Back to Publications
Publications Articles

Against the Current - A Political Reading of the Economy: The Power of Money and the Power of Politics

Reverse direction: the political reading of economics — the ruling class uses power to build its interests, and the state is a tool of accumulation, not development.

عكس السير – القراءة السياسية للاقتصاد. سلطة المال وسلطة السياسة

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

عكس السير

القراءة السياسية للاقتصاد

سلطة المال وسلطة السياسة

فواز طرابلسي

في أساس الفكرة الليبرالية في الاقتصاد ان العقلانية، أي الانانية، تعني اتخاذ القرارات بناء على الاعتبارات الاقتصادية الصرف حيث الفرد يتصرّف حسب مصلحته الفردية وتتولى السوق الباقي. في صيغتها الجديدة، تتطور الفكرة لتؤكد ضرورة الفصل الكامل للسياسة عن الاقتصاد والسوق عن الدولة. وقد نتجت عنها منوّعات مختلفة في التطبيق فتارة السياسة/السلطة/الدولة تخنق الاقتصاد اي القطاع الخاص وتعرقل عمل آليات السوق والمنافسة الحرّة.. وتارة أخرى تسيطر المصالح الخاصة على الدولة بما هي “المجال العام”. وكلاهما من فكر ما بعد الحرب الباردة. ومن منوّعات “الاستيلاء” او “السيطرة” Capture “سيطرة النخب” السياسية Elite Capture أي استيلاؤها على الاقتصاد ومؤسساته؛ تضارعها مقولةState Capture أي “الاستيلاء على الدولة”، بما هي المجال العام، من قبل شبكات المصالح الخاصة وهي هنا مصالح اقتصادية.

المفارقة في الدعوة لتلك الأفكار النيوليبرالية هي ان دعاتها والمروّجون لها يمارسون هوسا كاملا بالسلطة والسلطان كما سنرى فيما يلي.

تنتمي “رأسمالية المحاسيب” او “انتفاع الاقربين”Cronyism/Crony Capitalism الى مقولات الفئة الاولى وهي تعني تحصيل الربح لا من خلال السوق وانما من خلال الاستعانة بنفوذ ذوي السلطة السياسية، بما يميّز بين رجال اعمال ورجال اعمال بالضد من قوانين المنافسة. هكذا ينتفع ذوو الصلة بالسلطة السياسية بأفضليات في عقود الدولة والتزاماتها ومشاريعها الاستثمارية وتقديماتها وبالإعفاءات والتسهيلات الضريبية وغيرها.

وليس يختلف “انتقاع الاقربين” كثيرًا عن مقولة الفساد بل قل هو منوّع من منوعاتها. وهو يعتبر طبعا شواذًا في الرأسمالية لأنه يخرق التنافسية في السوق. حتى ان بعض الاقتصاديين ينفي عنه صفة الرأسمالية. وفي حالتي الشواذ والنفي، تستخدم عشرات الصفات والنعوت التي تلحق بالرأسمالية، والرأسماليين، لتنزيهها عن سلبياتها والتناقضات، على اعتبارها جميعا ليست هي “الرأسمالية” الصافية بأل التعريف.

من الدراسات حول هذا الموضوع دراسة للجامعي جاد شعبان ذات عنوان معبّر “I’ve got the power!” ما يمكن ترجمته الى العربية “الإمرة لي” او “انا السلطة: مسح الصلات بين القطاع المصرفي اللبناني والطبقة الحاكمة” (٢٠١٦ و٢٠١٩)

خلاصة أطروحة شعبان ان ١٨ من اصل ٢٠ مصرفا من كبار مصارف القطاع تضم مساهمين ومدراء ينتمون الى “عائلات سياسية” او هم على صلة بالنخب السياسية ومقرّبين منها. ويسيطر هؤلاء فيما بينها على ٤٣٪ من أصول تلك المصارف وتسيطر ثماني “عائلات سياسية” على ٣٢٪ من الأصول أي على ٧،٣ مليارات دولار. (حسب ارقام العام ٢٠١٤). ويعمل الباحث على اثبات ان التواطؤ بين السياسيين والمصرفيين “يجد تعبيره في بنية ملكية المصارف”. أي ان الإمرة والسلطة تتحول الى ملكية.

