Back to Publications
Publications Prefaces

Antonio Gramsci - Notes on Italian History - The National Renaissance Period

What matters in Gramsci goes beyond Italy: state, hegemony, and revolutions that cannot be read through class alone, yet make no sense without it.

انطونيو غرامشي – ملاحظات عن التاريخ الايطالي – فترة النهضة القومية

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

انطونيو غرامشي
ملاحظات عن التاريخ الايطالي
فترة النهضة القومية

تقديم

يسرّني ان اقدّم هذا النص لانطونيو غرامشي الى القراء العربية. وهو يضمّ عددا من ابرز المفاهيم التي بلورها احد المع المفكرين والمناضلين الماركسيين في حياته الغنية والقصيرة والمأسوية.

شهد غرامشي عملية اعادة اعتبار بُعَيد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره. فقد كان واقعا تحت لون من الحرم لارتباطه بما سمّي «الشيوعية الاوروبية»، التي لم يكن يخلو بيان او برنامج للاحزاب الشيوعية العربية، ومن لف لفّها من تنظيمات اليسار الجديد، من نقدها والتبروّ منها، على اعتبارها نزعة الاستقلال عن المركز السوفييتي. عاد تداول فكر غرامشي في غياب معظم كتاباته المترجمة وقد نُشِر معظمها بالعربية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. فعسى ان تكون بادرة نشر هذه الترجمة تشجيعاً على اعادة نشر العدد الاكبر من مؤلفات صاحب هذا الذهن الاستثنائي باي مقياس.

تشكو كتابات غرامشي من قدر لا بأس به من الاشكال والغموض. معظمها غير مكتمل او على شكل ملاحظات او تصاميم ابحاث ومقالات ودراسات. كتب معظمها في السجن وكان المدعي العام الفاشستي قد طلب للسجين اقصى عقوبات السجن لـ«منع هذا الذهن من التفكير»، حسب تعبيره. فيمكن تصوّر في اي ظروف صحية قاسية كان غرامشي يفكّر ويكتب، ناهيكم عن الرقابة على كتاباته ما إضطره الى التورية والغموض المتعمد. هذا عدا عن الغموض الاصلي لبعض المفاهيم لجدّتها او جدليتها (اي تناقضها) او طابعها الاختباري والافتراضي او لتعدد الدلالات للمفهوم الواحد، ما يجعله حمّال اوجه وتأويلات.

في هذا التقديم اضاءة على البعض من ابرز المفاهيم المستخدمة في هذا النص الذي يجمع التأريخ الى علم الاجتماع الى هاجس غرامشي لانتاج نظرية ماركسية في السياسة. والسعي هو تمييز تلك المفاهيم واستبيان عناصر الجدّة والجدوى فيها بما يساعد على قراءة هذا النص بكل تعقيده ومتعته وثراه.

المسألة الوطنية-القومية

النص الذي بين ايدينا تأريخ لتحرر ايطاليا الوطني من الاحتلال الاجنبي (النمسا) وتحقيق وحدتها القومية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. يستحق تقديمه بإيجاز على انه نموذج منهجي نادر لتفكير ماركسي في المسألتين الوطنية والقومية يأخذ غرامشي خلاله المسافة الكبيرة اللازمة عن نظرية ستالين في المسألة الوطنية والقومية. ولعل ابرز ما تجب ملاحظة بصدده انه لا يقيم التعارض بين الوطني-القومي من جهة والطبقي، من جهة ثانية، بل يعتمد التحليل التاريخي والسوسيولوجي لتتبع مسارات وعوامل الترابط والتمفصل والتأثير المتبادل بينهما. ثم انه يتجاوز دون جهد طقوس العدمية الوطنية والقومية التي سادت اوساطا واسعة من اليسار الشيوعي وغير الشيوعي في إقامة التناقض بين الوطني-القومي من جهة والاممي من جهة أخرى. يدرج غرامشي في تناوله هذه المسألة المزدوجة مروحة واسعة من المفاهيم فلنتعرّف على ابرزها فيما يلي.

