Back to Publications
Publications Articles

Testimony on the Thought of Antonio Gramsci

They wanted to stop his mind for twenty years — Gramsci produced in prison the theory of "hegemony": ruling-class ideas become "common sense," and law is "the silent force" of coercion.

شهادة في فكر – انطونيو غرامشي

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

شهادة في فكر
انطونيو غرامشي

فواز طرابلسي

خلال الحرب، العالمية الاولى، كان انطونيو غرامشي ( ١٨٩١-١٩٣٧) محررا في جريدة الحزب الاشتراكي «آڤانتي-الى الامام». تميّزت كتاباته بالدعوة الى التنظيمات العمالية القاعدية على غرار «مندوبي المعامل»، في التجربة البريطانية، في مقابل البيرقراطية النقابية واصلاحية الحزب الاشتراكي. تعززت دعوته بقيام مجالس السوفييت الروسية العام ١٩١٧ والتأييد الواسع الذي حازت عليه في الاوساط العمالية الايطالية. اصدر مع زميله پالميرو تولياتي أسبوعية «النظام الجديد» Ordino Nuevo، لسان حال الجناح اليساري للحزب. وما لبث الصحفي غرامشي الذي كان يعلّم العمال ويدعوهم للتنظيم والوحدة، أن إنتقل الى مشاركتهم نضالاتهم بل الى المشاركة في قيادتها خلال انتفاضة «العامَين الاحمريَن» ١٩٢٠-١٩٢١ الى جانب القائد الأناركي إنريكو مالاتستا. انطلقت الحركة من اضراب لثلاثين الفا من عمال تورينو وانتشرت في إيطاليا الإضرابات وحركات احتلال العمال للمصانع وتسييرها ذاتيا وظهور فرق «الحرس الأحمر» العمالية المسلحة.

لم تتحول الحركة الى اضراب عام، وما لبثت ان تقلّصت امام القمع، وحملات التسريح الجماعية التي لجأ لها ارباب العمل، والغرق في نزاعات مسلحة مع الحزب الفاشي، الذي تسلّم رئيسه بينيتو موسوليني الحكم خلال عام من ذلك.

خلال الحراك، اسهم غرامشي في تأسيس حزب شيوعي من الطراز اللينيني الذي انتخبه قائدا له وامضى القائد الشيوعي العام ١٩٢٢ في روسيا حيث تزوج من عازفة الكمان جوليا شوشت وولد له ولدان، ونال دعم لينين لفكرته إقامة تحالف يساري في وجه السلطة الفاشية يناضل من اجل عودة الديمقراطية. خاض الحزب الشيوعي الايطالي الانتخابات النيابية العام ١٩٢٤ وانتخب غرامشي نائباً في البرلمان. ردت السلطة الفاشية على سياسة الشيوعيين الجديدة بحملة قمع اعتقلت فيها معظم قيادات الحزب الى ان اعتقل غرامشي نفسه في نهاية العام ١٩٢٦.

خلال ١١ سنة في السجن، سوف ينتج عقل أنطونيو غرامشي – الذي أراد المدّعي العام الفاشي وقفه عن العمل خلال ٢٠ عاما، واحدة من اغنى النظريات الاجتماعية والسياسية وأكثرها الهاما وحفزا على التكفير والابداع في القرن العشرين.

طلب مني ان اكتب شهادتي عن فكر أنطونيو غرامشي. هذه هي بكثير من الايجاز.

١-استنطاق التاريخ: المسألة الوطنية-القومية

يشكل كتاب غرامشي «عن الوحدة القومية الايطالية» نموذجا منهجيا نادراً لتفكير ماركسي في المسألتين الوطنية والقومية لا يقيم التعارض بين الوطني-القومي والطبقي بل يعتمد التحليل التاريخي والطبقي لتتبع مسارات وعوامل الترابط والتمفصل والتأثير المتبادل بينهما. والاهم انه لم ينسق الى إقامة التعارض بين الوطني-القومي والاممي.،بل اعتبر الثاني امتدادا للأول.

في بحثه هذا، يكتشف غرامشي عدم التطابق الضروري بين الطبقة الاقتصادية والطبقة السياسية. تستعير البرجوازية، في حقبة صعودها خصوصا، عناصر من علاقات انتاج وعلاقات اجتماعية وقوى اجتماعية وافرقاء سياسيين، سابقة على الرأسمالية، لتلعب أدوارها في تمثيل الرأسمالية وتوفير الأطارات لحكمها ولسلطتها والادارة.

