Back to Publications
Publications Articles

The Magic of Naming and the Illusion of Maps: "The Lions' Building" in Beirut and the Sykes-Picot "Promise"

The "Lion Building" has no lions and "Sykes-Picot" is not the partition map — naming is the power of erasure. Naming kills.

سحر التسمية ووهم الخرائط “بناية الأسُود” في بيروت و”وعد” سايكس-بيكو

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

سحر التسمية ووهم الخرائط

“بناية الأسُود” في بيروت و”وعد” سايكس-بيكو

فواز طرابلسي

البناية

كنت وصديقة في سيارتها أرشِدها الى كيفية الوصول الى منزلي في حي الوتوات. اشرت عليها ان تتجه نحو بناية “الاتحاد الوطني” بعد “حديقة الصنائع”، مطلع “شارع سبيرز” ثم تنعطف يمينا. قالت: أي. اعرفها. انها بناية الأسُود. قلت لها حين نصلها، القي نظرة على الأسود. كم دُهِشتْ لما شاهدت في واجهة البناية تمثالين متماثلين لامرأتين عاريتي الصدر والى جانبها كل واحدة غزالان.

امضيت القسط الاوفر من حياتي في رأس بيروت وفي ذاكرتي ان تلك البناية اسمها “بناية الأسُود”. امرّ قربها في الاياب والمجيء وأزور فيها مكاتب دار رياض الريّس، صديقي وناشري. ومع ذلك لم يدفعني الفضول للتحري عن المفارقة بين اسم البناية ومشهد التمثالين على واجهتها. علّني افترضت، كما كثيرين، انها واجهةً جديدة حلّت محل واجهة تجسد أسوداً كاسرة.

عدت للتفكير في “بناية الأسود” وانا اقرأ مخطوطة الصديق جاد ثابت عن سيرة ابيه المعمار اللبناني اللامع أنطون تابت الذي صمم البناية. اكد لي جاد وارفق التأكيد بصورة فوتغرافية ان الواجهة قائمة بشكلها الحالي منذ العام ١٩٥٣ والتمثالان من صنع النحّات الفرنسي ماريوس جان دورييه (١٩١٤-٢٠٠١) الذي سكن لبنان لفترة ونحت أيضا نصبا لشهداء الجيش اللبناني.

منحوتة اليمين تمثل الهة بحرية شعرها معقوص مثل صدفة بحرية، عارية النهدين، وعلى باقي الجسد موج او غلالة شفافة، تستلقي على صدفة كبيرة تحمل باليد سمكة وقربها حيوان بحري وقوقعة ونورس. وتمثل منحوتة اليسار الهة رعوية، تحمل تفاحة، متجرّدة من رداء لا يستر عريها وحولها غزالتان او عنزتان.

نحن هنا حيال عنصر في الذاكرة الشعبية لأهالي منطقة رأس بيروت، وما يتعدّاهم، عمرها سبعة عقود ونيّف من الزمن. تحول الاسم الى لقب واسدل اللقب حجاب الحياء الجمعي على مشهدٍ عري عومل كعورة واستبدلت الانوثة فيه بالذكورة الحيوانية الضارية.

التسمية كائن أيديولوجي نادرا ما نأبه به وهو أشد العناصر الايديولوجية مواربة وتدليسا ونفوذا. ان نسمّي الشيء يعني ان نعيّن له هوية ومرجعا ونَسَبًا وطبيعة وجوهرًا. وقوة التسمية نابعة من البداهة، فالتسمية ليست بحاجة الى برهان. زيد هو زيد وعمرو هو عمرو. تلقّب زيد “أبو خالد” فها انت تؤكد على ذكورية الرجل الذي ينجب الرجال.

وهكذا في حالتنا حيث التسمية تحول مشهدا بصريًا حقيقيا الى مشهد افتراضي بديل كانما تتوسل من المارين والمشاهدين انكار ما يشاهدونه او التواطؤ على عدم التطابق بين اسم البناية ومشهد مدخلها. لنسمّ الامر غض نظر. ينطوي على مقدار من التواطؤ بحيث ان كثيرين لا يتوانون عن وليس يخلو الامر من

بين خريطتين

ما العلاقة بين “بناية الأسود” في بيروت واتفاقية سايكس بيكو الواردة في عنوان المداخلة؟

التسمية.