الدولة/المجتمع المدني

ثنائية الدولة/المجتمع مدني، او المجتمع السياسي/المجتمع المدني، مفهوم مركزي في فكر غرامشي. يعرّف المجتمع المدني على انه «مجموع المؤسسات التي عادة ما تسمّي مؤسسات خاصة» ويضيف اليها العلاقات الاقتصادية. ويعرّف الدولة بأنها شبكة من النشاطات العملية والنظرية لا تكتفي الطبقة الحاكمة بواسطتها بتبرير سيطرتها والمحافظة عليها فقط وانما تعمل ايضا على كسب الموافقة النشطة من المحكومين.

ويرى غرامشي الى التمييز بين النطاقين – المجتمع المدني/المجتمع السياسي – تمييزاً منهجيا وليس تمييزاً عضويا. فكلاهما مندمج، في الحياة التاريخية العيانية، في ما يسمّيه «الدولة المندمجة» التي لا تمارس نشاطات سياسية فقط بل اجتماعية واقتصادية وأخلاقية ايضا.

تمارس الدولة أدوارها بوجهين: الوجه الاول هو القسر، بواسطة أجهزتها السلطوية العسكرية والامنية والقوانين؛ بل ان أول أدوار القسر تمارسه الدولة بواسطة ما يسمّيه پيري أندرصُن «القوة الصامتة»، اي احتكار الدولة القانوني للعنف. والوجه الثاني هو التوافق الذي يحققه الفريق المسيطر على الدولة من خلال تعميم فكره بواسطة مؤسسات المجتمع المدني بحيث يتحول هذا الفكر الى رأي عام او «حسّ مشترك» تشاركه فيه فئات واسعة من المحكومين. وشرط قدرة ذلك الفريق على أداء دور القيادة/الهيمنة الثقافية هذا هو ان يتجاوز مصالحه الاقتصادية-الحِرَفية. وفي ظني ان غرامشي هنا لا يعود كونه يستلهم ويوسّع مفهوم لينين عن الانتقال من الوعي النقابي الى الوعي السياسي، الذي يشترط تحرر الطبقة العاملة (او اية طبقة اخرى صاعدة) من مصالحها الاقتصادية-الحرفية لكي تستطيع ان تقدّم نفسها للمجتمع بما هي قائدة مشروع تغيير مجتمعي شامل وليس مجرد تغيير سلطة باخرى.

وهكذا فإن المجتمع المدني عند غرامشي ميدان لاعادة انتاج وتعميم فكر الطبقة المسيطرة وقيمها من خلال ثلاث مؤسسات رئيسة – العائلة والمدرسة والمؤسسات الدينية – التي يصفها بأنها «الخنادق الخلفية» للدولة، بالمقارنة مع «خنادقها الامامية» المكونة من ادوات السيطرة العسكرية والامنية. ويدعو غرامشي الطبقة الطامحة الى السلطة (اكانت قوى النهضة القومية الايطالية في القرن التاسع عشر ام الطبقة العاملة الايطالية المعاصرة التي يخاطب) الى ان تمارس هي ايضا القيادة/الهيمنة الثقافية، قبل استيلائها على سلطة – فتخوض الصراع ضد الطبقة التي تمارس الهيمنة الثقافية داخل المجتمع المدني بتوليد ثقافة مضادة وبديلة. ويذكّر غرامش ايضاً الطبقة الساعية الى السلطة السياسية بأن الحفاظ على مواقعها بعد استلامها السلطة يستلزم الإستمرار في ممارستها القيادة الى جانب ممارستها السيطرة.

وجدير بالتشديد هنا على ان النضال لكسب الهيمنة الثقافية داخل المجتمع المدني ليس بديلا عن النضال من اجل استلام السلطة ولا هو يعادل عملية استلام للسلطة. الامر يتعلّق بلحظتين مختلفتين من لحظات الصراع يميّزهما غرامشي بالتعبير العسكري: «حرب المواقع»، لممارسة الدور القيادي داخل المجتمع المدني؛ «حرب الحركة» للاستيلاء على السلطة.

وفي هذا السياق، تجدر الاشارة الى مساهمة غرامشي الكبرى في الثورة – وهي فن وليست مجرد علم – إذ يميّز بين اللحظة السياسية واللحظة العسكرية. فلكل منهما منطقه وادواته واساليبه وعقباته وعواقبه، والانتقال من الواحدة الى الاخرى إنتقال نوعي استراتيجي وليس مجرد انتقال ظرفي او تكتيكي. لكنه يشدّد في المقابل على أهمية اخضاع العسكري دوماً للسياسي والقيادة العسكرية للقيادة السياسية.