فمملكة بييدمونت هي التي قادت مسار التوحيد القومي وجذبت واستقطبت ووحدت نوى برجوازية متفرّقة جغرافيا، ولكنها ذات مصلحة في قيام السوق القومية والدولة القومية. بذلك وفرت بييدمونت لتلك المهمّة التاريخية ابرز عناصر القوة والتنظيم التي تملكها دولة، أي القوات المسلحة واجهزة الحكم والادارة. بعبارة أخرى، لعبت تلك المملكة دور الحزب بالنسبة للطبقة البرجوازية الصاعدة. ويذكّر غرامشي بظاهرة مشابهة في الثورة الفرنسية الكبرى ١٧٨٩ حيث شكل اليعاقبة فريقا سياسيا ينتمي الى الطبقات المتوسطة، فرضَ نفَسه على البرجوازية، وصاغ لها مشروعها المجتمعي الشامل بما يتجاوز مصالحها الاقتصادية-الحِرَفية المباشرة ودفعَها للذهاب في تحقيقه الى أبعد مما ترغب بـ«رفسها على قفاها»، على حد تعبيره.

وهنا موقع مفهوم الحزب في فكره. يجمع الوعي والإرادة. يتولى القيادة الفكرية («المثقف الجمعي») والتنظيم. وقد تتولى صحيفة ما تمثيل مصالح طبقية او قطاعية (جريدة «الماتينو» – «النهار» – التي مثّلت المصالح الجنوبية ضد المصالح الشمالية)

٢-الدولة/المجتمع المدني؛ السيطرة/الهيمنة

ثنائية الدولة/المجتمع مدني، او المجتمع السياسي/المجتمع المدني، مفهوم مركزي في فكر غرامشي. يعرّف المجتمع المدني على انه «مجموع المؤسسات التي عادة ما تسمّي مؤسسات خاصة، أي العائلة والمدرسة والكنيسة وما يسمّيه «العلاقات الاقتصادية»، أي القطاع الخاص. ويعرّف الدولة بأنها شبكة من النشاطات العملية والنظرية لا تكتفي الطبقة الحاكمة بواسطتها بتبرير سيطرتها والمحافظة عليها فقط وانما تعمل ايضا على كسب الموافقة النشطة من المحكومين. وتشكل هذه الاخيرة «الخنادق الخلفية» للدولة، بالمقارنة مع «خنادقها الامامية» المكونة من ادوات السيطرة العسكرية والأمنية والقانونية. على ان التمييز بين النطاقين – المجتمع المدني/المجتمع السياسي – تمييز منهجي وليس عضويا. فكلاهما مندمج، في «الدولة المندمجة» التي لا تمارس نشاطات سياسية فقط بل اجتماعية واقتصادية وأخلاقية ايضا.

تمارس الدولة السيطرة او القسر بواسطة الأجهزة العسكرية والأمنية، وبالقوانين ايضا. ولا يجور الاستهانة بالقوانين بما هي «القوة الصامتة»، كما يسمّيها بيري اندرصن، في عملية القسر. اكتب في وقت يكتشف فيه كثير من اللبنانيين، ومن المشاركين في انتفاضة ١٧ تشرين، أهمية تلك القوة، في غيابها – غياب قانون محاربة الاحتكار؛ وقانون «تضارب المصالح» الضروري لكافحة الفساد مثلا– كما في حضورها في مبدأي الاقتصاد الحر والملكية الفردية المكرّسين في الدستور والقوانين. وقد إستخدمتهما الاوليغارشية الحاكمة، و”مثقفوها” – من خبراء، ومستشارين، واعلاميين، الخ. – على أوسع نطاق للدفاع عن امتيارات أصحاب المال والسلطة. فبإسم الاقتصاد الحر، دافع هؤلاء عن “حق” أصحاب المصارف وكبار المودعين بتحويل اموالهم الى الخارج، وباسم الملكية الفردية يحارَب مطلب «قص الشعر» لاموال أصحاب المصارف وكبار المودعين، وبإسم مبدأ المساواة بين اللبنانيين تُرفَض الضريبة على الثروة او الضريبة التصاعدية على الدخل، الخ.

