تعريب ادوارد سعيد
فواز طرابلسي
( الى ذكرى رضوى عاشور)
لم احترف الترجمة مع اني بدأتها وانا على مقاعد الدراسة الجامعية، ومع انها شكّلت مصدر دخل لي، ولو ثانوي، لبضعة سنوات الشباب. تناولتْ ترجماتي المبكرة اعمالا من التراث الفكري للثورات والاشتراكية وحركات التحرر الوطني والاجتماعي.
وللترجمة بما هي هواية ميزات ابرزها حرية المترجم ان يختار ما يعجبه من النصوص. هكذا كان حال عندما انتقل لترجمة أعمال في الادب والفن لجون برجر واتيل عدنان ويانس ريتسوس في «إغريقيات» و«حرير» لأليساندرو بارّيكو وغيرهم. ولم اتردد احيانا بمغامرة الترجمة من لغة هي نفسها لغة الترجمة لا اللغة الاصلية.
اعترف بإني أستمدّ متعة مميزة في الترجمة. اعتقد ان بعضها عائد الى رغبتي، وانا المؤلف ايضا، ان أتماهي مع مؤلف آخر وان استحوذ على نصه ليس فقط من خلال ادقّ عملية تبحّر فيه وانما ايضا من خلال ما هو عمليا عملية إعادة تأليفه. وأحسب ان كل مترجم متورّط في هذا الشبهة.
كان ادوارد سعيد في بيروت في حفل تكريمي عندما تلا على المنبر صفحات من مذكراته. أراني النص قبل إلقائه فوضعت عليه بعض الملاحظات. بعد فترة، سألني ما اذا كنت مهتّماً بترجمة مذكراته عندما تكتمل فوافقت على الفور. صدرت الترجمة بإسم «خارج المكان» (٢٠٠٠). ومن خلال المراجعات والتعليقات على النص العربي، أحسب اني حققت ما قد وعدت ادوارد به: ان أجعله «يحكي عربي». اعقب ذلك ترجمتي لسلسلة محاضرات توّجت ما اعتبره المرحلة الثالثة و«المتأخرة» من تطور ادوارد الفكري، متجاوزا ثنائتي غرب/شرق (كما في «الاستشراق») واستعمار/تبعية («الثقافة والامبريالية») نحو التعبير عن نزعة التزام أنسني ديمقراطي وعلماني. وكان هذا الكتاب – «الانسنية والنقد الديمقراطي» – آخر عمل انجزه ادوارد قبل ان يتوفى في العام ٢٠٠٣.
ترددت لبضع سنوات قبل ان اقدم على ترجمة «عن الاسلوب المتأخر. موسيقى وادب عكس التيار». في التجارب التي أجريتها على عدد من الصفحات المختارة عشوائيا، اصطدمت بصعوبة بالغة ليس في اللغة والاسلوب وانما ايضا في المضمون والمصطلحات وكثافة المرجعيات الثقافية والادبية والموسيقية. ومع ذلك عزمت على المغامرة مدفوعاً بإعتبارين. الاول، هو القبول بتحدي ترجمة مثل هذا النص. والثاني، هو الرغبة في تعريف قراء العربية على ادوارد الناقد الادبي والثقافي، وقد طغى على ما توافر من أعماله بالعربية «الاستشراق» وتوابعه وكتاباته السياسية. زاد من اهمية العمل انه بمثابة وصية ادوارد سعيد الفكرية والثقافية ورائعته في آن معا.
في تقديمي لتعريب «خارج المكان» شبّهتُ عملية التعريب بإعادة التوزيع الموسيقي. حيث لن تعثر أذن المستمع على المقطوعة ذاتها في محصلة العملية ولكن المؤكد انه يجب ان تترك المقطوعة المعاد توزيعها عنده المشاعرَ ذاتها التي تثيرها المقطوعة الاصلية. لكن الاستعارة الموسيقية لم تعد تكفي ونحن هنا ازاء كتاب تعالج نصفُ فصوله مؤلفات موسيقىة وأوبرالية كلاسيكية لمؤلفين موسيقيين غربيين. باتت احدى مهمات التعريب تستدعي تعريب الموسيقى ذاتها.