لمزيد من توضيح المعني بانتاج الهيمنة البديلة وممارسة الصراع على الهيمنة، هذان المثالان.

لم يفت غرامشي ان يلاحظ النفوذ الكبير للكنيسة الكاثوليكية على الجماهير الايطالية وعلى تكوين الرأي العام/الحس المشترك السائد في المجتمع الايطالي الذي يعمل لصالح الطبقة المسيطرة. خلص من تلك المعاينة الى ضرورة الصراع بين رؤيتين للدين داخل الدين نفسه، بما هو عقيدة، والصراع داخل المؤسسة الدينية، للتمييز بين جمهور المؤمنين والمؤسسة الدينية وايضا للتمييز بين دين الفقراء ودين الاغنياء؛ دين التغيير ودين الحفاظ على الامر الواقع؛ الدين الداعي الى المساواة بين البشر والدين الذي يبرّر الفقر واللامساواة والخضوع لقوى الامر الواقع. ولم يكتفِ غرامشي بذلك، دعا الى توليد روحانية جديدة وتحديداً تعميم منظومة قيم اخلاقية بديلة لتلك التي تروّج لها المؤسسة الدينية والطبقة المسيطرة/المهيمنة التي تخدمها.

من جهة ثانية، عني غرامشي عناية خاصة بالثقافة الشعبية، اي مجموع المعتقدات والخرافات والاساطير والتقاليد والحِكَم والامثال الشعبية وعناصر الطب الشعبي، والآداب والفنون الشعبية من طقوس وحكايات ورسوم ومنحوتات وتماثيل ورقص ومسرح وأشعار، الخ. التي أنتجها العامة عبر التاريخ ويتوارثونها، بالتمييز عن الثقافة «العليا» التي ينتجها الخاصة او النخب. والثقافة الشعبية هي غير «الفولكلور» بمعناه المتداول عندنا. فهذا الاخير ناتج عن نقل عناصر من ثقافة الارياف والبوادي والاطراف الى الحواضر والمدن بما يطرأ عليها من تحويل عندما يقدّمها محترفون الى جمهور من المشاهدين او المتلّقين غير مشاركين في انتاجها. أولى غرامشي عناية خاصة لدراسة الثقافة الشعبية فدعا الى العمل على إستخراج النواة العقلانية فيها وتمييز العناصر التقدمية والانشقاقية والاحتجاجية التي تزخر بها للإسهام في توليد الهيمنة المضادة والبديلة.

مفهوم الثورات

يتبيّن من النص الذي بين ايدينا ان غرامشي لا يحمل اي مفهوم رومنطيقي مثالي للثورة. فهو لا يرى اليها انها حدث يدفع بالضرورة الى امام ويسلك مسارات التقدم ولا هي دوماً صنو التغيير الهادف الى الحرية او المساواة. انه يتناول الثورات بما هي حركات شعبية تسعى للتحويل الجذري في السلطة والمجتمع. لكن حصيلة ذلك السعي تعتمد على القوى التي تقوم بالثورة وعلى توازنات القوى التي تنتجها وعلى اهداف عملية التغيير واتجاهاتها. ولغرامشي مفهومان إضافيان للثورة في النص الذي بين ايدينا: «الثورة السلبية» التي بها يصف النهضة القومية الايطالية التي يعتبرها عملية تحويل تمّت دون مشاركة جماهيرية وازنة. والمفهوم الثاني هو «الثورة-الردّة»، المفتوح على ثلاث دلالات على الاقل. الاولى، ما يسمّى «ثورة مضادة» في الادبيات العربية، اي حركات ارتداد على، او صراع ضد، عملية ثورية قائمة او منجزة، وذلك باتجاه العودة الى عادة النظام القديم او ترميمه. تشمل الدلالة الثانية حركات ارتداد لا تجابه عملية ثورية قدر ما تجابه نظاما اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا قائما ساعية الى العودة الى نظام سابق عليه، غالباً ما يكون نظاما افتراضيا ينتمي الى مرحلة تاريخية منقضية (الخلافة الاسلامية مثلا)؛ ثالثا واخيرا، «الثورة-الردة» ويمكن ان يكون المثال التاريخي عليها ثورات العام ١٨٤٨ الاوروبية. في الثورة بفرنسا كانت القوى والاحزاب والشخصيات تتراوح بين شيوعية عمالية واشتراكية برجوازية صغيرة وجمهورية ديمقراطية، وصولا الى كتلتين تمثلان جناحَي النظام الملكي.

