Back to Publications
Publications Memoirs

Our Lady of the Dhofari Rocks

From Dhofar, what remains is not the slogan but the image: an unnamed woman on the rocks becoming an icon of revolution, poverty, and veiled hope.

سيدة الصخور الظفارية

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

سيدة الصخور الظفارية

سيدة الصخور صورة

كان علينا أن ننحدر على تلّةٍ صخريّةٍ مسلّطة فوق البحر العربي لنصل إلى حيث أطفال أشباه عراة يلعبون على مصطبةٍ أمام كهف. ألقينا التّحية على امرأتين تقعيان في الكهف فيما باشر المرافق الحديث معهما. أخذت الكبرى التي كانت ترتدي ثوبًا أسود تشرح أمرًا ما على أمل أن يترجمه المرافق للزّملاء الأجانب وهي تكثر من وضع يدها على صدرها. سوف نفهم عمّا قليل أنّها مصدورة وكانت مقتنعة بأنّ الزوار وفدٌ طبي.

هي القصة إياها: قصّة الغريب والمرض والدّواء. يسود الاعتقاد بأنّ الغريب يحمل الأمراض أو ينقلها فإذا به، في انقلابٍ سحريّ للأمور، يصير هو الشّافي من المرض. لم نكن وفدًا طبّيًّا. كنّا وفدًا من المناضلين والصّحفيين العرب والأجانب يزور المنطقة الغربيّة المحرّرة من ظفار بدعوةٍ من “الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل”. وللمرّة الألف في تلك المرحلة، ندمنا لأنّه لم يخطر في بالنا أن نصطحب طبيبًا أو ممرّضةً في بعثتنا الصّغيرة. فماذا عسانا نقول للمصدورة؟ نعتذر عن كوننا لسنا بأطبّاء؟ فما نفعنا بالتّالي؟ أم نعطيها بعضًا من الحبوب التي نحمل والتي لا صلة لها من قريب أو بعيد بما تحتاج إليه؟

كانت أدوية حملها قوم قادمون من بلاد الحضر لاتّقاء ما قد يدهمهم من مفاجآت في تلك الرّحلة الثورية الأنثروبولوجية. حملوا المراهم النّابذة للحشرات والمقوّيات للتّعويض عن النقص الغذائي المتوقّع. فقد أخذ الطّعام يشحّ كلّما ابتعدوا عن مراكز الحضارة. بدأوا بمحتويات المعلّبات من خضرة وفاكهة وعصير، ثمّ استمتعوا بوجبة حَنيذ، شرائح لحم الضّان مشويّة على حصاة البحر الملقاة فوق الجمر. وفي الأيام التالية، حلّ قديد لحم البقر المجفّف في الشّمس محل الحنيذ، يُطهى مع الأرزّ ويقدّم حارًّا لدرجة أنّ القوم كانوا يفرغون من الأكل والضّيوف لم يلتقم أي منهم لقمته الأولى. حملوا أيضًا حبوبًا لتطهير المياه، إذ كان عليهم أن يشاركوا الدّواب والماشية الورود إلى الآبار المتباعدة الشّحيحة المياه. كذلك حملوا حبوب الكينا اتّقاءً للملاريا والأدوية المضادّة لسموم العقارب والأفاعي. فقد حذّرهم الصديق الّذي سبقهم إلى تلك المغامرة، ولم يكمل رحلته: “الثعبان، قال، إياكم والثّعبان. ليس العدو في ظفار هو بريطانيا الكبرى، إنما هو الثّعبان العظيم”. أخذ الزّميل البريطاني يهجس بالأمر منذ أن غادروا أراضي اليمن الديموقراطية وشرعوا يتسلّقون جبال ظفار الغربية الوعرة عند “رأس ضربة علي”. فأكثرَ من الاستفسار عن الأفاعي. “لا تخف، يا رفيق، إن الثعابين نمورٌ من ورق”، طمأنه المرافق الذي كان يجد لكلّ مناسبةٍ قولاً مأثورًا من أقوال الرفيق ماو. فذهبتْ مثلاً. لكن أقوال الرفيق ماو، على فاعليّتها في تلك الأيام في استصغار الأعداء الإمبرياليّين والطبقيين، وشحذ الهمم الثوريةـ لم تبدّد المخاوف من الأعداء الامبرياليّين والطّبقيين وشحذ الهمم الثّورية لم تبدّد المخاوف من الأعداء الطّبيعيين. وسرعان ما تبيّن لهم أنّ نمور الورق الظّفاريّة تلدغ وتميت. في أوّل تجمّع حلّوا به، ألْفوا الشاب الوحيد يستشفي من لدغة أفعى. نقول الشاب الوحيد لأنّ الباقين كانوا على الجبهة يقاتلون. عالج اللّدغة بالطرق التّقليدية بشقّ الموضع بالسكين وامتصاص السّم ثمّ بصقه. وعندما التقوه كان بالكاد يقوى على المشي، والثّقب العميق ظاهرٌ في كاحله. نظّفوا له كاحله وأعطوه الدّواء المضادّ للسم. وقضوا الليلة متحلّقين حول نارٍ كبيرةٍ يتندّرون ومضيفتهم قصص الأفاعي والحيّات. وقصص الحيّات والأفاعي تطول. وكانت مداواتهم الملدوغ المهمّة الطبية الأولى والأخيرة التي نفّذها الوفد خلال تلك الرّحلة. وظلّوا يستفسرون عن الملدوغ طوال الرّحلة وهو يتأرجح بين حياةٍ وموت.

