Back to Publications
Publications Articles

That Week of September

Sabra-Shatila: the practical application of "rejecting resettlement"—displacement through massacre. Now leaders trade "resettlement" as a cipher, unable even to form a cabinet.

ذلك الاسبوع من أيلول

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

ذلك الاسبوع من أيلول

فواّز طرابلسي

لعل الاسبوع الممتدّ بين الاثنين في ١٣ والسبت في ١٨ ايلول ١٩٨٢ يكاد ينفرد في انه الاسبوع الاكثر كثافة ودرامية في الحروب اللبنانية. إحتشدت فيه اربعة احداث، اقل ما يقال فيها انها تاريخية: اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل؛ إحتلال القوات الاسرائيلية لاول عاصمة عربية؛ انطلاقة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد الاحتلال؛ ومجزرة صبرا-شاتيلا.

ولا حاجة لتفكّر كبير ليكتشف المرء الحلقات المتصلة التي تربط هذه الاحداث بعضها ببعض. ولا مبالغة في القول ايضا انه بقدر ما ادت احداث ذلك الاسبوع الى تحولات جذرية في مسار الحروب اللبنانية وتوازنات القوى الداخلية والاقليمية والدولية المرتبطة بها، بذاك القدر تشكل الاحداث الاكثر استعصاء على الذاكرة وبالتالي الاكثر إستدعاء للقمع والتغييب في الخطاب السياسي والسلطوي السائد.

يوم اغتيال بشير الجميّل كتبتُ النبذة التالية في يومياتي (المنشورة بعنوان «عن امل لا شفاء منه»):«كان بشير الجميل يجسّد كل ما لا اتمناه لهذا البلد، لكن الاغتيال آذن بأفدح الكوارث […] اليوم عيد الصليب. لبنان على الصليب مجددا».

استعيد هذه الكلمات الآن للتأكيد على ان كل اغتيال سياسي جريمة نكراء لا يبررها شيء وتستحق الادانة الصريحة غير المشروطة.

يبقى ان «الرئيس المنتخب» كان زعيم ميليشيا وصل الى الرئاسة الاولى للبلاد في انقلاب إختمر عبر سنوات، تواطوء عليه الرئيس الياس سركيس، واسهم في الاعداد له جوني عبده، ذراعه الامني الضارب. وجاء بشير الجميّل الى السلطة محمولا على الدبابات الاسرائيلية المحتلة والدعم الاميركي غير المحدود. اما الوجه «الدستوري» لانقلابه فتمّ عن طريق تجميع نصاب واكثرية برلمانية بالارهاب والرشوة ومنْع النواب من مغادرة بيروت الشرقية واستجلاب النواب المرضى من باريس على المحامل وصولا الى محاولة اغتيال احد النواب لتخفيض النصاب القانوني. ولم يكن غريبا ان يرى الرئيس المنتخب الى نفسه، في خطاب القسم، على انه خارج مما اسماه «المقاومة» اكثر منه معبّرا عن الارادة الشعبية، ويزعم انه تتوحّد في شخصه «الامة» والدولة.

منذ ذلك الحين، لم يقتصر الماشون «على دعسات» بشير الجميل على ورثته المباشرين بين الاهل والسلالات الكتائبية. حذا حذوه، في ابتناء «الكانتونات» ومحاولات الانقلاب لفرض حكم اللون الواحد والاستقواء بالاطراف الخارجية على الخصوم المحليين، عدد من الزعماء والاحزاب من اطياف مختلفة.

يمكن ان يقال الكثير عن إحتلال الجيش الاسرائيلي لاول عاصمة عربية (وقد كان العذر فيها اغتيال الجميل). ولعل ما لم يقل بوضوح اكبر وبحدة اشد هو ان احتلال بيروت كان بمثابة تصعيد حاسم للتدجين الاسرائيلي للاوضاع العربية لتقبّل جرعات متزايدة من فرض «الامر الواقع» عليها. فكأن كل شيء صار بعد بيروت ١٩٨٢ اكثر طواعية، وقد تجلّى ذلك في حرب تموز ٢٠٠٦ وحرب غزة الاخيرة.

لم يجرٍ التذكير بما فيه الكفاية بأن الجيش الاسرائيلي قد غزا لبنان واحتل عاصمته في ظل قرار من السلطة السياسية مَنَع الجيشَ اللبناني من ممارسة دوره الاكثر بديهية في صد العدوان والدفاع بالقتال عن الوطن من الناقورة الى النهر الشمالي الكبير وجسر القمر. وان هذا الحَجْر على مؤسسة الدفاع الوطني هو الذي دفع فئات من المجتمع والشعب، متنوعة الانتماءات المناطقية والمذهبية والعقائدية والسياسية، الى ان تتولى مهمة المقاومة بنفسها. وهذا الذي يفسّر الآن لماذا يوجد سلاح خارج عن مؤسسة الدفاع الوطني.