الواسطة الثانية هي الهيمنة، hegemonia أي ممارسة النفوذ الثقافي، او القيادة، من خلال منظومة افكار تشكل خلفية السيطرة الطبقية. وبواسطتها يتحول فكر الطبقة المسيطرة الى رأي عام او «حسّ مشترك» يؤمّن طواعية واسعة من المحكومين للسيطرة الطبقية. وجدير بالذكر ان غرامشي اخذ المفهوم عن لينين ووسّعه.

يدعو غرامشي الطبقة الطامحة الى السلطة – وهي عنده الطبقة العاملة وحلفائها – الى ان تمارس هي ايضا الهيمنة الثقافية، قبل استيلائها على سلطة – بأن تبلور نظرتها المميزة للحياة والعالم، أي فلسفتها، وان تخوض الصراع ضد الهيمنة الثقافية للطبقة المسيطرة داخل المجتمع المدني بتوليد ثقافة مضادة وبديلة. وهو يذكّر الطبقة الصاعدة بأن الحفاظ على مواقعها، بعد استلام السلطة، يستلزم الإستمرار في ممارستها لدور القيادة، والنفوذ الثقافي، الى جانب ممارستها القسر.

على ان النضال لكسب الهيمنة الثقافية داخل المجتمع المدني ليس بديلا عن النضال من اجل استلام السلطة ولا هو يعادل تلك العملية. ولم يؤثر غرامشي واسطة على أخرى. يتعلّق الامر عنده بلحظتين مختلفتين من لحظات الصراع يميّزهما بالتعبير العسكري: «حرب المواقع»، وهي الصراع داخل المجتمع المدني وبناء المواقع فيه؛ مقابل «حرب الحركة/المناورة» أي المجابهة المباشرة والسعي للاستيلاء على السلطة. يعتمد كل الامر على توازن القوى بين قوى الثورة وقوة الدولة. وكما ورد أعلاه، دعا غرامشي الى اعتماد أسلوب «حرب المواقع»، العام ١٩٢٢، وتعبيرها آنذاك النضال البرلماني، كاجراء «دفاعي»، في وجه صعود الفاشية ومن اجل الاخذ يعين الاعتبار قاعدتها الشعبية. ولكننا لن نجد لديه ما يدعو الى الاعتقاد بأن «حرب المواقع» بديل دائم عن «حرب الحركة/المناورة». ولا هو توهّم بإمكان إجبار سلطة طبقية على الانسحاب من خطوطها الامامية الى خطوطها الخلفية. والحال ان العكس هو ما يحصل عادة عندما تحتدم الصراعات الاجتماعية والسياسية.

غرامشي داعية ثورة على النظام الرأسمالي للانتقال الى مجتمع اشتراكي. من خلال خوض الصراع الطبقي بأوجهه المختلفة، بما فيها الثقافية والسياسية. والثورات في تعريفه حركات شعبية تسعى للتحويل الجذري في السلطة والمجتمع. لكن حصيلة ذلك السعي تعتمد على القوى التي تقوم بها وعلى توازنات القوى التي تنتجها وعلى اهداف عملية التغيير واتجاهاتها. ومن منوعاتها «الثورة السلبية» التي بها يصف النهضة القومية الايطالية بما هي عملية تحويل تمّت دون مشاركة جماهيرية فاعلة؛ و«الثورة-الردّة»، التي تسمّى عربيا «ثورة مضادة»، اكانت حركات دفاع بالقوة عن نظام امر واقع قائم، او حركات ارتداد عن النظام، بالسعي للعودة الى نظام سابق عليه، وقد يكون نظاما افتراضيا ينتمي الى مرحلة تاريخية منقضية، كما في مشروع استعادة الخلافة الإسلامية مثلا.

ومن مساهمات غرامشي في نظرية الثورة تمييّزُه بين اللحظة السياسية واللحظة العسكرية. فلكل منهما منطقه وادواته واساليبه وعقباته وعواقبه، والانتقال من الواحدة الى الاخرى إنتقال نوعي استراتيجي وليس مجرد انتقال ظرفي او تكتيكي. لكنه يشدّد، في المقابل، على أهمية اخضاع العسكري دوماً للسياسي والقيادة العسكرية للقيادة السياسية.