ويمكن إعتماد هذا التعريف الثالث للثورة للدلالة على الثورات التي عرفها العالم العربي ابتداء من العام ٢٠١١ وقد إنطوت المسارات الهادفة الى الغيير الجذري على قوى متعارضة بل متناقضة في حواملها الاجتماعية واتجاهاتها واهدافها وتحالفاتها الداخلية وعلاقاتها الاقليمية والدولية الخارجية ووسائلها. ويمكن اجمال القوى المتباينة بثلاث: قوى عاملة من اجل تحقيق دولة مدنية حديثة وديمقراطية قائمة على حقوق الانسان وحكم القانون؛ قوى المحافظة على الانظمة الاستبدادية القائمة او عاملة على إعادتها الى السلطة او ترميم سلطتها؛ قوى تعمل على إعادة تأسيس الدولة والمجتمع بتطبيق الشريعة الاسلامية، بمنوعاته المختلفة وصولا الى التطبيق الجهادي التكفيري الاستئصالي الذي يعتمد «فقه التوحش» و«ادارة التوحش» لتقويض الدولة العربية القائمة، على اعتبارها دولة علمانية-غربية-كافرة، او في احسن الاحوال، دولة ناقصة الالتزام بالشريعة، ولبناء الدولة الاسلامية ومن ثم الخلافة على انقاضها. وجدير بالذكر ان هذا التطبيق السلطوي يفترض جراحة جذرية ودموية طبعاً في جسم المجتمعات ذاتها والبشر انفسهم.

الطبقات والتمثيل الطبقي

عند النظر في مفهوم الدولة/المجتمع المدني، تجلت محورية الطبقات وتمثيلها السياسي والفكري والثقافي وتعدد انماط الصراعات الطبقية والفروقات الاجتماعية في فكر غرامشي. وابرز ما فيها تعدد اشكال واجهزة التمثيل الطبقي والتفارق بين القوى الاجتماعية والطبقات من جهة وممثليها السياسييين ومؤسساتها السياسية من جهة اخرى.

في ابحاثه التاريخية عن النهضة القومية الايطالية، يكتشف غرامشي ما اكتشفه ماركس وانغلز ولينين من قبل: التفاوت بين مصادر السلطة الاقتصادية ومصادر السلطة السياسية، وعدم التطابق الضروري بين الطبقة الاقتصادية والطبقة السياسية. تستعير البرجوازية، في حقبة صعودها خصوصا، عناصر من علاقات انتاج وعلاقات اجتماعية وقوى اجتماعية، وافرقاء سياسيين، سابقة على الرأسمالية لتلعب أدوارها في تمثيل الرأسمالية وتوفير الأطارات لحكمها ولسلطتها والادارة، وتولي الأجهزة العاملة على تبرير سيطرتها وتسويغها. ويستخدم غرامشي مثال اليعاقبة للدلالة على الظاهرة التي يلحظها في عملية التوحيد القومي الايطالي. واليعاقبة في الثورة الفرنسية الكبرى ١٧٨٩ فريق سياسي ينتمي الى الطبقات المتوسطة، فرضَ نفَسه على البرجوازية، وصاغ لها مشروعها المجتمعي الشامل ودفعَها للذهاب في تحقيقه الى أبعد مما ترغب البرجوازية في إحتلاله من مواقع، او بلوغه من أهداف، بالاتكال على مصالحها الاقتصادية-الحِرَفية المباشرة، وذلك بـ«رفسها على قفاها»، على حد وصف غرامشي.

لا يقتصر الامر على هذا التفارق الذي يستمر حتى بعد توطد سلطة البرجوازية في الحكم. يتابع غرامشي، في تاريخ النهضة القومية الايطالية، معاينة تعدد وتنوّع اشكال واجهزة التمثيل السياسي للطبقات ولشرائحها. وتتراوح هذه بين دولة وحزب وجهاز مثقفين وجريدة.