مهما يكن، فقد إستقبلت بيروت ايلول ١٩٨٢ الاحتلال بالقتال أخرجته بالقتال بعد أقل من اسبوعين. شهد روبرت فيسك على ذلك بقوله («التايمز» اللندنية، ٢٧ ايلول ١٩٨٢): «لعل الاسرائليين غادروا القطاع المسلم [كذا] من المدينة في الوقت المناسب… كانت عمليات الاغتيال ضد افراد القوات الاسرائيلية في بيروت الغربية تتوالى بمعدل واحدة كل خمس ساعات. وكان الجنود الاسرائيليون قد بدأوا يتورطون في حرب عصابات ضدهم».

وبيروت هذه لم يكن لها من هوية آنذاك غير دماء أبنائها.

لم يجرء التذكير بما فيه الكفاية بأن مجزرة صبرا-شاتيلا، وإن احتكرت مجازر الحروب اللبنانية بسبب ما اثارته في الرأي العام العالمي، لم تكن المجزرة الوحيدة في الحروب اللبنانية. كانت قبلها مجازر في الدامور والعيشية والكرنتينا وتل الزعتر وسواها من مجازر لم تنل حقها من الادانة او نصيبها من الاعلام والانتاج الادبي والفني.

ولم يجرء التذكير بما فيه الكفاية بأن تحميل الذنب عن المجزرة الى الطرف الاسرائيلي وحده او القاء وزرها على ايلي حبيقة بمفرده لا يجب ان يعفي من المسؤولية القيادات اللبنانية التي اتخذت قرار القتل ولا العشرات بل المئات من مسلحيها الذين دخلوا المخيمين من حملة الرشاشات والخناجر والفؤوس.

وقد يسأل سائل: وما وظيفة التذكير بكل هذا؟

اولا، وظيفة التذكير هي ان تملي علينا التساؤل عما تعلمناه؟ ثانيا، نذكّر ونتذكّر من اجل ان ننسى. ان ننسى ولكن بعد تصفية الحساب والمحاسبة السياسية والمعنوية والاخلاقية اقلا. إذ ليس ينسى المرء الا ما يعرفه ويتذكره. وهو ليس ينسى ما قد غيّبه عن ذاكرته او إستبدله بذاكرة مخترعة بديلة. ثالثا، نتذكر حتى لا يتكرر الخطأ.

اخيرا، لم يجرٍ التذكير بما فيه الكفاية بأن مجزرة صبرا-شاتيلا كانت التطبيق العملي لشعار «رفض التوطين» عن طريق التهجير القسري للمدنيين الفلسطينيين بواسطة المجازر والإرهاب. هذا ما شهدت عليه صحيفة «سكيرا هوديتشيت»، الناطقة بإسم وزارة الحرب الاسرائيلية، عندما عرّفت الغرض من المجزرة على انه «استثارة هجرة شاملة للسكان الفلسطينيين اولا من بيروت ومن ثم من سائر انحاء لبنان» من اجل «خلق توازن سكاني جديد في لبنان».

اما ان يحذّرنا التيار الوطني الحرّ – ومعه حليفه النائب السابق ايلي سكاف- من «عودة التوطين» عشية ذكرى مجزرة صبرا-شاتيلا فأمر يثير اشدّ الاستغراب. خصوصا ان أحد مسؤولي التيار يريد إقناعنا بمعادلة دائرية من منوعات «حرب الآخرين» تقول: إندلعت الحرب الاهلية بسبب «التوطين»/فإذا تكررت الحرب الاهلية يقع … «التوطين»! والشاطر يفهم. والساذج يسأل:«التوطين» الذي يقال لنا انه ضار باللبنانيين عموما – ولم يفدنا احد بعد كيف- هل كان وراء حربَي «التحرير» و«الالغاء»، أكبر حربَين «أهليتين» مدمّرتين اوصلتا المسيحيين منهكين خاسرين الى اتفاق الطائف وبئس المصير؟

يصعب تبيّن الصلة بين «عودة التوطين» والازمة الوزارية. او عقد الرابط بين تلك «العودة» والعودة الى تكليف النائب سعد الحريري بتشكيل الوزراة المنتظرة. اللهم الا اذا نظرنا الى «التوطين» على انه «شيفرة» مثلها مثل سائر الشيفرات – فلسطين والعروبة، المحكمة الدولية، «عودة» سوريا، الخ. الخ. – يتداولها زعماء عاجزون ليس فقط عن استخلاص الدروس من الماضي الفاجع، بل حتى عن تشكيل وزارة.

Themes
History Politics
Countries
Palestine Lebanon
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Israeli Occupation War Lebanese Civil War Palestinian Resistance Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.