فلنقارن بين الخريطتين.

فكما ان “بناية الأسود” في رأس بيروت اسم لغير مسمى فإن “اتفاقية سايكس بيكو” تختصر بخريطة ليست هي خريطة تقسيم المشرق العربي. اسم ” اسم الاتفاقية التي جرى التوقيع عليها بين ٩ و ١٦ أيار ١٩١٦ هو “اتفاقية آسيا الغربية”. فاوض عليها المذكورتن ووقعا الخريطة لكن التوقيع الرسمي تم بأقلام وزيري خارجية بريطانيا وروسيا غراي وسازانوف وسفير فرنسا في لندن، كامبون. كان الغرض أساسي من الاتفاقية هو تثبيت وعد بريطاني-فرنسي بمنح الشريف حسين دولة عربية في سورية مقابل إعلانه الحرب ضد العثمانيين. وهذا مثبت في المادة الاولى من الاتفاقية. والاتفاقية مسجّلة في أرشيف الدول المعنية باسم “اتفاقية آسيا الغربية.”

تنتمي الاتفاقية وخريطتها الى الاتفاقيات التي عقدها الحلفاء لتشجيع الانضمام اليهم. فوجود وزير خارجية روسيا بين الموقّعين ناجم عن اتفاقية مع الامبراطورية الروسية العام ١٩١٥ يعد فيها الحليفان بمنحها القسطنطينية. ومن تلك الاتفاقات وعد الحليفين لإيطاليا بمنحها السيطرة على القسم الجنوبي من تركيا وصولا الى البحر بما فيه عدد من الجزر والنفوذ على انقرة والاناضول.

على ان عدا تثبيت الوعد تتضمن الاتفاقية توزيعا اوليا لمناطق النفوذ والسيطرة بين بريطانيا وفرنسا. -منطقة نفوذ لفرنسا في الشطر الشمالي من الدولة العتيدة (المنطقة ألف) ومثلها لبريطانيا في شطرها الجنوبي (المنطقة “باء”) -باللون الأحمر منطقة سيطرة بريطانية مباشرة على ولايتي الموصل وبغداد تحت السيطرة البريطانية المباشرة؛

-وباللون الأزرق: شريط ساحلي من كيليكيا واسكندرون شمالا الى عكا جنوبا تحت السيطرة الفرنسية المباشرة. على ان تكون عكا وحيفا منطقة سيطرة بريطانية.

-جرى تسوية الخلاف على فلسطين، اتفق على ان يكون سنجق القدس، منطقة دولية بإدارة مشتركة بريطانية-فرنسية-روسية، وراعية المسيحية الشرقية هنا هي الحليفة الموعودة بالقسطنطينية في حال الانتصار.

سددت ضربة قاصمة لاتفاقية سايكس بيكو مع اعلان بلفور في تشرين الثاني ١٩١٧ الذي مهد لاحتلال الجيش البريطاني للقدس وسائر فلسطين في أواخر ذلك العام. وانعقدت المساومة التي انتجت الحدود الحالية لاقطار المشرق عندما تنازل كليمنصو الفرنسي للويد جورج الانكليزي عن لواء الموصل وعن فلسطين لقاء تنازل الأخير لفرنسا عن سورية. وكرّس نظام الانتداب في مؤتمر سان ريمو، نيسان/ابريل ١٩٢٠ خريطة جديدة للمنطقة مع احتلال الجيش الفرنسي لسورية والقضاء على الدولة العربية فيها، فنشأ على انقاضها “الاتحاد السوري” و”دولة لبنان الكبير” تحت الانتداب الفرنسي. من جهة أخرى، ضم لواء الموصل الى لوائي بغداد والبصرة لتكوين بلاد الرافدين – دولة العراق تحت الانتداب البريطاني الذي شمل كامل فلسطين ايضا. وفي عام ١٩٢١ أنشأ البريطانيون إمارة شرقي الأردن تصل العراق بفلسطين. ورسَمَت اتفاقية پوليه-نيوكومب (١٩٢٣) الحدود بين منطقتي السيطرة الفرنسية والبريطانية، أي بين جنوب سورية ولبنان وشمال فلسطين.

لكننا مع ذلك نلقي النظر الى خريطة العام ١٩٢٠ ونرى فيها خريطة العام ١٩١٦!!