شكلت الدراسة مرجعا، في الخارج خصوصا، عن الفساد والمحسوبية السياسية والعلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية في لبنان، كما في تفسير مسؤولية “الطبقة السياسية” عن الازمة المالية الراهنة. ها هو موظف كبير في مؤسسة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف، يستشهد بالدراسة ذاتها خلال في رسمية للبنان في كانون الاول/ ديسمبر ٢٠٢٢ ويتهم خلالها السياسيين بجرائم ضد حقوق الانسان بسبب سيطرتهم على الاقتصاد على من خلال سيطرتهم على ٤٣٪ من اصول المصارف.

اما “الصلة بالسياسيين” فبالغة الدلالة لأن البحث فيمن هم هؤلاء السياسيون يكشف ما يشبه التحقيق البوليسي يتحرى عن كل ما له صلة بالسياسة في عالم المصارف. تشمل اللائحة الاتهامية ايضا: مرشحيَن على الانتخابات النيابية؛ أبناء أسر حاكمة وسياسيين من دول الخليج؛ شقيق مصرفي لبناني؛ أربعة أقرباء لسياسي سابق؛ ابن رئيس جمهورية سابق؛ موظف في البنك المركزي، ومقرّبًا من حاكم المصرف المركزي، وعضوًا في “لجنة الرقابة على المصارف”، وحاكم المصرف المركزي نفسه؛ ابن عم رئيس وزراء؛ زوجة رئيس وزراء؛ ابن رئيس وزراء؛ حفيد نائب سابق؛ والد وزير سابق؛ ابن وزير سابق؛ سفير في أرمينيا، وشقيق سفير.

اما “العائلات السياسية” النموذج عنها الذي هو «بنك عودة» الذي يضم ابن رئيس حكومة هو فهد الحريري ووزير سابق ومساهمين آخرين ذوي صلات بحكام خليجيين. الوزير السابق هو ريمون عودة، مؤسس “بنك عودة” ورئيس مجلس ادارته السابق، وقد شغل منصبين وزاريين فلزم تصنيفه سياسيا. الرجل سليل عائلة عرفت في صناعة الصابون منذ القرن التاسع عشر اقلا (حوّل عودة مصنع العائلة الى “متحف الصابون” في صيدا) ومصرفه ثاني أقدم المصارف المذكورة في لائحة شعبان. وعلى جريرة عودة والحريري، يجري تسييس عائلة قصّار، أي عدنان قصار، رئيس مجلس ادارة “فرانسبنك”، وأخيه عادل، وهم أسرة تجارية اشترت «بنك صبّاغ» من مالكيه وهو اقدم مصرف بين مصارف اللائحة (١٩٢١). وشغل القصار طويلا رئاسة غرفة التجارة والصناعة وغيرها من هيئات رجال الاعمال العربية والدولية. وتولى المنصب الوزاري مرتين، فاستحق وعائلته لقب “العائلة السياسية”. والامر نفسه ينطبق على فريد روفائيل، ومؤسس ورئيس مجلس إدارة “بنك بيبلوس” الذي شغل منصبا وزاريا هو ايضا، وعلى آل صحناوي، الاسرة السورية الأصل، التي برز افرادها عندما حازوا على رخصة انشاء معمل اسمنت في عهد كميل شمعون. اما توفيق عسّاف الذي ترسمل في فينزويلا وكان وكيل شركة “بيبسي كولا” في لبنان، قبل ان يؤسس “بنك بيروت والبلدان العربية” الذي يرأس ابنه غسان مجلس ادارته. وشغل مروان خير الدين صاحب «بنك الموارد» المنصبَ الوزاري مرة واحدة وسقط في الانتخابات النيابية الأخيرة ويبقى عضو عائلة سياسية. وعائلة رجل الاعمال رفيق الحريري وورثته، وكانت الى حين مالكة «بنك المتوسط»، تشكل عائلة سياسية خرج منها رئيسا وزراء.