كنّا نحمل كلّ الأدوية ولم نكن نحمل العقار اللّازم للمصدورة ذات الثوب الأسود. أنقذَنا المرافق من الحيرة والتّساؤل عندما ورد في حديثه الأمهري المُمَوْسق كلمة “رفاق” فأدركت المرأة أن لا خير- صحّيًّا على الأقل- يرجى من الزوار، فصار بالإمكان أن نتحادث بحرية.

انتقلنا معًا إلى المصطبة فكان أوّل اكتشافٍ لنا في الطب الشعبي أنّ كل ما يملكه القوم ضدّ السل وسائر الأمراض الصّدرية الواسعة الانتشار هو الكّي. وقد يكون الكيّ آخر الدّواء في حكمة العرب إلا أنّه نادرًا ما يكون الدّواء الشافي في تلك البلاد.

سألْنا عن الأطفال.

•– لِكِلينا، قالت الكبرى.

والأزواج؟ علمنا أنّ زوج الكبرى يعمل في الخليج.

•– وأنتِ؟ سألنا ملتفتين إلى الصّغرى. وعندما أدركَت أنّ السّؤال موجّهٌ إليها قهقهتْ ورفعت النقاب المريمي إلى وجهها. لماذا لم تجب عن سؤالنا؟ هل هي مطلّقة وتخجل من ذلك؟ مسافحة؟ غير ذات بعل؟ عشيقة أحد قياديّي الجبهة في غياب الزّوج الغائب؟ ضجّت الأسئلة في رؤوسنا. أم تراها تمازحنا ليس إلا؟ تسخر من جهلنا بعادات أهل البلاد والتّقاليد. أم ماذا؟ وهكذا إذًا، تقهقه وتسدل النّقاب المريمي على فضولنا الصحفي. وممّا زاد الأمر غموضًا وإرباكًا أنّها حالقةٌ غرّة شعرها، دليلٌ على أنها ثِيب أو ذات ولد، لكنّها لا تضع في أنفها المنخس الذهبي الّذي يدلّ على أنها ذات بعل.