حمل اسم “سايكسبيكو” في الاصل التعبيرَ عن جرح تاريخي فاغر خسر فيه عرب المشرق الاستقلال والطموح الى الوحدة في ذلك العام ١٩٢٠ الذي سمّي حينها “عام النكبة” قبل ان تنتقل التسمية الى عام ١٩٤٨ الفلسطيني. لكن المثير هو كيف تحول الاسم “سايكسبيكو” والانزلاق بين خريطتين الى شيفرة سحرية تتوقع الاحداث والتطورات وتحللها بل تحكم عليها سلفًا بتقسيم غرضه السيطرة او سيطرة غرضها التقسيم وبالحصيلة بأن الجاري هو إعادة رسم الخريطة. كل هذا وخريطة التقسيم للعام ١٩٢٠ لا تزال صامدة منذ قرن ونيّف. ولا من يسأل مرة لماذا لم تصدق تلك التوقّعات وكيف تبددت فزّاعات التقسيم! وترافق هذا النهج مع تقليد عريق هو الخورجة (“حرب الآخرين على لبنان” نموذجًا) يحمّل المسؤوليات للغير وللخارج أو ينسبها الى مجهول، في تبرئة للذات وتبيّض لصفحة الحكام، فالكل ضحايا مؤامرات و«مشاريع» هي بالتعريف قدرٌ مقدّر لا قِبَل لأحد أن يتّقيها، ناهيك عن مجابهتها. فصار الانخداع فضيلة قيادية مثلما الخيبة ميزة قومية.

فهل من مبالغة في القول ان الوعي المناهض للاستعمار لا يزال عالقا في فكر مناهضة الكولونيالية الى أيامنا هذه؟ علما ان صيغة الانتدابات في زمانها كانت طورا جديدا في العملية الاستعمارية وابرز مكوناته الاتكال على نخب وجيوش محلية تابعة بينما تواصل القوى الاستعمارية نهب الموارد والثروات الطبيعية والتحكّم بالمقدرات الاقتصادية. فقد انطوت الاتفاقية على عدد من البنود الاقتصادية والاستراتيجية فالبصرة هي لبريطانيا، ميناء الهند وحارسة مصفاة النفط البريطاني في عبدان، ببلاد فارس، وتوزع الطرفان خطوط سكك الحديد، واحتفظت بريطانيا بحق باء خط سكة حديد بغداد-حيفا، تمرّ باراضي النفوذ الفرنسي، واتفقا على المعاملة بالمثل في مرافيء الساحل السوري.

وقد اورثتنا شيفرة “سايكسبيكو” عمىً عوّارًا في تعيين الاطوار اللاحقة للامبريالية واستراتيجتها في المنطقة وصولا الى طور العولمة النيوليبرالية خلال العقود الاخيرة.

التسمية سلطان

لكن من يسمّي؟ من يمارس سلطة المحو والابدال بواسطة اللغة؟

في بناية “الاتحاد الوطني”، المسمّي مجهول لكنه، فردا او مجموعة، امتلكوا سلطة فرض حجّب العري والانوثة في البناية بواسطة التذكير الحيواني الضاري.

واما التسمية الخرائطية للمنطقة فمحفوظة للأقوياء في الأرض: القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة.

برز اسم المنطقة “المشرق” باكرا في تسميات الرحالة والاكاديميات ثم وزارات الحرب والخارجية الغربية، ثم صار اسمها “الشرق”، وفي الحرب العالمية الاولى، “الشرق الادني”، وسمّيت بعد الحرب العالمية الثانية “الشرق الأوسط”، حين اريد دمج المشرق العربي مع تركيا وايران في مشاريع الاحلاف العسكرية الغربية، ثم ظهر “الشرق الاوسط الجديد” بعد اتفاق أوسلو ومشاريع السلام وضم إسرائيل الى المنطقة. وجاء “الشرق الاوسط الكبير” مع غزو التحالف الغربي للعراق وأفغانستان وقرار ادخال الأخيرة في المنطقة، بعد العدوان بعد إعلان “الحرب الكونية ضد الإرهاب”. خلال تلك الفترة، كان للمنطقة أسماء خاصة بها بوحي من تيارات وحركات الاستقلال والتحرر الوطني ونمو الحركة القومية العربية الحديثة فتسمّت: “العالم العربي”، “الوطن العربي”، “الامة العربية”، و”المشرق العربي والمغرب العربي”. وقد امكن التخلص منها والاستبدال، فلم تأت التسمية الجديدة من وزارات الخارجية والحرب الغربية هذه المرة بل من المؤسسات الاقتصادية الأممية. فبتنا نسمّى “ميناMENA-الشرق الاوسط وشمال افريقيا”.

