه الجموع على النظام الاقتصادي القائم. الجماهير اليوم نزلت إلى الشارع مرة أخرى في مدن لبنان، لكن اختارت الطريق الآخر للاعتراض، وهو الحراك السلمي الخالي من العنف، كيف تفسر هذا التحول الذي أصاب الجماهير؟
#ما اسميته «عنف الجماهير» في كتاب «دم الاخوين» تعلّق بلحظة محدودة من لحظات الحرب الأهلية. وقد سبقتها عشر سنوات من الحركات الاجتماعية السلمية شارك فيها أوسع القطاعات من اللبنانيين من اجل التغيير السياسي والاجتماعي اصطدمت بالقوة والعنف بتعنّت استثنائي من قبل الطبقة الحاكمة التي رفضت تقديم أي تنازل للمطالب الشعبية. ما تتحدث عنه هو اللحظة التي اجتاح خلالها قسمٌ من أهالي بيروت، ينتمون الى المعسكرين المتقاتلين، المركز التجاري والمالي لمدينتهم فاستباحوا ونهبوا وأحرقوا. لم تدم تلك العربدة الطبقية أكثر من عدة ايام. سرعان ما انتظمت خطوط التماسّ العسكرية وانصرفت كل ميليشيا الى سلب ونهب واستغلال سكان المنطقة التي تسيطر عليها.
ليست جماهير مطلع الحرب الاهلية ١٩٧٥-٧٦ هي ذاتها جماهير الساحات والاعتصامات عبر لبنان بعد أكثر من أربعة عقود من تلك الحادثة. فلا يجوز تقديم المسألة وكأننا امام تغيّر في المزاج او اساليب النضال لدى كتل جماهيرية واحدة مستمرة.
السلمية هي أحد أبرز سمات الانتفاضة الحالية. وكما في كل الأحوال المماثلة، هذه السلمية تفترض وجود طرفين متوافقين او متواطئين عليها: المتظاهرون والمعتصمون من جهة، وقوى الامن والجيش من جهة اخرى. لظروف متعددة، أبرزها النزاعات داخل الفريق الحاكم، لم تجنح قوات الامن ولا الجيش الى استخدام وسائل مغالية من القوة او العنف الى الآن، خلا بعض الاستثناءات.
لكن المزاج الشعبي والعلاقة بين الحراك الشعبي والسلطة قابلان لأن يتغيّرا في واحدة من عدة حالات. الاولى، غلبة خيار القمع لدى السلطة. ثانيا، عمل القوى الحزبية المعارضة للحراك على زجّ انصارها في مواجهات مباشرة مع المتظاهرين والمحتجين وفق صيغة باتت تسمّى «شارع ضد شارع». وقد بوشر بتنفيذه هذا الخيار في مناسبتين كان آخرها الهجمات الذي شنّتها عناصر من ميليشيات حزب الله وحركة امل الأسبوع الماضي ضد متظاهرين سلميين في ساحات صور وبعلبك وبيروت إضافة الى اعمال العنف ضد أحد احيائها وقد رافقتها اعمال عنف وتكسير وحرق وأدت الى بوادر توتر طائفي على عدد من نقاط التماسّ السابقة للحرب الاهلية. والثالثة، انتقال مجموعات من المتظاهرين والمحتجين أنفسهم من الاحتجاج السلمي الى اعتماد اشكال متعددة ومتصاعدة من العنف ضد مؤسسات السلطة او المصارف او ردّاً على تعنّت السلطة وعلى قمعها، او تعبيراً عن نفاذ الصبر او اليأس من استطالة الازمة وعدم تحقيق أي من مطالبها.
السؤال الثالث: نظّرتَ سابقا لمفهوم الشتيمة، وكيف كان السُباب أساساً في الصراع بين المتخاصمين في الحرب الأهلية، كون الشتيمة تستهدف إصابة العِرض بما هو “الجرح الرمزي الأعمق”، فلا معنى لشتيمة مهما علت بذاءتها إن لم تنل من عِرض الآخر. يظهر اليوم السباب في الحراك اللبناني كوسيلة جديدة للنيل من النظام السياسي والاقتصادي الفاسد بدلا من استخدامه ضد “الآخر القبَلي”، ما هو الاختلاف الذي طرأ على مفهوم “الشتيمة” هنا، وكيف تحولت الشتائم (المتبادلة سابقاً بين الأطراف المتحاربة) إلى خطاب شعبي ينبض بروح الشارع اللبناني؟
# لم أنظّر لمفهوم الشتيمة. في معرض استعراضي وتحليلي للأشكال غير الحربية من الحرب الاهلية ذكرت مظاهر متنوعة ومتفاوتة الاهمية من العنف: دور المقدّس في العنف – أي دور المعجزات والأولياء والقديسين في تسويغه؛ العنف الرمزي الكامن في تدنيس مقدسات الخصم؛ الاغتصاب، على ندرة حالاته التي نعرف عنها؛ السباب والإصابة في العُرض؛ الثأر العشائري؛ حماية الام للقاتل والمُقاتل؛ القنّاص واختصاصه بقتل المدنيين؛ استبطان العدو؛ الخ. كما ترى، التشاتم واحدة من هذه الظواهر ووسيلة من بين وسائل التجريح بالخصم من خلال المسّ بالشرف والعُرض.