تحلّقنا نواصل الحديث، كأنّما لنعلن أنّ تحرّياتنا في الحال الشخصي للصّغرى قد أفضت بنا إلى حلقةٍ مفرغة. وأخذنا نفرط ثمر التّمر الهندي التي قطفنا خلال المسير. وذات الثّوب الأسود تخضّها في قربةٍ من جلد شاةٍ فيها بقيّة من ماءٍ ثمينة، فيروي الشّراب المنعش عطشًا يلحّ علينا منذ الصّباح. من الأمراض الصّدرية، انتقل الحديث إلى توليد الأطفال. سألنا الكبرى، إذا لم يكن لديكنّ أطباء، كيف تتدبّرن أموركنّ للولادة؟ ألديكنّ قابلات؟ أو من يلعب هذا الدّور؟ ابتسمت ابتسامةً عريضة وأخذت تروي باعتزاز كيف أنّ امتحان “أنوثة” المرأة يكون عندهم يوم الولادة. فعندما يبدأ الطّلق، تنزوي الحامل عن سائر الأهل في مكانٍ تجمع فيه كومة تبن أو قش وتقعي فوقها لتلد. تلد قاعيةً كما في لوح الواسطي الشّهيرة. لكن على عكس ما في لوحة المصوّر العباسي، فالمرأة الظفارية المعاصرة لا تستعين بأحد. تقطع بنفسها حبل السرّة بين حجرين أو بواسطة سكّين. ويقضي العرف أن تعود مشيًا على الأقدام حاملةً المولود الجديد. وينظر القوم إلى المرأة التي تستعين بسواها للولادة على أنّها ضعيفة وتعيّرها سائر النسوة على نقص أمومتها. ولكن، استدركنا مستهجنين، لا بدّ أنّ ثمة نساء يمُتنَ خلال الوضع وبعضهنّ يلدن أطفالاً موتى. بديلاً عن الجواب، رنَت إلى السّماء فوق البحر كأنّها تواصل معها حديثًا بدأ منذ بداية البشريّة.

الآلة التي التقطت هذه الصّورة حملتها يد من يصوّر لأوّل مرّةٍ في حياته. كانت آلة تصوير يابانيّة صغيرة استعارها من صديقٍ في بيروت على أمل أن يعود بشواهد بصريّة عن ثورةٍ منسيّةٍ في الطرف الجنوبي من الجزيرة العربية. “هاك، أيها العالم الذي لا يصدّق”، كان بودّهم أن يصرخوا، “إنّهم موجودون، والشّعب ملتّفٌ حولهم وهم يقاتلون سلطانًا مستبدًّا والعسكر الإنكليزي الذي يدافع عنه. وإليكم البراهين”. الحق أنه كان سلطانًا من النوع الذي لن تجد له مثيلاً إلا في قصص الأقدمين أو منسوجات الخيال. ولأنّه عاش وحكم في القرن العشرين، كان حكمه أشبه بكابوس. حرّم على رعاياه كلّ شيءٍ تقريبًا: التّعليم، ارتداء الثياب الأوروبية وقيادة الدّراجات والاستماع إلى الراديو والسّفر واستخدام الكهرباء… وكان من عادته أن يغلق بنفسه أبواب عاصمته صلالة عند مغيب الشّمس ويمنع التّجوّل فيه ليلاً حتّى طلوع الصبح.

تقول الصورة القليل عن المصوّر المبتدئ، لكنّها تقول الكثير عن الذين يجري تصويرهم. لا يظهر من الكبرى في الصورة إلا الذّراعان. والسبب الأصل لغيابها عن الصّورة يعود إلى اضطراب التّأطير. أما اقتحامها الصّورة بذراعيها دون الوجه وسائر الجسد فتقع المسوؤلية فيه عليها وحدها: التفّت ذراعٌ لها وراء رأس الطفل ذي البثور فيما امتدّت ثانية، لحظة التّصوير، لتستر عورته. فكأنّما عابَها فجأةً أن يظهر عضوه الصّغير في الصورة التي سوف يحملها الزّوار “الأجانب” إلى بلادهم البعيدة. هكذا يحتكم حضور الكبرى بالمشهد كلّه. وعلى الرّغم من الاضطراب الّذي يشوب التأطير، فإنّ ذلك الحضور يكثّف تلك اللّحظة، لحظة اكتشاف المرأة أنّ الطّفل شبه عارٍ وأنّ العري عيب. وها هو الطّفل يرافق حركة يدها التي تشدّ ثوبه فوق عضوه، كأنّما ليؤكّد أنّه كان عليه أن يفطن بذاته لذلك. بينما الطّفل الآخر يشخص بحركة اليدين فوق الثّوب. والمريمية ترى باستسلام ولهوٍ إلى الحركة الفجائية وتبتسم، تبتسم كما فعلت طوال الزّيارة. تبتسم ولا تنبت ببنت شفة.

