«طائف» الذين لا «طائف»/ة لهم: الجرح لا السهم!
فواز طرابلسي
تتسارع المراجعات لاتفاق الطائف وتتكاثر وهي إذ تنتقل من مشاريع المراجعة للدستور الى مشاريع الانقلاب عليه، تزداد معها حدة السجالات والنزاعات.
عندما وضعت الحروب الاهلية اوزارها كان لبنان لا يزال يعيش دستوريا في ظل نظام رئاسي يتربّع على رأسه رئيس للدولة لقّب بـ«الملك الجمهوري» و«جسّد في شخصه كل حياة الدولة». تركّزت في منصب الرئاسة الاولى، في عهد الجمهورية الاولى (١٩٤٣-١٩٩١) صلاحيات تشريعية وتنفيذية حاسمة الاهمية. قاد اليها منطق التعاقد الذي حكم معركة الاستقلال إذ جرى تعويض المسيحيين على التخلي عن الانتداب والضمانات الخارحية بالاعتراف لهم بالغلبة السياسية، تضمنها الصلاحيات الواسعة النطاق لرئيس الجمهورية المسيحي الماروني. وهكذا فرئيس الجمهورية كان ينتخبه مجلس النواب وهو يملك صلاحية حلّ الهيئة التي إنتخبته. وكان يتمتع بصلاحيات تشريعية واسعة في الوقت الذي يجسّد فيه السلطة الإجرائية بلا منازع. فهو يعيّّن الوزراء ويختار من بينهم رئيساً ويصرفهم فرديا وجماعيا ولا يكون مجلس الوزراء هيئة اجرائية الا بترؤسه اجتماعاتها. كذلك درج الرؤساء المتعاقبون على التدخل بالمال وأجهزة السلطة في الانتخابات النيابية لتأمين نجاح اكثرية نيابية موالية لهم استكمالا لسيطرتهم على مفاصل العملية السياسية. واخيرا ليس آخرا، لم يكن رئيس الجمهورية خاضعا لرقابة او محاسبة اية هيئة على سلوكه وسياساته ومواقفه خلال ولايته، اللهم الا في حال الخيانة الوطنية.
جاء اتفاق الطائف ليقلّص على نحو كبير صلاحيات رئيس الجمهورية لصالح رئيسي مجلس الوزراء والنواب. وإختصرتْ المحاصصةُ الطوائفية السياسية والادارية من قاعدة ٦/٥ لصالح المسيحيين الى المناصفة بين الطائفتين. تم ذلك في ظرف من الانشقاق الدموي في الصف المسيحي أورثه ضعفا شديدا في توازن القوى العام وزاد الطين بلّة قرار المعارضة المسيحية مقاطعة الانتخابات النيابية لعام ١٩٩٢.
منذ الشروع في تطبيقه، اثار دستور الجمهورية الثانية عام ١٩٩١ إشكالات عدة دارت مدار الفوارق بين اتفاق الطائف وتطبيقه، وبين نص الدستور وروحه، وبين صلاحيات المؤسسات وسلطات الافراد. ولكن ما من شك في ان سلطات رئيس مجلس الوزراء مجسدة في شخص الرئيس رفيق الحريري غلبت على الحياة السياسية والاقتصادية قرابة عقد من الزمن. ومع ان تلك الفترة لم تكن تخلو من خلافات ونزاعات بين اطراف الترويكا الرئاسية الا انها كانت تجد طريقها الى التسوية، إن لم يكن الى الحل، من خلال الاحتكام الى قاضي صلح في دمشق هو الرئيس حافظ الاسد.
ولم يكن مستغربا ان تؤدي وفاة الرئيس السوري واغتيال الرئيس الحريري وما اعقبه من خروج القوات السورية والامنية من لبنان الى اختلالات كبيرة استوجبت اعادات نظر ضمنية او علنية لا متناهية في النظام السياسي. هي فترة الاضطراب والتجاذب التي لا نزال نعيش في ظلها بين المعسكرين اللذين انقسمت اليهما القوى السياسية. في البدء،ظهر الخلاف بين الفريقين المتنازعين على ادعاء شرعيتين يمكن البحث عن مسوغات لكل منها في النص الدستوري: منطق الاكثرية النيابية من جهة ومنطق التوافقية من جهة ثانية. دافع عن المنطق الثاني قوتان كانتا مستبعدتين لاسباب مختلفة عن نظام الطائف، هما حزب الله والتيار الوطني الحر. اخذ تحالف هاتين القوتين الشعبيتين يدق ابواب النظام السياسي بإسم التوافقية مستقويا بانتصار المقاومة الاسلامية في حرب صيف ٢٠٠٦. ولم يحل هذا النزاع الا باقتحام المعارضة للسلطة التنفيذية بعد عمليات السابع من ايار الماضي وفرض تشكيل حكومة «وحدة وطنية» وتثبيت حق الاقلية البرلمانية في الثلث المعطّل. لا بد من القول هنا ان هذا الخرق في السلطة التنفيذية ادى الى المزيد من تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية إذ حرمه عرفا كان يقضي بأن يعطى له ان يختار ثلث اعضاء مجلس الوزراء.
تكاثر المراجعون والمراجعات. ولكن فيما يبدو ان الدفاع عن اتفاق الطائف هو الراية التي ترفعها القيادة السياسية السنّية، مدعومة بقيادة وليد جنبلاط الدرزية، لا تبدو قوى ١٤ آذار موحدة في موقفها من الطائف.