واجهني في جهد تعريب نوعان من الصعوبات. الاول هو فقر المعجم الموسيقي العربي عموماً من حيث تعريب مصطلحات الموسيقى الكلاسيكية الغربية وتعدد مصطلحاتها، حين توجد، وتضاربها والميل الواسع الى استخدام المصطلحات في لغاتها الغربية الاصلية . فكان عليّ، وانا لست ضليعاً بالموسيقى على الاطلاق، اللجوء الى هوامش تعريف بالمؤلفين وبالاعمال وشرح المصطلحات، واستنساب ما يبدو الاكثر معقولية من المصطلحات المعرّبة المتداولة، والمجازفة اخيرا بنحت مصطلحات جديدة.
الصعوبة الثانية والاهم هي طبعا المتعلقة بعملية الترجمة ذاتها لعمل هو تتويج لسيرة مهنية فكرية-وثقافية، ينطوي على صقل ادوارد «المتأخر» لادواته المفهومية في حقل الانسانيات، المسكوبة في إسلوبه المميّز وقد بلغ أرقى درجات الصنعة والاناقة.
في الحديث عن الترجمة يكثر اللجوء الى المعادلة الايطالية الشهيرة traduttore-traditore «المترجم هو الخائن». ليست ترد المعادلة من قبيل تبرير خيانة النص وانما لاثارة موضوع الاخلاص له. والاستشهاد بهذه المعادلة يمكن ان يُحمَل على وجهين. الاول، هو توكيد تعذّر او استحالة الاخلاص للنص، بمعنى التشبّه به والارتقاء الى مستوى ادائه اللغوي والثقافي بل الحضاري. إيدث غروسمان مترجمة اميركية مرموقة من اللغة الاسبانية عرفت بترجمة استثنائية لـ «دون كيخوت» لثرڤانتس الى اعمال متنوعة لكبار ادباء اميركا اللاتينية. في كتاب واسع الحيلة والخيال عن اهمية الترجمة، تستشهد غروسمان برأي طريف لثرڤانتس يشبّه فيه قراءة نص مترجم بمن يشاهد سجّادة من القفا. الرأي قاطع باستحالة ان يشبه النص المترجم النصَ الاصلي. إن هو في احسن الاحوال صورة باهتة عنه.
على ان الوجه الآخر من المعادلة يثير سؤالا اقل حسما من حكم ثرڤانتس القاطع: ما هو الاخلاص في الترجمة؟ يستغرق السؤال كل جهد الترجمة ويشكل الهاجس الذي يتحكم بكامل مسارها. على اني أحسب ان نقطة استدلال الاولى في الاجابة عليه هي التوكيد على ان الترجمة المخلصة لا يمكن ان تكون ترجمة حرفية. فالقاطع هنا انه يستحيل ان تكون اي ترجمة ترجمة حرفية لأنها لن يمكن ان تفهم لسبب بسيط من الاختلاف الاصلي بين اللغتين. يبدو لي ان الاخلاص في الترجمة اقرب الى ان يكون اخلاصاً للمعنى. بل ان لويس بورغيس يذهب ابعد من ذلك حين يتمنى على المترجم ان يترجم لا ما يقوله المؤلف وانما ما قصد ان يقوله (غروسمان، ٧٣). تورية بورغيس محيِّرة طبعا. كيف يمكن للمترجم ان يحدس قصد المؤلف؟ سوآل مفتوح اما كل ما يترتّب على المترجم من مهمات من حيث وضع النص في اطره وسياقاته المتنوعة في سيرة المؤلف وبيئته وثقافته وسياق القول والكتابة. ولا تنتهي السلسلة هنا. بل تترك المجال واسعا امام ما يحدسه ويستنبطه المترجم بناء على موهبته وثقافته وتمكنه لا من اللغة الاصلية وحسب وانما ايضا وخصوصا من لغته.