شهدت الأسابيع الاولى من الحراك منوعات من السباب الجماعي للنيل من خصوم سياسيين. لست معجبا بالسباب كائنا من كان مطلقها او المستهدف بها، طرفا سياسيا ام فردا. ولا انا معجب بالتنظير للتشاتم في نقل ميكانكي عن اوضاع مجتمعات تفككت فيها الاواصر الأسرية وتعلمنتْ وتقلصتْ السلطة الذكورية والابوية مع قيمها والرموز.
لا يزال السباب ينهل في بلادنا من الذكورية والابوية طالما انه يسعى الى النيل من الذَكَر من خلال ما هو التركيز على «نقطة الضعف» المفترضة عنده او مستودع شرفه: الأم والزوجة والأخت. وامامنا الشواهد على ان هذا الحملة وقد تفشّت قد طاولت الجميع وقد ذهبت ضحيتها شقيقات وزوجات وامهات من كافة الأطراف.
بعيد عني ان أنكر ان السباب يمكن ان يكون اول ردود الفعل عن الاستياء والغضب الفرديين وانا متأكد من اننا نختزن في هذا الحراك الشعبي من الغضب ما يسوّغ لا السباب وحده بل كامل منوعات الكفر. خصوصا اننا لسنا نتصدى لطبقة حاكمة تجمع الجشع الى انعدام الكفاءة المدهش وحسب وانما نواجه أيضا صيغة جديدة من الفاشية تفاخر بالتفوق الجيني والاستعلاء الطبقي (اتهام جبران باسيل للثوار بالـ«شلاعيط») وادّعاء الاسبقية الحضارية (من خلال الصلة بالغرب والتماهي معه)، الخ. ولا تقتصر مواقفها العنصرية على الدعوة لإجلاء النازحين السوريين (ودعاتها، للمناسبة، من أخلص اتباع النظام السوري الحالي) واللاجئين الفلسطينيين بل لا تتورع عن مدّ للدعوة لتهجير اللبنانيين الذين يعارضونها او ينصاعون سلطانها.
يمكن النظر الى السباب أيضا على انه شكل من اشكال انتهاك الاخلاقيات والقيم المحافِظة لدى الطبقات الوسطى او العليا. وأحسب ان ثمة تأثراً في السباب المتداول في بلادنا بالسباب في الأفلام الاميركية. على ان تطبيقه في بلادنا حيث المحافظة الاجتماعية وقيم العرض والشرف والثأر لا تزال حيّة وفاعلة، يعطي نتائج عكسية تماما. بات السباب استعاريا الى حد كبير في العالم الأوروبي-الاميركي. فقد يقول أحدهم لصديق، في تقليد مسبّة متداولة بين الأفارقة الاميركيين، «يا نيّاك أمّك» فتؤخذ المسبّة على سبيل المداعبة او حتى التحبّب والاعجاب او حتى التجريج ولكنها لن تؤخذ في معظم الحالات حرفيا على انها تمسّ الأم بالضرورة. ان مسبّة كهذه في بلادنا قابلة لإهراق الدم.
السباب تنفيس عن غضب. لكنه اعلان عن عجز ايضا. عندما تملك جماهير مثل هذه الأعداد المعبأة والمحتشدة، والانتشار على مدى الرقعة اللبنانية، والتصميم على فرض مطالبها والحقوق بمثل الزخم التي يتجلّى منها، فهذا يعني انها تستطيع أكثر من التنفيس عن غضبها وممارسة التجريح الرمزي. ولعل هذا ما يفسّر تقلّص هذا الأسلوب من التنفيس عن الغضب مع انتقال الانتفاضة الى بلورة مطالبها والسعي لفرضها.