تعريف شعبان البوليسي للسياسي هو أي رجل اعمال شغل منصبا نيابيا او وزاريا او له شبهة علاقة بالإدارة العامة والقضاء. وهو يعتبر ذلك من البديهيات التي لا تحتاج الى شرح. لعلنا نستطيع ان نبحث عن تعريف اقتصادي لرجل الاعمال، بمن فيه المصرفي، ما دام البحث في الاقتصاد والباحث عالم اقتصاد. رجل الاعمال هو كل مواطن تشكل عائدات عمله في أحد فروع الاقتصاد – من أرباح وريوع وفوائد ورواتب – الحصة الأكبر من دخله. ينطبق هذا المقياس لتعريف على جميع افراد العائلات الثماني التي يسمّيها شعبان “عائلات سياسية” فيما هي في الحقيقة عائلات رجال اعمال، كما ينطبق على سائر أعضاء مجالس إدارة المصارف الذين لهم صلة بالمصارف.

بناء على تمييز رجل الاعمال، يمكن تعريف السياسي بما هو مواطن يمارس النشاط السياسي والحزبي والتمثيل النيابي والمشاركة في الحكم. وهو قد يكون رجل اعمال او يمارس احدى المهن الحرة (محام، مهندس، طبيب، مدرّس، الخ.) او موظف في الدولة، وما شابه. لكن يشكل عائده من مهنته وراتبه كنائب او وزير، المصدر الأساسي لدخله. اما السياسي الذي ترسمل باستخدام النفوذ السياسي، والعسكري خلال الحرب، وبواسطة الانتفاع من المال العام، أي من الريوع السياسية، فيجدر تصينفه بما هو رجل اعمال. ونعرف من نماذج هؤلاء الحكام والسياسيين المتحوّلين انهم قد غادروا منذ فترة مرحلة “التراكم الاولي لرأس المال” من خلال الريوع السياسية، وتحولوا الى الاستثمار في شتى الفروع الاقتصادية – والاثير عندهم هي الملكية العقارية، والوكالات التجارية، والاستثمار في الأسهم وسندات الخزينة في السوق العالمية، والايداع في المصارف السويسرية او في الملاذات الضريبية، وغير ذلك.

اسئلة أولية

يبرهن شعبان ان الامرة السياسية على المصارف محصورة بملكية الاسهم او احتلال المقاعد في مجالس إدارة المصارف، او هي الدليل القاطع عليها. والبديهي ان يثار السؤال: الا يستطيع السياسيون ممارسة التأثير على المصارف دون ان يمتلكوا أسهما او يحتلوا مقاعد في مجالس ادارتها؟ بمعنى آخر هل ان هؤلاء السياسيون الذي انكشف امرهم هم وحدهم الذي يمارسون نفوذا ما على المصرف؟ وماذا بشأن المصارف التي لم تحظَ بسياسيين او بمقرّبين منهم او ذوي صلة بهم يملكون أسهما فيها ويحتلون مقاعد على مجالس ادارتها؟ هل تحرم من الخدمات السياسية؟ ما يعني ان التحقيق البوليسي، الذي القى شبهة “الصلة بالسياسة” على العائلات المسيطرة على القطاع والمساهمين فيه بديل كسول عن أي تحرٍّ جدّي عن كل تعقيد العلاقة المتبادلة بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية.

ما هي اثار “الامرة لي”؟

إذا سلّمنا بأطروحة شعبان عن سيطرة ذوي الصلات السياسية على قرابة النصف من أصول المصارف، بل امتلاكها، عما يدلنا ذلك عن سياسات القطاع المصرفي عموما وعن وضع كل مصرف منها على حدة؟ وكيف يزيدنا ذلك علما عن السياسة المالية والاقتصادية في البلد؟

الحجج الثلاث التي يقدمها شعبان على أثر الصلات السياسية على أداء المصارف هي الآتية: المصارف المسيّسة أكبر من المصارف الأخرى؛ تملك عددا أكبر من سندات الخزينة؛ وتلجأ الى دعم الدولة اكثر من غيرها. والحال ان هذه الخصائص تلقى تفسيرها في ان الباحث اختار أكبر المصارف في القطاع. هل تؤثر السيطرة السياسية على ربحية المصارف والمقصود التأثير الايجابي على حساب سائر المصارف؟ وهل تدلّ تلك الصلة على انكشاف زائد للمصرف المعني في موضوع الدين العام؟ يعترف الباحث بأن لا ادلة على ذلك الأثر في الحالتين.

