النظام الايراني
بين دين ودنيا
فواّز طرابلسي
تشير مؤشرات عدة الى ان التعاطي الرسمي مع التحركات الشعبية للمعارضة الايرانية تتجه وجهة التصلّب والعنف، بعد الحسم الرسمي في شرعية الانتخابات الرئاسية الاخيرة. ومع انه لا يزال من المبكر توقّع سلوك اجنحة الحكم والمعارضات في الفترة المقبلة، لم يفت الوقت بعد لالقاء بعض الاضواء على طبيعة النزاعات التي تجلّت خلال الازمة والقوى الفاعلة فيها.
الخاصة المميزة للنظام السياسي الايراني، بما هو نظام اسلامي، هو ارتكازه الى آليتي حكم متوازيتين لكنها مختلفين، إن لم نقل متناقضتين. واحدة تقوم على شرعية الدنيا والناس والثانية على شرعة الدين. لكونها صادرة عن ثورة شعبية، لم يكن بدّ للثورة الاسلامية الايرانية من ان تتزوّد بكل ما للنظم الجمهورية الديمقراطية – من النمط الغربي- من مؤسسات تعبّر عن حكم الشعب وتجسّد مبدأ السيادة الشعبية. ومن تلك المؤسسات: الدستور ورئاسة الجمهورية ومجلس الشورى المنتخبَين بواسطة الاقتراع الشعبي العام ورئاسة مجلس الوزراء، وإن يكن هذا المنصب حذف مؤخرا.
في المقابل، تقضي ولاية الفقية، المبدأ الاس للسلطة الاسلامية، ان يتأسست في موازاة المؤسسات الجمهورية سلسلة من المؤسسات الراعية والمشرفة على مؤسسات السيادة الشعبية واعمالها وسياساتها. هي مؤسسات غير منتخبة، جلّها من علماء الدين وإن يكن ليس كلها، تضبط الحدود التشريعية والقضائية وفق الشريعة الاسلامية، وتتولى تصفية المرشحين للانتخابات الرئاسية والنيابية، يتربّع على رأسها المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية.
يصعب قول اي شيء في مجريات الامور بايران دون الاخذ بعين الاعتبار هذه الخاصة المميزة ودينامياتها الفاعلة.
لم يكن من اشكالات كبيرة في عمل الآليتين المتراكبتين ابان ولاية آية الله الخميني. على ان موضوع التوازن بينهما، بل وفي داخل كل واحدة منهما، اخذ ابعادا متزايدة من الاهمية بعد وفاة آية الله المؤسس، وتعيين السيد علي خامنئي خلفا له. ويمكن القول ان التوازن بين هذين المكوّنين للنظام السياسي إختل لصالح الطرف ذو الشرعية الجمهورية الديمقراطية إبان ولاية السيد محمد خاتمي (١٩٩٧-٢٠٠٥) الذي حملته الى رئاسة الجمهورية موجة شعبية عارمة. ومع ان رئاسة خاتمي اثارت من احلام الاصلاح والانفتاح والتغيير اكثر مما حققت، بات فيها رئيس الجمهورية ندّا، او يكاد، لرأس مؤسسات ولاية الفقيه، المرشد العام للثورة الايرانية.
شكل انتصار محمود احمدي نجاد رئيسا للجمهورية بمثابة الحسم في الاتجاه المعاكس إذ توحّد رأسي السلطتين، المدنية والدينية، في سلطة واحدة. وتأكد ذلك على نحو اوضح مع انتصاره الانتخابي الاخير.
نجم عن ذلك مستويان من الخلافات والنزاعات: مستوى داخل النخبة الحاكمة واجنجة النظام نفسه. هي خلافات ونزاعات تنقسم عليها النخبة الدينية ذاتها. التي لم تعد متماسكة خلف المرشد الاعلى. وقد كشفت الازمة الجارية شخصيتين نافذتين من المؤسسة الدينية المعارضة: الشيخ هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، الهيئة التي تعيّن المرشد الاعلى؛ واية الله منتظري، المرشحّ سابقا لخلافة اية الله الخميني والذي ابعد لتحفظات لديه علي بعض جوانب ولاية الفقية. خرج منتظري مؤخرا من اقامة جبرية طويلة والملفت انه ادلى في الازمة الجارية بفتوى دينية تحرّم التصدي للتظاهرات ولحقّ المواطنين في التظاهر.