هي مجرّد برهة زيارة استغرقت ما لا يزيد على الساعة من ضمن رحلةٍ لمدّة شهر إلى بلدٍ ناءٍ بدائيّ من الوطن العربي الكبير في أحد شهور العام 1970. وراء آلة التّصوير عينٌ تتعلّم للمرّة الأولى أن تسجّل لحظات وآثارًا على الورق الحسّاس الذي سوف يصير صورةً فوتوغرافيّة. صاحب العين صحفي ملتزم يتردّد لأنّه لا يريد أن يضع بينه وبين شعبه تلك الآلة التي تحوّل علاقات الانتماء القومي الواحد والرّفقة النضالية في معركة مشتركة إلى بُعاد مصطنع بين مصوِّر ومصوَّر، بين مشاهد حيادي ومَشهد. أمام آلة التّصوير امرأتان وبضعة أطفال في منطقة ثائرة في زاوية منسيّة من الجزيرة العربيّة يتعلّمون للمرّة الأولى “أدب” الوقوف أمام تلك الآلة السّحريّة القادمة من البلاد البعيدة، وقد تنبّهت إحداهنّ، لحظة التقاط الصّورة، إلى أنّ الفقر عيب وأنّ العري عيب ولو كان عري الأطفال.

خلال الزّيارة ولفترةٍ طويلةٍ بعدها سوّلت لنا أنفسنا بأنّ الأم غير ذات بعلٍ إنّما هي مثالٌ ساطعٌ على تحرّر المرأة في ظفار. خلطنا بين ما يتيحه موقع المرأة في مجتمعٍ رعويّ بدائيّ وبين تحرّرها على قاعدةٍ من التّقدّم الاقتصادي والاجتماعي والثّقافي الحديث. فيا لسذاجة اليسراويين، مرضُهم العضال أنّهم ينظرون حيث لا يحتاج الأمر لأكثر من مجرّد النّظر.

ولكن عندما أخذنا نمعن النّظر في الأمر، ازداد وضع الأم الشابة إلغازًا. اللّهمّ إلا ما يوحي بالحبَل بلا دنس. على أنّ عبقرية الناس في تدبير أمور معاشم ومصاعب الحياة أشدّ إثارةً للدّهشة والإلغاز من سرّ الحبل بلا دنس. ومهما يكن، هل أنّ “الخَتَلة” بعيدة إلى هذا الحدّ عن الحبل بلا دنس؟ بعد سنواتٍ عديدةٍ على زيارته إلى تلك البلاد، سوف يسمع بالخَتلة. عندما يولد ولدٌ لامرأةٍ في غياب زوجها، يقولون إنّ المولود يُخاتِل. أي يرفض النّزول من رحم أمّه في موعده. وقد يظلّ الطّفل يخاتل لسنتين بعد غياب الأب. يهاجر الأزواج إلى بلاد الخليج بحثًا عن الرّزق. فكثيرًا ما يهجّ الشباب هربًا من الفقر ومن أجل تجميع المال اللازم لإيفاء العم، أبي الزوجة، المهر. لم يكن المهر قيدًا على المرأة فحسب بل كان قيدًا على الرّجل أيضًا. فرُبّ شابٍّ يُرتهن لسنوات طويلة بل قل مدى الحياة بسبب المهر الباهظ. وتُدفع أعلى المهور للأبكار ثم يأخذ المهر بالتّدني بمقدار عدد زيجات المرأة. والمرأة تتزوّج مثنى وثلثًا وربعًا وعشرًا ولا تعدل يحميها عقد النّكاح الذي ينعقد بين الأسرتين والعشيرتين والمتصاهرتين. فتُناصرها أسرتها أو العشيرة عند طلبها الطلاق. وكان الإجراء الأبرز الذي اتّخذته الجبهة في مضمار تحرير المرأة من قانون القبيلة هو إلغاء المهر. ولكن بقي سؤال: من يراقب تطبيقه دون تحقيق انقلابٍ فعلي في القيم السائدة؟