يتحدث الباحث عن الخدمات التي تقدمها المصارف للسياسيين عن طريق التوظيف السياسي والقروض السياسية في مقابل مساهمة المصارف بدورها في تمويل الانتخابات، مع انه يستدرك بأن البيانات ليست متوافرة عن تلك الخدمات المتبادلة. في حين ان التحفّظ الاكاديمي لا يمنع المرء من الاستدلال على ان المصرفي مروان خير الدين موجود على لائحة يدعمها حركة امل وحزب الله، ليس موجودا لكونه ابن عائلة سياسية ولا مواهبه سياسية خاصة به، بل انه ضُمّ الى اللائحة ليسهم في تمويلها. وهذا تقليد عريق في السياسة اللبنانية منذ ان كان التمثيل النيابي.

على ان شعبان ليس يشير الى ذلك في حديثه عن التواطؤ بين السياسيين والمصارف القائم منذ الاستقلال و”جمهورية التجار” (ينسب التسمية الى كارولين غايتس وهي لألبرت حوراني) وهو تواطؤ يدعم بنية السلطة الموجودة حيث المصارف تدافع عن النظام الاقتصادي بقيادة قطاع الخدمات وتناضل بشراسة ضد رفع الضرائب على أرباحها والريوع والفوائد. فما الحاجة الى هذا المقطع من قبيل “رفع العتب” في نقد المصارف، طالما ان الباحث ينسب لها الإمرة في تلك المواقف المبادرات الذاتية دونما حاجة للاستعانة بالسياسة والسياسيين؟

اما ما يترتّب من آثار ممارسة “رأسمالية المحاسيب” في الجمهورية الثانية فهو الآتي:

“إن منظور انتفاع الاقربين لدى المصارف اللبنانية قد تكون له ارتدادات سلبية على نوعية التسليف، ذلك ان البيانات توحي بعلاقة متبادلة سلبية قوية بين سيطرة مالكي الأسهم السياسيين ومعدل القروض غير الفاعلة (او المشكوك بها/باستردادها) قياسا الى اجمالي الأصول.”

لا حاجة للخوض في بحث هذه الخلاصة الاحتمالية والتي قد تعود الى مجرّد الطابع المغامر للمصرف المعني. والاهم انها خلاصة تبدو شديدة التواضع قياسا الى ضخامة السيطرة والتملك التي تمارسها عائلات رجال اعمال عمّدت “عائلات سياسية”.

مهما يكن، تحقق المطلوب من البحث وهو القاء شبهة “انتفاع الاقربين” و”رأسمالية المحاسيب” على تدخل السياسيين والدولة في هذا القطاع المصرفي الحيوي والرائد في الاقتصاد اللبناني. ولن نعرف شيئا عن “المصرفيين الاحرار” ودورهم في تسيير القطاع المالي والسياسة الاقتصادية. وما تحقق، بكل موحياته حول سندات الخزينة والديون الهالكة، قد اسهم في توظيفه في تبرئة المصرفيين عن الازمة المالية التي انفجرت العام ٢٠١٩ وتبنّي رواية المصارف عن مسؤولية الدولة عن المديوينة مع كل ما يستتبع ذلك من حدود وقيود فرضتها جمعية على أي تسوية للازمة بما في ذلك الحد الأدني مما يطالب به صندوق النقد الدولي.