٣-الفوارق الاجتماعية غير الطبقية

تأسيسا على تجاوز غرامشي الاختزالية الطبقية، يتعرّض لثلاثة أنماط من التناقضات والفوارق الاقتصادية-الاجتماعية: تفاوت النمو بين المناطق الجغرافية؛ التناقض بين المدن والارياف؛ ثنائية العمل الذهني والعمل اليدوي. وهي ثنائيات عمل غرامشي على ابراز ما يترتّب عليها من مترتبات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية الامتيازات من جهة والحرمانات من جهة اخرى.

–التفاوت المناطقي: يولي غرامشي اهمية خاصة لتفاوت النمو بين شطر«ي ايطاليا: شمال مصنّع وجنوب زراعي. وهذا الأخير موضوع انتاج غزير لدى غرامشي. على انه ليس يؤجل حل «المسألة الجنوبية» الى ما بعد انتصار الاشتراكية بل يرى الى التنمية المناطقية المتوازنة وحل المسألة الفلاحية بما هما الحل الوطني الذي يعزز وحدة إيطاليا. وفي السياق ذاته، رأى الى ان التفاوت يستوجب التحالف بين الطبقة العاملة الصناعية الشمالية والفلاحين والوسطى والمثقفين الجنوبيين، بما هو الشرط الحيوي لقيام قوة تغيير قادرة على تجاوز الرأسمالية.

وغني عن القول ان هذا الاستدراك الجغرافي غير قابل للاستخدام من اجل إحلال التفاوت الجغرافي محل التراتب الطبقي كما هو حاصل في عديد من ادبيات المنظمات الاقتصادية والتنموية الدولية التي تُحِلّ قياس الفقر محل قايس التفاوت في توزيع المداخيل والثروات، وتنسب حالة الفقر الى التفاوت الجغرافي-المناطقي.

– المدينة والريف: هذا التفاوت ليس متطابقا مع التفاوت المناطقي. عل انه نقطة الانطلاق المنهجية الضرورية عند غرامشي لدراسة القوى الدافعة الاساسية للتاريخ الايطالي. وقد كتب صفحات لامعة في الدراسة العيانية للطبقات والشرائح والقوى الاجتماعية وتعبيراتها السياسية والثقافية لدى طرفي تلك العلاقة: التمييز في المدن الايطالية بين مدن صناعية ومدن خدمية من جهة، والتركيز على المسألة الفلاحية بصفتها المحور والمحك في عملية التوحيد القومي من جهة اخرى. ومما كشفه تحايل الطبقات الحاكمة على حق الفلاحين في الارض بإطلاق الحلم بتمليكهم الارض في المستعمرات – ليبيا والحبشة وإرتريا، وسواها – وبتحويل جموع فلاحية الى مستوطنين للسيطرة على سكان المستعمرات او الى وقود للحروب الاستعمارية.

-المثقفون. يتعاطى غرامشي مع المثقفين كفئة بتعيين وظيفتهم الاجتماعية بما هي ادوار الضبط والربط والتأويل، اذا جاز التعبير، والتمثيل، القائمة كلها على العمل الذهني مقابل العمل اليدوي. ولا يقتصر الامر عنده على التمييز بين «مثقفين تقليديين» مرتبطين بالطبقات القديمة و«مثقفين عضويين» اكثر تعبيرا عن الطبقات الصاعدة (اكانت البرجوازية او الطبقة العاملة). ومهمة هؤلاء الاخيرين بلورة نظرة شاملة للحياة والعالم لتلك الطبقة في صراعها من اجل الهيمنة والوصول الى السلطة. الى هذا، يحلل غرامشي تفاوت الادوار التي يؤديها المثقفون تجاه الطبقات الاساسية (المحامي تجاه الفلاحين في الجنوب، والكادر الصناعي تجاه العمال في الشمال). وليس يتغاضى، اخيراً، عن حقيقة الامتياز الطبقي-الاجتماعي-القيمي الذي يحملهه العمل الذهني على حساب العمل اليدوي.

Themes
Political Economy History Sociology
Countries
Italy Lebanon
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Socialism Political Economy History Intellectual History Marxism Political Theory Left Politics Gramsci

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.