مضى أكثر من عقدٍ ونصف العقد من الزّمن على هزيمة ثورة المحرومين في ظفار. خلال أعوام، تضافر للقضاء عليها هجوم القوات الإيرانية والبريطانية والأردنية مع الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الثوار أنفسهم وخاصّةً عجزهم عن التكيف السريع مع المستجدّات التي رافقت حلول السّلطان قابوس سلطانًا محلّ أبيه سعيد بن تيمور. ولو قدّر لها أن تنجح لكانت أسهمت في تغيير وجه المنطقة ولعلّها كانت أغفتها من أخوال ومباذل ما سمّي بالحقبة النّفطيّة. ولعل ولعل. وكلّ العلّة في الـ”لعلّ”.

وماذا تبقى لك؟

الرّحلة البحرية في مركب الجبهة “صوت الشّعب” ووجبة السمك مع التّمر، والرّشاش من أيام ما قبل الحرب العالمية الأولى تشاهده عادةً في أفلام رعاة البقر يجري تبريده بوساطة الماء والرّشاش الذي هوى على بُعد سنتمترات قليلةٍ من رأس رفيق السفير البريطاني المستلقي تحته عندما تماوج المركب الذي قصفته طائرات الهوكر هنتر البريطانية بعد أسابيع من زيارتنا فابتلع البحر العربي “صوت الشعب”.

بقرات عجاف تقتات سمك الساردين (الوَزف) لنُدرة الكلأ وشلْعات الماعز الأليف خارجة للتّو من “نشيد الإنشاد” للملك سليمان ترعاها النساء فيما الرجال لا يرعون إلا الإبل وتتعثّر سفائن الصّحراء في مشيها الوئيد في العقبات والشعاب والقوم يمانعون في استخدام الحمير والبغال لدونيّتها في المقام ولو أنهم فعلوا ما نصح به الخبراء العسكريون الأميركيون مجاهدي أفغانستان لحقّقوا قفزة نوعيّة في تجهيزهم اللوجستي.

طقوس اللقاء والتّعارف حسب عادات القبيلة الجميلة تتواجه القافلتان صفّين متقابلين على مسافةٍ معقولةٍ تسمح باستخدام السلاح إذا لزم الأمر.

– خُبور (ما الأخبار)؟

– وتنحبس الأنفاس إلى أن يأتي الرد:

– خُبور خبر.

– معلنًا الطابع السلمي للّقاء، فيباشر الجميع تبادل التحيات مع الجميع. كلٌّ يخاطب الذي يواجهه في دوامة من عبارات المجاملة والاستفسار عن الأحوال والأعمال والأموال والأعراض. ثمّ يأتي دور تبادل القبلات بتلك الطريقة الأنيقة: يتجانب فيها الرّجلان ويضع الواحد يده على كتف الآخر في عناقٍ خَفرٍ مشحونٍ بالكبرياء وجهًا إلى كتف.

مبيت اللّيلة الأولة في ضيافة سكان كهف من أهل الرعي في مضافة مصنوعة من أغصان الشجر اليابسة تلاصق حظيرة الحيوانات والضيوف أرِقون الليل بطوله بين خَوار الماشية وصوت بولها والرّوث يتساقط على قاب قوسين أو أدنى من رؤوسهم وهم ينصتون ولا يصدّقون إلى شهيق ربّ البيت بل قل رب الكهف يجامع زوجته في الفلاة تحت ضوء القمر.

ضوء القمر الفضي تسبح فيه “جبال القمر” نَجوزُها وسط أشباح أشجار اللُّبان (البخور) في البلاد التي سمّيت على اسم البخور مثلها كمثل لبنان. وفي الصباح نصل مدرسة محو الأمية في شيْروس شمال رَخْيوت في الطريق إلى شَعْبوت تحوم فوقها المقاتلات البريطانيات والنسوة الأربعون يتعلّمن القراءة والكتابة بالعربية.