لكن الباحث اعطانا، من غير قصد، ادلة قاطعة على مدى تمركز الملكية والقرار في القطاع المصرفي حيث تسيطر أكبر ثلاثة مصارف على ٤٥٪ من اجمال أصول القطاع. واكد الطابع المركزي للرأسمالية اللبنانية، حيث تنتمي تلك العائلات الثماني الى ثلاثين عائلة من أصحاب شركات الهولدينغ التي تشكل النواة الصلبة للاوليغارشية المسيطرة على قمم الاقتصاد في المال والصناعة والتجارة، والخدمات، والاغذية، وتمثيل الوكالات الاجنبية، والعقارات والالكترونيات والصحافة والسياحة والاصطياف وغيرها. (راجع طرابلسي، «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان» ، ٢٠١٦)

المال سلطة

ما تغطّي عليه مقولة “رأسمالية المحاسيب” – المهووسة بالسلطة السياسية – أن المال سلطة بذاته. هكذا كان منذ ان كان مال. وقد استفحل المال في العهد النيوليبرالي كما لم يفعل في اي وقت مضى. اما الجمع والخلط والتقاطع بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية فبلغ أيضا اعلى مستواه عندما خلقت سياساتها مسوخا أمثال “الاوليغارق” في أوروبا الشرقية باتت عاجزة عن السيطرة عليها.

ولكن هذا لا ينهي البحث في العلاقة بين سلطة المال وسلطة السياسة بل يفتحه على مصراعيه. فيما السلطة السياسة علنية ومظهرية بل قل فاجرة، غالبا ما تكون سلطة المال خفية ومراوغة لا تظهر على المسرح كقوة جماعية الا عند التحديات الكبرى والأزمات عندما تعجز السلطة السياسية عن تدبير مصالحها. انها جمعيات التجار وغرف الصناعة والتجارة التي أحبطت المشاريع الإصلاحية لـ«حكومة الشباب» في عهد سليمان فرنجية عام ١٩٧١-١٩٧٢ عندما هددت بالإضراب في حال اقرار مشاريع قوانين دعم الصناعة واستيراد الدولة المباشر لأدوية الضمان الاجتماعي والإصلاح التربوي. كان التهديد كافيا للتراجع على المشاريع الوزارية واستقالة الوزراء الذين تقدموا بها. وسلطة المال، ومَن شرّع باسمها، هي التي فرضت وضع الاقتصاد الحر والملكية الخاصة والمبادرة الفردية في مقدمة دستور الجمهورية الثانية، في سابقة نادرا ما وجدت في الدساتير. وهي سلطة المال بعد الحرب التي رسمت كل آليات انتقال لبنان من الليبرالية الى النيولبرالية النيوليبرالية ذات الألوان الميليشياوية-المافوية. وهي السلطة ذاتها التي أحبطت مشروع الاجر الاجتماعي الذي طرحه الوزير شربل نحّاس ومعه مشروعه لزيادة الاجور. وسلطة المال إياها هي التي تسمح لرئيس جمعية تجار بيروت نقولا الشمّاس (أبو رخّوصة) ان يزعق في وجه نجيب ميقاتي، صاحب المليار ونيّف، بصفته رئيس الحكومة: “نحن نطاع ولا نطيع!” خلال ازمة الرتب والرواتب! والانحياز السياسي لسلطة المال هو الذي يحفز سمير جعجع، الذي لم نجد له اثرا في امتلاك أسهم في أي مصرف، لأن يعلن “لقد بدأ عهد التأميمات!” تعليقا على استدعاء المدعي العام المالي أربعة مدراء مصارف لسؤالهم عن خروج أموال من مصارفهم نحو الخارج! وقد توقفت مساءلة المصرفيين منذ ذلك الحين. حتى لا نتحدث عن أفعال الايمان التي يكررها سامي الجمّيل عن “الاقتصاد الحر القويّ. ويكفي مراجعة اعمال اللجان النيابية، بقيادة كتل حركة امل والتيار الوطني الحر والجمهورية القوية، لتكوين فكرة عن خدمة السياسة لسلطة المال مجسدة في جمعية المصارف، دون ان يبرّي ذلك أي كتلة أخرى وعلى رأسها كتلة الوفاء للمقاومة من التواطؤ والمشاركة.