تطور فن الترجمة منذ زمن تلك المعادلة عن الخيانة والاخلاص. تحولت الترجمة الى علم. ويجوز القول انها تحولت من فن الى علم. فمع نمو بعد الحداثة، وربما ايضا بعد الكولونيالية، باتت الترجمة اختصاصا يعنى بالدرجة الاولى بالحوار بين الثقافات من خلال لغاتها بكل ما تحمله اللغات من محمولات. بل تحولت الترجمة الى اختصاص علمي جامعي مع نمو التمييز، في الدراسات الادبية والثقافية، بين النص ومؤلفه. اغتنت الترجمة بمعاني جديدة ليس اقلّها طابعها الحواري ودورها التأويلي، ما يعطي دلالة اضافية الى التمني الذي عبّر عنه بورخيس: البحث عما قصده المؤلف هو المعادل للتأويل.
لست اريد التوقف اكثر من ذلك عند هذا الاختصاص الناشيء. لنعد الى ترجمة ادوارد سعيد.
الترجمة عملية صراعية ايضا.ه كذا يختبرها المترجم. في تعريب «عن الاسلوب المتأخر» اختبرت، بحدة اكبر من اي تجربة سابقة، ما ينطوى عليه التعريب من عملية صراعية بين لغتين: اللغة العربية، حيث الانسانيات والعلوم الاجمتاعية هي الاقل تطورا من حيث مخزونها الاصطلاحي والمفهومي، من جهة ومن جهة اخرى، إنكليزية ادوارد سعيد، في «اسلوبه المتأخر»، التي سعى بها الى بزّ أربابها، وابتداع لغة مفهومية وإصطلاحية راقية، حتى لا اقول نخبوية، واحيانا ممتنعة، تغرف من تراث ثقافي غربي متراكم عبر قرون بالغ الثراء والتعقيد، الى كونها مشغولة بعناية نيّقة ورفيعة الأسلبة. هكذا، ترتّب على جهد التعريب ان يحافظ على كل هذه الميزات والخصائص، بما فيها من تلوين ونبرة ونكهة، دون ان يفلت منه زمام المعنى. والهمّ الاساسي الذي وجّه الجهد هو وضع النص المعرّب بمتناول أوسع عدد من القراء وبأيسر طريقة ممكنة.
بعبارة اخرى، اسلوب ادوارد سعيد ممتنع، أردتِ تحويله الى اسلوب سهل ممتنع.
تضمنت هذه العملية الصراعية قدراً لا بأس به من تطويع لغة ادوارد الانكليزية لتحمل معانيها الى اللغة العربية؛ وعكساً تطويع اللغة العربية لتتحمّل تلك المعاني. ولما كنا نتحدث عن اللغة، وهي كائن حيّ، بات لزاماً الاعتراف بأن الشغل على الجملة الانكليزية يتطلّب تحويراً في الصياغة والتركيب، وحتى في المعنى، ليستطيع ان يعني المعنى الاقرب اليه بواسطة العربية وفيها.
لكن مقياس التوفق في تحقيق تلك المعادلة هو النجاح في ان تتوارى اللغة الاصلية خلف لغة الترجمة.
بكل ما يتطلّبه ذلك من حيل ومغالبات. والنقص في ذلك الجهد هو ان هو تطلّ اللغة الاصلية من خلال نتوءات وشقوق ونشازات النض باللغة العربية. بعبارة اخرى، لم يخلُ الامر- في ترجمة «عن الاسلوب المتأخر» من اخطاء وعثرات وهنات في اختيار اللفظ والتعبير المناسبين، وفي نحت المصطلحات والتردد في المجازفة في الابتكار والاشتقاق والتصريف. وهذه تعود الى حدود امكانيات المعرّب بمثل ما تعود الى فقرنا النسبي، معشر الذين يشقون بواسطة شق القلم، أزاء ثراء وخصوبة وعظمة لغتنا العربية ومواردها التي لا حدود لها.
مع ذلك كله، آمل ان اكون قد نجحت قي ان أجعل ادوارد سعيد «يحكي عربي» مرة اخرى في أسلوبه «المتأخر».