فمملكة بييدمونت هي التي قادت مسار التوحيد القومي بما تضمنه من عملية جذب واستقطاب وتوحيد لنوى برجوازية متفرّقة جغرافيا، ولكنها ذات مصلحة في قيام السوق القومية الواحدة والدولة القومية الواحدة على امتداد شبه الجزيرة. وقد وفّرت بييدمونت لتلك المهمّة التاريخية ابرز عناصر القوة والتنظيم التي تملكها الدولة كدولة: القوات المسلحة واجهزة الحكم والادارة. بهذا المعنى يقول غرامشي ان مملكة بييدمونت لعبت في الوحيد الايطالي دور الطبقة الحاكمة او دور الحزب بالنسبة للطبقة البرجوازية الصاعدة.

يشكل الحزب، في احيان اخرى، القائد الفكري والعملي للطبقة، وهو مؤطرها وناظم نشاطها وشادّ عصب إرادتها، إنه «المثقف الجمعي» للطبقة، على قولة غرامشي. وليس يقتصر لعب هذا الدور على أحزاب الطبقة العاملة. فكل حزب سياسي يحمل هاتين المهمتين بطريقة او بأخرى: القيادة الفكرية والتنظيم الارادوي.

لا يوجد طبقة واحدة من المثقفين، لكل طبقة مثقفوها لكن يمكن لمثقفي الطبقة الصاعدة ان يستقطبوا اعدادا واسعة من المثقفين.

اخيرا، يشير غرامشي ايضا الى دور جريدة «الماتينو» في تمثيل المصالح الجنوبية ضد المصالح الشمالية (المطالبة بحماية الصناعات في الاولى من هجمة صناعات الاكثر تطورا في الثانية) وفي رسم معالم ايديولوجية جنوبية يحضر فيها جوع الفلاحين الى الارض ومشكلات الهجرة والنزوع الاستقلال لاهالي الجنوب. وهنا كما في الحزب، يحضر دور المثقفين بما هو دور اساسي.

أخيرا، ليس آخرا، يثير غرامشي مسألة التمثيل السياسي الاشكالي للفلاحين.

الفوارق الاجتماعية غير الطبقية

لعل ابرز مساهمات غرامشي في الماركسية تكمن في تجاوزه الاختزالية الطبقية، والتحتيم الاقتصادوي، وذلك بالشغل على ثلاثة أنماط من التناقضات والفوارق الاقتصادية-الاجتماعية الاخرى: تفاوت النمو بين المناطق الجغرافية؛ التناقض بين المدن والارياف؛ التناقض بين العمل الذهني والعمل اليدوي.

يعرّف كارل ماركس المجمتمع الشيوعي بأنه ذلك الذي تزول فيه الطبقات وتهمد معه الصراعات الطبقية الى ان تضمحل مع اضمحلال الدولة. ولكنه يستدرك انه بعد زوال الطبقات والصراعات الطبقية، وحتى بعد إضمحلال الدولة ذاتها، يبقى على المجتمع ان يعالج ما تبقى من تناقضات بين البشر وابرزها إثنان: التناقض بين العمل الذهني والعمل اليدوي والتناقض بين المدينة والارياف.

اذا كانت هذه التناقضات باقية بعد زوال التناقضات الطبقية، وهي الناظم الابرز، دون ان يكون الاوحد، للتناقضات في المجتمعات الرأسمالية، فيجوز الاستنتاج ان تلك التناقضات أسبق على التناقضات الطبقية، علماً انه قد طرأت عليها تعديلات جذرية في ظل الرأسمالية. واذا كانت لا تزول بمجرد زوال الطبقات والصراعات الطبقية فمن باب اولى القول انها، في المجتمعات قبل الشيوعية، مصدر توليد لفروقات ونزاعات ليست تقلّ زخما او اهمية من الفروقات والصراعات الطبقية. بل يمكن القول، عكساً، إن التداخل بين التناقضات الاقتصادية الطبقية وهذه الانماط الثلاثة من التناقض يزيد التناقضات الاولى توتراً وتأزما. اذ ليس من تناقض من الثلاثة المذكورين الا وله مترتبات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية.