سلطة المال والسلطة التنفيذية

من يرد البحث في العلاقات بين المصارف والسلطة السياسية، يمكنه البدء بالعلاقات

الوثيقة بين رؤساء الجمهوريات والمصارف منذ ان كان لبنان المستقل، مع التشديد على ان مركز رئاسة الجمهورية كان محورا أساسيا تلتف حوله المصالح المتحكمة بالاقتصادي. من بنك فرعون-شيحا الى بنك سيدروس، كان لكل رئيس جمهورية ولكل عهد مصرفه. يفيد المصرف من سلطة الرئيس وعهده، ويقدّم له في المقابل ما يخدم سلطته السياسية.

في عهد بشارة الخوري، كان «بنك فرعون- شيحا» هو بنك العهد، يمّول الحملات الانتخابية للحزب الدستوري ويسلف الصحافيين لقاء خدماتهم الاعلامية. يقول عنه الصحافي شكري البخاش صاحب جريدة «الصحافي التائه» انه كان يعيّن ثلاثة أرباع النواب ويدفع مرتّبات شهرية لاربعة وعشرين منهم.

استخدم كميل شمعون «بنك سورية ولبنان» الذي كان لا يزال مصرف الدولة، لتأسيس «بنك التسليف الزراعي والصناعي والتجاري» للشيخ بطرس الخوري، ورعى أبرز البنوك الناشئة – «بنك لبنان والمهجر» و«سوسييتي جنرال» و«بنك انترا». وفي عهده، أقر قانون سرية المصارف العام ١٩٥٦.

في عهد الرئيس فؤاد شهاب، برز «بنك انترا»، لصاحبه يوسف بيدس، بما هو بنك العهد، يسيّره «المكتب الثاني» (مخابرات الجيش) ويتولي تمويل الانتخابات وتسليف السياسيين والاعلاميين. عندما وقع المصرف في ضائقة مالية لم تفده لبيدس صلاته السياسية والامنية. تألّبت عليه المصالح المالية والتجارية الخارجية والمحلية المربوطة بالخارج فأمتنعت السلطة عن تعويم المصرف.

في عهد شارل حلو، حل «البنك الاهلي» محلّ «بنك انترا»، يرأس مجلس ادارته أدريان جديّ، المساهم ايضا في «بنك الاعتماد المالي اللبناني» و«الكونتوار الوطني للتوفير والتوظيف المالي» ووكيل عدد من الشركات الاميركية، بينها الشركة التي كانت تملك الحصة الاكبر في كازينو لبنان. ظل يخدم المصرف “المكتب الثاني” صاحب النفوذ المستمر فيما سمّي العهد الشهابي الثاني. وما من شك في ان المصرف افاد بالمقابل في صفقة كازينو لبنان.

ينفرد الرئيس سليمان فرنجية في انه بين الرؤساء الذي كان عضوًا مؤسسًا في «بنك الشرق الادنى» وكان على صلات وثيقة برجال الاعمال الشماليين، وأبرزهم المصرفي والصناعي الشيخ بطرس الخوري وآل ابو عضل، من كبار مستوردي الادوية.

اما الرئيس الياس سركيس، فكان رجل المصارف الاول وحاكم مصرف لبنان الذي تولى اصلاح النظام المصرفي بعد الهزة الكبرى التي تعرّض لها إثر افلاس «بنك انترا» العام ١٩٦٦. بعد انتهاء ولايته عيّن سركيس رئيسا لمجلس ادارة بنك «ويدج» لصاحبه عصام فارس.

كان الرئيس امين الجميّل محاطًا بالمصرفيين: أنطون شادر، صاحب «كميكال بنك»، سامي مارون، صاحب بنك «ليتيكس» وكان «بنك المشرق» بمثابة بنك العهد الكتائبي، بادارة روجيه تمرز، الذي ولّاه الجميل أيضا على «شركة انترا للاستثمار». ومن مصارف تمرز «بنك الكويت والعالم العربي» و«فيرست فينيشيان» «كاپيتال ترست» و«بنك الاعتماد اللبناني».