لسنا نملك بعد بيانات تفصيلية للانتخابات تحلل اتجاهات الاقتراع لدى الفئات الايرانية المختلفة. على ان تخصيص جمهور المعارضة في المدن والطبقات الوسطى واعتيار الرئيس احمد نجاد محتكرا لتمثيل فقراء المدينة والارياف نمط من التحليل فيه من التبسيط والاستعجال الشيء الكثير.
يسكن لا اكثر من ٣٥٪ من الايرانيين في الارياف. وهو عدد لا يكفي لتفسير الـ ٦٣٪ من الاصوات التي نالها احمدي نجاد. ومن جهة ثانية، يصعب التصوّر ان الطبقة الوسطى الايرانية تملك انتخابيا ما يوازي احد عشر مليون صوتا. يتحدث مراقبون ايرانيون عن شعبية مميزة لمير حسين موسوي وسط فقراء المدن وقُدامى المحاربين تعود الى فترة حكمه عندما كان رئيساً للوزراء خلال اعوام الحرب العراقية الايرانية ١٩٨٠-١٩٨٩.
الاحرى النظر الى القوى التي برزت في الميدان انها نتيجة الحراك الاجتماعي الكبير الذي تعيشه إيران بعد ثلاثين سنة على ثورتها ومشكلاتها الاجتماعية. وفي مقدمة القوى هنا جيل جديد لم يعرف من بلاده غير العيش في ظل النظام الجمهوري الاسلامي. ثم اننا نتحدث عن ٦٣٪ من طلبة الجامعات من النساء. وهي نسبة شاهقة اذا ما قيست بما قبل الثورة وبحال التعليم النسائي في عدد كبير من دول المنطقة. كانت نسبة عالية من اولئك النساء في الشارع. وتعمدت المتظاهرات بدم الشهيدة «ندى» ذات الستة عشر ربيعا التي باتت ايقونة للحرية. كذلك حضر الشباب في التحركات وهم يشكلون ٣٥٪ من السكان و٧٠٪ من العاطلين عن العمل. اضف الى هذا حضور وازن للمثقفين والادباء والفنانين. فالاجذر الحديث بالنسبة للمعارضة عن «حركة اجتماعية تموّه جذورها الاقتصادية» على ما وصفها احد الاساتذة الجامعيين الايرانيين في الخارج.
من الناحية السياسية، يمكن النظر الى التظاهرات العارمة للمعارضين على انها اعلان رفض فئات شعبية واسعة للتهميش والحرمان من حقوق التعبير والاعلام والتنظيم والتظاهر بل والاتصال. وذلك بعد تجربتين موؤدتين من الاصلاح والانفتاح.
«اين صوتي؟» هو الشعار الاكثر تعبيرا عن التمرّد على نظام يغلّب اكثر فاكثر الاوصياء غير المنتخبين واجهزة الامن وحراس الثورة على حساب المبدأ الانتخابي والحريات العامة والسيادة الشعبية.
التدخل الخارجي؟ الجواب الابلغ عليه هو المتظاهرون الذين رفعوا صورة مير حسين موسوي الى جانب صورة محمد مصدّق، رئيس وزراء ايران المنتخب ديمقراطيا الذي امم النفط والغى نظام الشاه فاطاحه انقلاب نظمته المخابرات الاميركية عام ١٩٥٣.
والرسالة واضحة: نريد تعميق الديمقراطية الايرانية دون تدخل اميركي!
في الوقت الذي لا تزال التطورات الايرانية تثير الفضول والترقّب، والحزن والحماس ايضا، يصدر عن ايران الآن نموذج آخر حري الاقتداء به: الحقوق تنتزغ غلابا، في الشارع وبالثمن الغالي.