لا يقتصر تحليل غرامشي لدور المثقفين على ما فصّل فيه اكثر من مرة بين «مثقفين تقليديين» مرتبطين بالطبقات القديمة و«مثقفين عضويين» اكثر تعبيرا عن الطبقات الصاعدة. يهم هنا الاشارة الى انه ليس يتغاضى، ضمن القسمة بين العمل الذهني والعمل اليدوي، عن حقيقة الامتياز الطبقي-الاجتماعي-القيمي الذي يكتسيه العمل الذهني على حساب العمل اليدوي. وهو يميّز في الآن ذاته بين المثقفين بناء على تفاوت الادوار التي يؤدونها تجاه الطبقات الاساسية (المحامي تجاه الفلاحين في الجنوب، والكادر الصناعي تجاه العمال في الشمال) ثم يأتي الى الانقسامات الثقافية والاديولوجية في صفوفهم، كإنقسام مثقفي الجنوب الايطالي بين علمانيين واكليركيين.

من جهة ثانية، يولي غرامشي في هذا النص، وفي نص آخر طويل بعنوان «المسألة الجنوبية»، اهمية خاصة للنمو المتفاوت في ايطاليا بين شطري البلاد: شمال مصنّع وجنوب زراعي. ويعاين ويحلل ما يورثه ذلك النمو المتفاوت من مترتبات اجتماعية وسياسية وقيمية وثقافية. وجدير بالتذكير ان هذا التناقض بين شمال ايطاليا وجنوبها قد تفاقم، بدل ان يهمد او ان يتلاشى، مع تطور الرأسمالية وإنتقالها الى المرحلة النيوليبرالية خلال ربع القرن الاخير، فأنتج في التسعينات من القرن الماضي حركة شمالية يمينية متطرفة بإسم «العصبة الشمالية» تدعو الى استقلال المنطقة الشمالية وتحرير الشماليين «المكدّين» من أعباء تمويل من تسمّيهم «العصبة» «الجنوبيين الكسالى». ومعروف عن «العصبة» تأييدها انسحاب ايطاليا من الاتحاد الاوروبي ومطالبتها بإقفال الحدود امام المهاجرين الافارقة والعرب.

على إن غرامشي ليس يؤجل حل المسألة الجنوبية الى ما بعد انتصار الاشتراكية ولا يدمجها نظريا في عداد الفوارق الطبقية. يرى الى التنمية المناطقية المتوازنة وحل المسألة الفلاحية بما هما الحل الوطني الذي يعزز وحدة ايطاليا، ويرى الى التحالف بين الطبقة العاملة الصناعية الشمالية والفلاحين والطبقات الوسطى والمثقفين الجنوبيين، على انه الشرط الحيوي لقيام قوة تغيير ناجعة قادرة على تجاوز الرأسمالية.

لهذا كله لا عجب ان يرى غرامشي الى العلاقة بين المدينة والريف عل ىانها نقطة الانطلاق المنهجية الضرورية لدراسة القوى الدافعة الاساسية للتاريخ الايطالي. لكن نقطة الانطلاق تقود الى صفحات لامعة من الدراسة العيانية للطبقات والشرائح والقوى الاجتماعية ولتعبيراتها السياسية والثقافية لدى طرفي تلك العلاقة. تلقاه يحرص على التمييز في المدن الايطالية بين مدن صناعية ومدن خدمية. ويركّز على المسألة الفلاحية بصفتها المحور والمحك في عملية التوحيد القومي. ويكشف من جهة اخرى تحايل الطبقات الحاكمة على حق الفلاحين في الارض بإطلاق الحلم بتمليكهم الارض ولكن في المستعمرات – في ليبيا والحبشة وإرتريا، وسواها – وبتحويل جموع فلاحية الى مستوطنين للسيطرة على سكان المستعمرات او الى وقود للحروب الاستعمارية.

آمل ان تسهم هذه الاضاءات على ابرز المفاهيم المستخدمة في هذا النص نحو فهم أعمق لفكر انطونيو غرامشي ولعلها تسهم ايضا في انتاج معارف أوضح عن مسارات وتحولات واقعنا العربي المعاصر.

بيروت اواخر آب/اوغسطس ٢٠١٦

Themes
History Politics
Countries
Italy
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Cultural History Intellectual History Translation Marxism Gramsci

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.