وفي مدرسة الثورة تخبرك أمينة (14 سنة) ابنة أسرة الأرقاء الأفارقة كيف هربت مع أخيها من صلالة وظلّا في البحر ثماني ساعات طافيين على إطار سيارة قبل أن يتمكّنا من بلوغ الشاطئ الأمان وتشدّ أمينة بقبضتها على بندقية السميونوف وتكزّ على أسنانها وهي تقول هربنا من الظلم والاستعباد سمعنا الناس تقول في الجبل جبهة اشتراكية عرفنا حقوقنا وطلعنا الجبل وتتدخّل رفيقتها طفول (15 سنة) ابنة أسرة من الرعاة لتحدّثك عن ضرورة إلغاء المهر حتى لا تبقى المرأة تشرى وتباع مثل الغنم.

الرفيق أحمد علي ستظل تتذكّره باسمه المستعار مع أنهم نشروا اسمه الصريح عندما قتل- وزوجته حامل بطفلها الأول- سقط أحمد علي في الحزْم عند سفح “الجبل الأخضر” حيث وُلد وترعرع لأسرةٍ من العمال الزراعيين. وكان أحمد كلما زار بيروت يصرّ على مرافقتك في حملات الدعاية والتّحريض بين العمال الزراعيين والفلاحين في سهل عكار الثائرين ضدّ ظلم البكوات وعنفهم ويصرّ على المشاركة في الحديث غير آبهٍ بالمسافة بين عُمان ولبنان غير مكترث لعقبتين تعقّدان مهمّته أيّما تعقيد: لهجته العُمانية وتأتأة مزعجة تنتابه عند أدنى توتّر عصبي. فكانت البداهة عنده أن الفلاحين في كل العالم يتكلّمون لغةً واحدة عندما يتعلّق الأمر بالأرض والحق والعدالة، فكيف بالفلاحين العرب.

وصارت التأتأة العلامة الفارقة لأحمد علي في سجلات الأمن والاستخبارات وكادت أن تشي به عندما عاد سرًّا إلى البلاد للإشراف على إعادة بناء التنظيم يقاوم تأتأته بالإرادة الجبارة ويتناول حبوب الفاليوم في المطارات أو عند حواجز التفتيش وحتى تعرّف إليه عنصر مخابرات في إحدى التظاهرات فاضطرّ أحمد علي إلى قتله بطعنة سكّين وظلّ يشعر بالذّنب على فعلته. يتحدّث عن الأمر وتدمع عيناه.

هل دمعت عيون الجنود عندما قتلوا أحمد علي؟

كل ما تبقّى لك مكثّف في تلك اللّحظة المسجّلة آثارها على وريقة حساسة للضّوء عندما زلّة فرويديّة من آلة التصوير بين يديك صوّرت لك راعيةً شابّة على شاكلة مريم العذراء في لوحة ليوناردو دافنشي فتحوّلت صورةٌ فوتوغرافية إلى أيقونة حمَلتْها لسنين وحمتها من دمار الحروب وبدد المنافي وأنت لست تعرف من صاحبتها حتى الاسم وهي تحتجب دونك بالنقاب المريمي وبسرّ “الختلة” فيما أختها الكبرى تسارع إلى ستر عورة طفل على رأسه بثور لم تشملها رعايتك الطبية في حينه فلا جدوى من محاولة التكهّ عنها الآن.

وكان ذلك المنحدر الصخري المسلّط فوق البحر العربي في الجبال الغربية من أرض البخور التي تحدّثت عنها الزّبور القديمة.

وهذا ما تبقّى لك بشرات بلون البخور يحرقها وهج الشمس
رئاتٌ مصدورة بالسل أعضاء تناسلية للفقر وأحلام الصبي الملقاة على الصخور نُذُرًا لسيدة الصخور مريم حرياتنا المحتجبة

Themes
Anthropology History
Countries
Yemen Oman
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Autobiography & Memoir Resistance Arab Left Yemen South Yemen Dhofar

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.