السؤال الرابع: “ولكن، من يدري؟ لعل بيروت مثلها مثل الممثلين الهرميّين الذين ينتفضون بعد فترة بطالة/ فراغ، بعد فقدهم القدرة على لعب الأدوار الحاذقة أو الأدوار التي يؤديها النجوم الشباب، عشية مباشرة العمل في مهنة جديدة”. بهذه الكلمات أنهيت مقالك “من سويسرا الشرق إلى هانوي العرب…تاريخ مختصر لصورة بيروت”، المنشور في العدد الأخير من «بدايات». كيف ترى بيروت اليوم بعد انفجار الثورة؟
#ارى بيروت قد حققت البعض من توقعي المتحفّظ الذي تستشهد به. لم تعد تحتاج لأن تتشبّه بسويسرا ولا بهانوي. استيقظت على حالها مع الحراك فلم تعد تريد ان يتسمّى وسطُها باسم شركة «سوليدير»، فاستعاد الاهالي اسماءه الاصلية: ساحة الشهداء، ساحة رياض الصلح، الخم، بعد ان استعادوا مدينتهم. واستولوا على ذلك المركز التجاري العالمي المتعولم وقد كلّف الدولة القدر الاكبر من مديونيتها، على بيروت الاستهلاكية، بيروت-البوتيكات، التي أراد رئيس غرفة تجارة بيروت ذات مرة ان يطرد منها متظاهرو ومحتجو العام ٢٠١٥، أولئك الذين اسماهم «أبو رخّوصة»، أي العامة من سكانها والبلا فائدة كزبائن مركز تجاري فخم معدّ لأثرياء الخليجيين وقد هجروه أصلا الى دبي والعواصم الغربية. وفي مقابل منتزه مبني على الاملاك العامة وعلى سرقات موصوفة على حساب المال العام، المسمّى «زيتونا باي»، يستعيد اهل بيروت لهذا الموقع اسمه التاريخي «خليج مار جرجس»، شفيع بيروت الذي تقول الأسطورة انه صرع التنّين في ذلك الموقع.
منذ ١٧ تشرين أرى الى بيروت على انها مدينة تريد ان تتشبّه بذاتها وان تلعب دورها بما هي عاصمة لبنان وقلعة استقلاله وملتقى مناطقه وأهله على اختلافهم، بدلاً من محطة تجارية ومركز مالي متقطع الاوصال بين شرق وغرب.
ومع ذلك، يلوح دوما في الأفق العودة الى ما حذّرتُ منه في مقالة «بدايات» الذي تشير اليها: ان يصدّق لبنانيون ما يقال عنهم في الخارج فيستبطنون صورة تُرسَم عنهم – ولهم – في الصحافة الخارجية والتخييل الخارجي، فيتغافلون عما هم وعما يستطيعون وما لا يستطيعون في حراكهم.
السؤال الخامس: أحد أبرز أعمالك في الترجمة، ترجمتك لكتاب إدوارد سعيد “خارج المكان”، الذي صاغ فيه إدوارد سعيد عبر يومياته مفاهيم حول الهجرة واللجوء والانتقال من مجتمع إلى آخر. برأيك، هل ما زال فكر سعيد حاضراً اليوم في قراءة موجات الهجرة المستمرة وأبرزها رحلة اللجوء السوري؟
#اتساءل ما الذي كان ادوارد سعيد سيقوله امام مأساة اللجوء السوري. لكن، ثمة فارق بين اللجوء الفلسطيني والمنفى الفلسطيني من جهة وبين موجات اللجوء الجماعية عبر العالم في هذا العقود الأخيرة.
قيل عن الحروب والحروب الاهلية انها آلية للتخلّص من الفائض السكاني لدى الشعوب. وثمة من لاحظ ان هذا الاهراق للدم من شأنه تجديد دم الامة المعنية. وقد توسعت في هاتين الفكرتين في كتبابي «دم الاخوين. العنف في الحروب الاهلية. ما يشغل بالي حاليا عمليات التطهير عندما تكون واعية. تقع في قلب كل عملية تهجير سكاني فكرة تقول انه يوجد شعب فائض او جزء من شعب يجب التخلّص منه. قالها بشير الجميّل: في المنطقة شعب زائد هو الشعب الفلسطيني.
