عشرينية الوحدة اليمنية: عندما تصير الوحدوية شريكة الانفصالية
فواز طرابلسي
بعد ايام يحتفل اليمن بالذكرى العشرين لاعلان الوحدة بين شطري البلاد. مع ذلك، لن تكون المناسبة مناسبة للفرح والانجاز وحال الوحدة الوطنية في اليمن على ما هي عليه بين حرب صعدة في الشمال الغربي التي لم تضع اوزارها بعد و«الحراك الجنوبي» الذي يجنح اكثر فاكثر نحو الانفصال.
أسهمت عدة عوامل مباشرة في تحقيق الوحدة بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الذي اعلن رسميا في ٢٢ ايار ١٩٩٠. نقول عوامل مباشرة لأن الوحدة كانت الهدف المعلن للنظامين يلتقي على تأييدها جمهور شعبي واسع في البلدين. غلبت على العوامل المباشرة التطورات في جنوب البلاد. وابرزها الاقتتال الاهلي الدموي مطلع ١٩٨٦ بين جناحين من الحزب الاشتراكي، الذي انهك النظام والبلد والشعب قبل ان يضاف اليه قرار القيادة السوفييتية، وهي على الرمق الاخير، وقف التزاماتها المالية تجاه اليمن الديمقراطي الشعبي. الى هذا اثار اكتشاف حقول نفط في منطقة حدودية مشتركة بين البلدين خطر تجديد حرب حدود بينهما ما سمح للبعض في الاعتبار ان لا خيار الا الحرب او الوحدة.
مهما يكن، غلب الاستعجال والاعتباط على عملية التوحيد التي كررت اخطاء الوحدة المصرية السورية وأبدعت من عندياتها. بديلا من التدرج والمراحل الانتقالية، فجأة اعلن رئيسا البلدين الوحدة الفورية الاندماجية دونما كبير مراعاة لوجود نظامين سياسيين واجتماعيين وعقائديين متباينين، وماض من الحروب بينهما ومحاولة الواحد منهما قلب النظام الاخر، ناهيك عن ان الشعبين عاشا متباعدين لعقود حتى لا نقول قرون من الزمن.
بارك الاميركيون الوحدة على اعتبارها وسيلة للتخلص من النظام الماركسي الوحيد في المنطقة العربية ومن آخر مركز للنفوذ السوفييتي فيها. ورعاها نظام صدام حسين فيما عارضتها العربية السعودية وحاولت ثني الاشتراكيين عن الاندماج بعرض هبة مالية تغطي ديون الجنوب.
حكم البلد الموحد لفترة مجلس رئاسة خماسي وجرى توازع المناصب الرئيسية للسلطة بين رئيس شمالي ونائب رئيس ورئيس للوزراد جنوبيين ما اوحي بلون من الشراكة الضمنية بين النخبتين الحاكمتين. لكن هذا كان في المظهر فقط تمور تحته خلافات عدة. تصوّر الحزب ااشتراكي النظام الوحدوي شراكة مناصفة متساوية بين الحزبين الحاكمين. والرئيس علي عبدالله صالح متمسك بسلطاته الفردية يرى الى التوحيد اشبه بعودة الابن الضال الماركسي الجنوبي الى حضن الاب وبيت طاعته. في المقابل، تشجع الاشتراكيون بنتائج للانتخابات النيابية التي جعلتهم القوة الثالثة في البلاد(للعلم ان قوة الحزب الاشتراكي اليمني الكبرى هي في الشمال ) وتحقيقهم فوزا كاسحا في المحافظات الجنوبية ليطالبوا بالفيدرالية يحكمون في ظلّها المحافظات الجنوبية. واجههم الوسواس القوموي المركزي لدى صنعاء يجعل من كل مطالبة بسلطات محلية او لامركزية او فيدرالية مقدمة حتمية للانفصال.
وعلى الاجمال بديلا من ان تكون الوحدة مناسبة لاستظهار افضل ما في النظامين من ميزات وكفادات، استظهرت الاسوأ. وكان اول ضحية للوحدة الطابع العلماني المدني للنظام الجنوبي والتضحية بحقوق المرأة. دارت الخلافات على صلاحيات مجلس الرئاسة ونائب الرئيس، وعلى مرجعية عائدات النفط ( الى موازنة الدولة او الى رئاسة الجمهورية ) وإحتدم النزاع بصدد الامرة على القوات المسلحة التابعة للنظامين السابقين. ودامت هذه الحال القلقة ثلاث واكثر من المشاحنات والازمات واعتكاف المسؤولين الجنوبيين والوساطات وانعقاد الاتفاقات وفرطها وآخرها «اتفاق العهد والميثاق» الذي وقعته القوى السياسية اليمنية في عمّان برعاية الملك حسين. وإمتنع الرئيس علي عبدالله صالح عن تنفيذ اي بند من بنوده. في نيسان ١٩٩٤ اعلنت صنعاء الحرب على الجنوب اثر اشتباكات متكررة بين الوحدات المسلحة للنظامين. وفي ٢٠ ايار اعلن نائب الرئيس علي سالم البيض فك الارتباط بين البلدين. دعمت العربية السعودية الانفصال الجنوبي واوحت بامكانية استصدار قرار من الجامعة العربية بارسال قوة ردع عربية لوقف الاقتتال تسهم في تركيز الحدود بين الشطرين لصاحل استعادة اليمن الديمقراطية الشعبية حدودها. او هكذا فهم الجنوبيون واملوا فخاب ظنّهم. انتصر جيس الشمال ودخل عدن في ٧ تموز ١٩٩٤.