يتوزع الصف المسيحي السياسي الى تيارين متفارقين. تيار انكفائي يسعى الى معالجة الشعور المسيحي بالتهميش بالمطالبة بالوان من التعددية او الفيدرالية على اساس مذهبي مناطقي. يطالب هذا التيار، الذي عبّر عنه حزب الكتائب مؤخرا، بتطبيق اللامركيزة الادارية (التي قضى بها اتفاق الطائف ايضا) وبمقاربة خجولة للفيدرالية فيما يتعدى «الطائف». هي مقاربة تتحصن بالتعدد الثقافي والتفارق في انماط الحياة بين الجماعات اللبنانية تبريرا لمشروعها. وتبدو مبادرة حزب الكتائب وكأنها تسحب البساط من تحت قدمي «القوات اللبنانية» ورئيسها سمير جعجع الذي يجد نفسه موزعا بين الرغبة في الظهور بمظهر الرجل المسيحي السلطوي القوي وبين التمسك بعلامته المسجلة: الفيدالية.
في المقابل، إذ يتذبذب تيار اللامركزية والفيدرالية عند تخوم الدستور، يبدو مشروع «التيار الوطني الحرّ» أشبه بـ«انقلاب على الطائف»، في استعادة للعبارة الموفقة التي صاغها الدكتور البير منصور في مورد آخر. ولا يبدو ان ثمة سقفا لمراجعته غير استعادة رئيس الجمهورية صلاحياته كما كانت عليها في دستور الجمهورية الاولى.
في الوسط بين التيارين إختار الرئيس ميشال سليمان موقعه محاولا استعادة هادئة لصلاحيات الرئيس من خلال استعادة حقه في حلّ المجلس الينابي وتجميع كتلة برلمانية ملتفة حول الرئيس تشكل واسطة العقد بين الكتلتين الآذاريتين. والمفارقة في الامر، ان مشروع الرئيس المسيحي القوي لـ«التيار الوطني الحر» مفصّل على مقاس رئيس «التيار» فقط، لا يجيّر الي رئيس آخر!.
الغريب في الامر ان شريك «التيار الوطني الحر» في تحالف الثامن من آذار يبدو على مسافة من هذا النزاع. فحزب الله اذا كان رد بعنف على عودة نغمة الفيدرالية، وشدد نائب امينه العام على انه سوف يخوض الانتخابات تحت شعار بناء الدولة القوية والمقاومة القوية، الا انه يبدو محجما عن الخوض في سجال المراجعات.
ليس المراد في هذه الاستعادة التاريخية الدفاع عن «طائف» حقيقي في وجه تأويلات مختلفة او مشاريع مراجعة وانقلاب متعددة. كل المراد لفت الانتباه الى ان كل هذا النقاشات والمراجعات والمناقشات والسجالات والمناكفات والمشاريع تدور جميعها مدار وجه واحد من وجهي اتفاق الطائف، ودستور الجمهورية الثانية المنبثق عنه. انه الوجه المتعلّق بتوازع السلطات بين الطوائف والتوازنات فيما بينها. فيما تتواطأ كافة تيارات وتكتلات الطبقة الحاكمة على طمس الوجه الآخر.
هذا هو الوجه الآخر الذي تنص عليه المادتان ٢٢ و٩٥ من الدستور القاضية بالتجاوز التدريجي للنظام الطائفي من خلال نزع الصفة الطائفية عن التمثيل البرلماني واستحداث مجلس للشيوخ لتمثيل الطوائف ينظر في المسائل الوطنية الكبرى.
هناك «طائف» آخر هو «طائف الذين لا «طائف» لهم والذين لا طائفة لهم. انه «الطائف» الذي نجح المشرّع اللبناني في ان يكسر فيه التعريف الحصري الاوحد للبنانيين بما هم رعايا مذاهب وطوائف ويكرّس حضور اللبنانيين في الحياة السياسية بما هم مواطنون.
كل المراجعات والمشاريع الانقلابية المذكورة اعلاه تنطوي علي خرق ما لـ«اتفاق الطائف» وعلى تعديلات للدستور او تحريفات لتفسير احكامه. وحدها المواد المتعلقة بتجاوز النظام الطوائفي لا تحتاج الا الى التطبيق. وبخروج القوات السورية لم يعد مجال للتحجج بعدم انسحابها الي البقاع عذرا لعدم تشكيل «اللجنة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية» التي نص عليها اتفاق الطائف والتي تكشل المقدمة لمسار تجاوز الطائفية.
في غياب اي عذر لعدم تطبيق المادتين الدستوريتين المذكورتين، يكون الحكم في لبنان، بكامل مكوناته، في حالة خرق مستدامة لدستور البلاد!
يروي علماء الإناسة عن اقوام بدائية انها عندما يصاب مقاتل بينهم، يتولى ساحر القبيلة اخراج السهم من الجرح وغسله وتنظيفه وتغطيته بالاعشاب الطرية النديّة. والاعتقاد ان الاعتناء بالسهم من شأنه ان يعجّل في شفاء المقاتل الجريح.
تلك حالنا في ظل الخارجين عن الدستور: يداوون ويدارون سهام الطائفية لا الجراح المتولدة عنها!