انشغلُ منذ فترة في سَبْر هذا التناقض القاتل لدى الأنظمة القومية والإسلامية في بلادها، تلك التي تدّعي انها منذورة لمقاتلة العدو الخارجي، ويقوم القسم الأكبر من مبرر وجودها وادعائها الشرعية وتعبئتها وحشدها على محاربته. ومع ذلك، فهي نادرا ما تخوض حروبها المدّعاة او المفترضة ضد هذا العدو، بل تستخدم العدو الخارجي حجة لممارسة السيطرة الداخلية، وتبني أنظمة استبداد عسكرية-امنية، وتستحوذ على الاقتصاد والحصة الأكبر من الدخل الأهلي بحجة «المعركة المقدسة ضد العدو»، مستخفّة ايما استخفاف بمطالب الداخل ومشاكله وحاجاته وحقوقه باسم منظومات ذهنية تدّعي الرؤي جيواستراتيجية هي البرهان العبقري عن جهل العدو والقوى المتحكمة بالعلاقات الدولية، بل مجرد هواجس عن مؤامرات و«مشاريع» خارجية تستهدفها. في المقابل، هل تسعى تلك لتمتين الجبهة الداخلية، كما يقال، لمواجهة كل هذه المخاطر الخارجية؟ هل تسعى لأن تحقق الحد الأدنى البديهي من الوحدة الوطنية عن طريق كسب وارضاء أوسع فئات ومكونات شعبها حتى لا تضطر هذه للاستعانة بالخارج لمناصرتها من استبداد او ظلم او حرمان اقتصادي او تمييز سياسي جمعي او اثني او لغوي او ثقافي؟ على العكس من ذلك تماماً: «تُخَورِج» هذه الانظمةُ المعارضات الداخلية وتحوّلها الى امتداد للعدو الخارجي. فتتحوّل القوات المسلّحة الى طرف في حروب داخلية وتحوّل كل أدوات العنف ومستودعاته المعدّة للعدو الخارجي لقتال شعوبها. والافدح انها تتعاطى كل مواطن على انه خائن الى ان يثبت العكس ومعظم الاحيان قد لا تحتاج معاقبته لأكثر من مجرد الشك.
لكن بعض الانظمة قد تفوق نفسها. «خَورج» النظام السوري المعارضة الشعبية السلمية العارمة العام ٢٠١١ فوصمها بـ«الإرهاب» فضمّها الى أعداء الاستراتيجية العالمية المسمّاة «الحرب الكونية ضد الإرهاب» تحت قيادة اميركا. الابتكار هنا، ان الادغام لم يكن ادغام لم يكن الادغام بين المعارضة الداخلية والعدو الاميركي بل ادغام المعارضة بالداخلية بضمها الى العدو التي عيّنته الولايات المتحدة، واسرانيل!!، على انه العدو الكوني لجميع الشعوب. هكذا كسب النظام المقدار الأكبر من غض نظر مديد عن حربه ضد شعبه مما يسمّى «المجتمع الدولي». وبعد ان تحقق الفصل الرمزي لملايين من الشعب السوري عن «جسم الامة السليم»، جرى تهجيرهم، او رفض اعادتهم الى بلادهم، على اعتبار ان فصلهم تمليه ضرورة «قومية» سامية غرضها «تحقيق الانسجام الاجتماعي». وهذا في رأيي أبشع واوجع أوجه المأساة السورية.
وهل من حاجة لمزيد من الامثلة عن جدلية الخارج/الداخل الفاجعة وعملية «الخَورجة» هذه؟ انظرْ الى احتجاجات إيران الأخيرة حيث عرّف الامامُ خامنئي انتفاضة شعبية انطلقت من ارتفاع سعر البنزين وغلاء المعيشة والاستبداد، فعرّفها بانها «مسألة امنية وليست مسألة شعبية»، وسرعان ما اكتشف ان الامر المقصود ليس هو الامن الداخلي، بل هو الامن الخارجي. فقد قضى العلاج الأمني بقتل المئات واعتقال الالاف من المحتجين تمهيدا لاعلان مرشد الجمهورية الاسلامية الايرانية نهاية عمليته الحربية التي «صدّت العدوان الخارجي»!
السؤال السادس: وصلت فصلية “بدايات” إلى عددها الرابع والعشرين الذي صدر هذا العام، وكرّست نفسها خلال سنوات كمجلة فصلية ثقافية معنية بالنص النقدي المطول لا الصحفي المتسرع، لكن من المؤكد أنها تعاني من صعوبات كونها مجلة ورقية في هذا العصر الرقمي المتخم بالمواقع الإلكترونية، ما هي الصعوبات التي واجهتكم أثناء الحفاظ على سير العمل واستمرار النشر، وكيف ترى مستقبل “بدايات” في عالم النشر العربي؟
«بدايات» مغامرة بدأت مع الثورات العربية العام ٢٠١٢ وكانت ولا تزال تسعى لأن تشكّل أداة إعلامية لمتابعتها والتعبير عنها والتفكير فيها. كتبنا واصدرنا اعدادا خاصة لكل الثورات تونس، مصر، البحرين، اليمن، سورية، الخ. وها نحن نتابع الموجة الثانية في الجزائر والعراق والسودان ولبنان، وقد خصصنا في عددنا الاخير ملحقا من أكثر من مئة صفحة للثورة في السودان. وغني عن القول إن فلسطين حاضرة في كل الاعداد.