ان قصة «الحراك الجنوبي» هي قصة الكيفية التي بها تعاطي نظام صنعاء مع الوضع في الجنوب بعد النصر العسكري بمنطق اقرب الى منطق المنتصر والمهزوم. ساد التمييز بين شمالي وجنوبي. جرى تسريح عشرات الالوف من العسكريين والموظفين الامنيين والمدنيين الجنوبيين. وطغت الادارة المركزية على المحافظات الجنوبية. وساد الفساد والمحسوبية في توزيع الاراضي والعقارات والشقق والمؤسسات والمصانع المؤممة وخدمات الشركات النفطية على الاسرة الحاكمة وحاشيتها القريبة. واهمل مرفأ عدن، المفترض انها العاصمة الاقتصادية للبلد الموحد، لصالح مرفأ الحديدة الشمالي.
بدأ الحراك الجنوبي في نيسان ٢٠٠٧ بإعتصامات العسكريين والموظفين المصروفين من الخدمة او المحالين الى التقاعد المبكر يطالبون بزيادة معاشاتهم التقاعدية او إعادتهم الى الوظيفة. بدأوا بالعشرات وصاروا سريعا يعدون بالالاف وعشرات الالوف ازاء تعنّت النظام. في البدء، كانت مطالبهم سياسية متواضعة تدور مدار حقوق مواطنة متساوية وزيادة صلاحيات سلطات الحكم المحلي التي اعلنت عنها صنعاء واجرت لها الانتخابات ثم حرمت المجالس من صلاحيات فعلية. جاء التصعيد نحو المطالبة باللامركيزية الادارية والسياسية والفيدرالية الى ان ارتفع مطلب فك الارتباط وظهرت اعلام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الشوارع.
تغذت النزعة الانفصالية من سياسة التسويف ثم الاهمال الوقح التي اعتمدها النظام وجراء القمع والاعتقالات، بما فيها اعتقال الصحفيين، والحصار العسكري على مراكز الصحف واطلاق الرصاص على المتظاهرين والمعتصمين وسقوط القتلى والجرحى.
ومن اجراءات نظام صنعاء التي ما لبثت ان ارتدّت عليه انه اعاد الاعتبار للموسسة القبلية بما هي واسطة بين السلطة والمواطنين وتشجيعه عودة المشايخ والسلاطين من حكام المناطق الجنوبية زمن الاحتلال البريطاني لاستخدامهم من اجل اضعاف نفوذ الحزب الاشتراكي. والمفارقة ان معظم هؤلاء، وبعضهم ممن عمل مع «تنظيم القاعدة »، ما لبثوا ان انقلبوا عليه و انضموا الى قوى «الحراك» بعد ان وجّهوا مذكرة جماعية تعرض مظالم اهل الجنوب عاملها الرئيس اليمني بالاهمال. ولا بد من القول ان هؤلاء المشايخ ومعهم بعض الانفصاليين من الاشتراكيين اسهموا في تبرير وتأصيل النزعة الانفصالية بواسطة مقولات خطيرة. إذ يتنامى الحديث عن جنوب اليمن بما هو «الجنوب العربي » تمييزا له عن «اليمن» الذي بات تسمية للمناطق الشمالية التي كانت منضوية سابقا في الجمهورية العربية اليمنية. بل الافدح، انه يجري تخليص تجربة حكم اليسار في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية علي انه نتاج تسلّط فريق شمالي علي الجنوب، يرمز اليه عدد من قادة الحزب الاشتراكي اليمني في مقدمهم عبد الفتاح اسماعيل!
بمناسبة الذكرى العشرين، وعد الرئيس علي عبدالله صالح بخطاب يصفّي فيه آثار الماضي ومخلفاته. في الانتظار، لن يصفي تلك الآثار الا تغيّر جذري في الانظمة والمؤسسات والسياسات. العطب في النظام الفردي التسلطي وفي مجمع المالي والامني والقبائلي الذي يرتكز اليه. والخيار كان دائما ولا يزال في مثل تلك الحالات: إما التقدم نحو الديمقراطية والمساولة القانونية والسياسية بين المواطنين وإما التقهقر نحو الانفصال. وفي كل الاحوال، الامر يحتاج اولا بأول الى استفتاء شعبي في المحافظات الجنوبية، برقابة عربية، لاستطلاع المزاج الفعلي للناس فيها حول مروحة الامكانات المتوافرة لتدارك الكارثة وقد باتت الفيدرالية في مطلعها.