لقد تطور دور اللغة في الأيديولوجيات ايما تطور بعد انتهاء الحرب الباردة وقيام عالم القطب الواحد فنشأت لغة عالمية تخترق اللغات المعروفة لا يقتصر تداولها على الإنتاج الاكاديمي والاعلام وانما دخلت مع محمولها الايديولوجي الكثيف في الحياة اليومية الكونية خصوصا من خلال الاعلام ووسائل الاتصال المجتمعية.

هي لغة تمحو قدر ما تحول المعاني وتستبدلها بالتسمية، بل انها تبتكر مصطلحات وتعيد تعريف القديم منها – العائد الى الحرب الباردة وحركات التحرر الوطني غبر العالم – او تستبدلها بأسماء اخرى فتغيّر في المعنى والدلالة والموقع والتراتب والقوة والقيمة.

وعلى العكس من ادعاء غياب السرديات الكبرى بعد نهاية الحرب الباردة تنمو من خلال تلك اللغة سرديةٌ شاملة ما علينا الا ان نجمع عناصرها المتفرّقة، من تسميات ومصطلحات وتراكيب، فتتبدّى امامنا كونيةً أحادية وغير مسبوقة.

-من حيث المنهجية او مبدأ التأويل، يطغى في تلك السردية المكان على الزمان، والذاكرة على التاريخ، والسياسة على الاقتصاد، والافراد على المجتمع (لتنذكّر مارغريت ثاتشر: “يوجد افراد لا يوجد مجتمع”) الخ.

في الاقتصاد والاجتماع، حل “النمو” محل “التنمية”. فالأخيرة ابنة الدولة والتخطيط المركزي المرذولين، اما الاولى فمسارات تلقائية تنتج عن آليات السوق وعن فعل الاستثمارات الخارجية.

-“العدالة الاجتماعية” – التي كانت تعني التوزيع العادل للفرص والموارد والثروات – تحوّرت الى “الحماية الاجتماعية”، غرضها الحد من تدهور مستوى معيشة الفقراء وذوي الدخل المحدود نتيجة الآثار الاجتماعية المدمّرة لآليات السوق.

في السياسة: لديك الحوكمة والتعددية بدل الديمقراطية، وحقوق الانسان المختصرة بالحقوق الشخصية والفردية، على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحق الشعوب في تقرير المصير.

وفي عهدة المنظمات غير الحكومية، يتحول المناضل الى “ناشط”، بغض النظر عن وجهة النشاط او هدفِه. وصار “المناضل” militant لقبًا للجهادي و”الإرهابي”.

اختم بمفردة “التطبيع”. اترك لمخيلة القراء التأمل في جدل الشاذ والطبيعي، والمحو والابدال، في مقاومة الشعب الفلسطيني وفي الصراع العربي الإسرائيلي خلال قرن كامل. والفت النظر الى الفارق اللفظي الدقيق بين طبيعة وتطبيع. سلطان التسمية أيضا. وعن التطبيع اختار حادثة واحدة.

الأربعاء ١٣ اذار ٢٠٢٤ طفل فلسطيني يحتفل بحلول شهر رمضان وهو يلوّح بلعبة نارية (فتّيشة). تقتله رصاصة في القلب من قنّاص على برج مراقبة خلف جدار العزل. يهرع بن غفير وزير الشرطة لتهنئة افراد الشرطة. ويعلن للصحافة: لن يكون تحقيق في الحادثة. سأعمل على تكريم الفاعل بوسام. وأضاف: هذا ليس طفلا عمره ١٢ سنة. هذا إرهابي عمره ١٢ سنة.

التسمية تقتل.

مبنية على مداخلة في ندوة “العمران، زمان ومكان”، نقابة المهندسين، بيروت، ٢٠ آذار ٢٠٢٤

Themes
History Politics International Relations
Countries
Arab World Lebanon
Published In
Al-Quds Al-Arabi
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Colonialism History Arab Nationalism Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.