مع ذلك تبقى «بدايات» مجلة ثقافية عربية شاملة تفتح صفحاتها للنساء والشباب وتشجّع على كل انواع التجريب في الكتابة والفنون. نريدها في المقام الاول مساحة لنشر الفكر اليساري، بمنوعاته المختلفة، والتعريف بالنتاج الجديد والمنتجين الجدد فيه، وكلاهما غزيرٌ وخصيب، وتشجيع الحوار في مسائله المختلفة. وتبدي المجلة أيضا قدرا كبيرا من الاهتمام بالتعريف بالتيارات واليسارية والتقدمية والتغييرية في الفكر الديني عموما، والتي يعبّر عنها مفكرو «لاهوت التحرير» في اميركا اللاتينية او مفكرون مسلمون خارج السرب أمثال محمود محمد طه، وعلي شريعتي ومحمود طالقاني.
ننشر في كافة الألوان الأدبية بما فيها نقد الكتب والمسرح. وقد اصدرنا ملفات خاصة عن ادوارد سعيد وعبد الرحمن منيف ولدينا اهتمام خاص بالتعريف بالنهضوي الكبير احمد فارس الشدياق، الكاتب واللغوي والقاموسي ورائد الصحافة والرواية، الذي يتعرّض للطمس والتهميش بسبب جرأته في شؤون الدين وتحرّر المرأة والنقد الاجتماعي.
لدينا اهتمام خاص بالعمارة وبالحق في المدينة، وبما نسمّيه «ثقافة العين» أي التذوّق الجمالي من خلال النظر (نعرّف في كل عدد بمصوّر او فنان في صفحاتنا الملّونة). ونفرد صفحات واسعة للكتابات في الذاكرة والتاريخ والموسيقى والثقافة الشعبية. وفي كل ممارستنا الصحافة نسعى الى المزج بين الاحترافية والجمالية والجدّة في الإخراج والتزيين.
صمدنا على امتداد السنوات الست الأخيرة، كنا نموّل المجلة عددا بعدد، وقد بقينا على قيد الحياة بفضل مساهمات شخصية متواضعة عددا بعدد لبعض الصديقات والأصدقاء والمانحين. أصبح لنا ميزانية سنوية فقط هذه السنة. نعمل بإمكانات متواضعة فريق العمل الصغير مكوّن من عاملين بعمل جزئي لا يتعدى عددهم أصابع اليدين. لكن بقاء المجلة واستمرارها كان ولا يزال قائما على ثقة كتّابنا الذي يساهمون بالكتابة والتزيين والرسم عن طريق التطوع. لولا هذا لما أمكن المشروع ان يعيش أصلا.
ثمة ثغرات عديدة في المواضيع التي نتناولها والبلدان التي نغطّيها. نودّ ان ننشر المزيد والمزيد في الاقتصاد السياسي والاقتصاد الاجتماعي وفي نقد العولمة والنيوليبرالية وآثارهما على المنطقة. وان نعيد الاعتبار للبحث الاجتماعي العيّاني في وجه غلبة كتابات الرأي والتشبّث بالقول في الدولة والسياسة.
في المقابل، حققنا قدرا لا بأس به من الرواج خلال العامين الأخيرين. تصل المجلة الآن الى القراء في عدد من الدول العربية، نطبع نسخا خاصة للتوزيع في مصر وفلسطين، ونوزع في السودان والعراق والأردن والمغرب وقريباً تونس، إضافة الى لبنان.
لا نزال متمسكين بالنسخة الورقية، مصرّين على انها تلبّي طموحنا في جمالية الإخراج والتزيين. نعتقد انه لا يزال هناك مكان ودور وجمهور للفصليات الثقافية الورقية. ولكننا لسنا بواهمين حول محدودية الاهتمام بها لدى الشباب خصوصا. لذا فتحنا موقع «بدايات» على الانترنت على الملأ حيث يمكن مراجعة كل اعداد المجلة عليه. هذا بالإضافة الى ما تنشره صفحتنا على فيسبوك.