لم يعرف لعهد الرئيس الياس الهراوي مصرف بعينه، على ما نعلم. تركز اهتمامه على قطاع النفط والمحروقات من خلال شراكته مع خليل غطاس، وكيل شركة موبيل الاميركية. وتركّز اهتمام ابنه رولان بشركة كهرباء لبنان بالشراكة مع ايلي حبيقة. وفي عهده، انتقل مركز الثقل في السلطة الاقتصادية الى رئاسة الوزراء التي تسلّمها رفيق الحريري ومن مصارفه «بنك المتوسط».

شهد عهد الرئيس اميل لحود فضيحة «بنك المدينة» المدوّية وتنامى دور الشبكة الامنية السورية – اللبنانية وحاكمية البنك المركزي في ادارة شؤون الاقتصاد والسياسة.

في عهد الرئيس ميشال عون، ولد «سيدروس بنك، وقد منحه رياض سلامة هندسة مالية لرسملته وتمكين أوضاعه. راجت شائعات عن وجود مساهمين من التيار الوطني الحر ومن اسرة الرئيس عون، لم يعثر على مثل تلك الأسماء عند نشرت لائحة المساهمين بالمصرف. لكن من سيبذل ما يكفي من الجهد في البحث، الن نكتف أسماء واجهة لرجال اعمال لهم صلة بالرئيس وتياره او بسواه من السياسيين؟ مهما يكن، يكمل «سيدروس ينك» اللائحة الطويلة التي بدأت من بنك فرعون-شيحا عن العلاقة (المتبادلة) بين رؤساء الجمهورية والمصارف. (راجع، طرابلسي، «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان»، ٢٠١٦)

ما المقترحات؟

ما الذي يترتّب على ما كشفه جاد شعبان من إجراءات قانونية وعملية للفرز بين السياسيين وملكية أصول المصارف؟ منع السياسيين من الاستثمار في المصارف؟ او منعهم في احتلال مقاعد في مجالس ادارتها؟ وعكسا، منع المصرفي من ان يمارس مسؤولية سياسية في النيابة والوزارة او في احدى الرئاسات الثلاث؟ اذا كان ذلك فلماذا لا يصرّح عنه جهارا ولعل الباحث يعرف ان الولايات المتحدة الاميركية لا تحرّم وجود رجال اعمال في الكونغرس ولا تمنع المشرّعين الاميركيين من الاستثمار في الشركات ولا في تداول الأسهم والسندات حتى لو كانت تلك الشركات تتأثر بقرارات قد يقترعون عليها. وفي تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» العام ٢٠٢٠ ان ١/٥ من أعضاء الكونغرس او افراد من عائلاتهم تداولوا باسهم وسندات. اما احصائيات الكونغرس الاميركي في يناير ٢٠١٧ فتفيد ان ٢٣١ من أعضاء مجلس النواب شغلوا مهنًا في المصارف والتجارة هو ضعف ونصف ما كان عليه الحال في المجلس السابق. والامر ذاته يتعلق بمجلس الشيوخ حيث بلغ عدد أعضائه العاملين في المصارف والتجارة ٤٢ شيخا وقد كانوا ٢٤ في المجلس السابق.

فإذا كان الباحث يقترح الفرز والتحريم بين سلطة المال وسلطة السياسة، بغض النظر عن الممارسة الاميركية، فليجهر بذلك.

في غياب أي مقترحات مستخلصة من تشخيص “رأسمالية المحاسيب” وتشريحها، كما في حالات البحث في الفساد، ولو بالدعوة الى تطبيق “قانون الاثراء غير المشروع” واشتراع قانون “تضارب المصالح”، لن يبقى من التشخيص والتسريح ال التشهير: شيطنة الدولة – ولو كانت دولة الليبرالية المتحوّلة – واتهامها بخنق القطاع الخاص. والوصفة جاهزة في املاءات البنك الدولي وصندوق النقد: وقف الانفاق الاستثماري؛ وقف التوزيع الاجتماعي؛ وقف دعم المواء الغذائية والمحروقات؛ ترشيق الجهاز الإداري وتقليص الخدمات العامة؛ والخصخصة التي تعيدنا الى … “الصندوق السيادي”.

Themes
Political Economy Politics
Countries
Lebanon
Published In
SifR
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Political Economy Capitalism Political Theory Neoliberalism Left Politics

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.