Back to Talks & Interviews
Talks & Interviews Interviews

The Interview - Fawwaz Traboulsi: There Is a State but There Is No Opposition

The interview challenges dominant narratives of the Lebanese crisis, asserting that the state exists and serves an oligarchy, and that the real problem lies in the absence of an organized opposition.

المقابلة – فوّاز طرابلسي: توجد دولة ولكن لا توجد معارضة 

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

المقابلة

فوّاز طرابلسي: توجد دولة ولكن لا توجد معارضة

تطغى سرديّات مُعيّنة على الخطاب الإعلامي في شأن الأزمة وأسبابها ونتائجها. سرديات مُختلفة، ومتعارضة أحياناً، مشوّقة أو فضائحية في حبكتها. لا يتعلّق الأمر بسرديّات الأزمة اللبنانية المُتفاقمة فحسب، بل نسمع في كلّ مكانٍ وزمان عن «التدخّل السياسي في الاقتصاد»، وبالتالي تتردّد مزاعم عزل الاقتصاد عن السياسة والمجتمع. ونسمع عن «الريع» أو «الاقتصاد الريعي» أو «الدولة الريعية»، وما يستتبع ذلك من مُصطلحات ومفاهيم تحاول القول إنّ الاقتصاد عندنا ليس رأسمالياً كفاية، ولا يوجد إنتاج ولا منافسة، وهذه هي أسباب أزمته. ونسمع عن «الفساد» بوصفه مصدر كلّ الشرور، كما لو أنّ الفساد مجرّد عارض جانبي وليس عاملاً بنيوياً في النظام السياسي الاقتصادي. وكذلك نسمع عن العوامل الخارجية كما لو أنّها المُحدِّد الوحيد، وما يحصل هو مؤامرة خارجية يحيكها الأعداء المتربِّصين… لا يوجد في كلّ هذه السرديات قوى داخلية ولا صراعات داخلية ولا هياكل سيطرة واستغلال ولا اقتصاد.

طبعاً، تطول لائحة السرديات الشائعة. وفي الحالة اللبنانية، يمكن وضع السرديات كلّها تقريباً في جبهات مختلفة في الشكل، ولكنّها مُتفقة في جوهرها على أن الازمة ظرفية ناتجة عن ظروف وعوامل خارجية خارجة عن إرادة الفاعلين المحلّيين: من جهة، كلّ الأزمة سببها حصار أميركي-سعودي للنيل من المقاومة، ومن جهة أخرى، كلّ الازمة سببها الاحتلال الإيراني بواسطة حزب الله. ومن جهة ثالثة، كلّ الأزمة سببها «طبقة سياسية فاسدة» تبدّي مصالحها ومصالح رعاتها الخارجيين على مصالح أبناء وبنات البلد.

ما هي الأزمة؟ وكيف نعرّفها؟ وأي دور تلعبه السرديّات الشائعة في طمس حقائقها؟ هذا ما نحاول تفكيكه في هذه المقابلة مع فوّاز طرابلسي، المناضل اليساري العتيق الذي تمتدّ تجربته عميقاً في الزمن وتتسع إلى خارج الحدود الجغرافية للبنان، الكاتب والمؤرِّخ والأستاذ الجامعي، المؤلِّف والمترجم للكثير من الكتب والدراسات والمقالات في الفلسفة والتاريخ والسياسة والطبقات الاجتماعية والحركات الثورية والتحرّرية والمذكّرات والتراث والفنون، ورئيس تحرير مجلّة «بدايات»، وكاتب عمود في موقع «صفر» تحت عنوان «عكس السير».

الحصار والفساد

إذا سألنا مجموعة كبيرة من الناس أو حتى «الخبراء» عن أسباب الأزمة في لبنان، سوف يأتي الجواب على الشكل التالي: هناك أفراد تعبوا وادّخروا أموالاً ووضعوها في البنوك، التي وضعتها بدورها لدى البنك المركزي، وهذا الأخير وضعها في الدولة، والدولة «سرقوها الحرامية». هذه هي السردية الأكثر انتشاراً ورسوخاً عن أسباب الأزمة، وتبرز إلى جانبها سردية أخرى تتحدّث عن وجود حصار، والدليل هو وقف الدول الأجنبية دعمها المالي للبنان لتضييق الخناق على قسمٍ من اللبنانيين ممانع ومقاوم. من دون أن ننفي وجود فساد أو دور حاسم للعوامل الخارجية في الأزمة اللبنانية، أين الخطأ في هذه السرديات؟

سوف أبدأ من الرواية الثانية التي تتحدّث عن العقوبات، وهي موجودة فعلاً وتطال فئة من اللبنانيين مُتّهمة دوليا بالإرهاب، لكن الترويج لهذه النظرة ينطلق من إلقاء المسؤولية على الخارج، وقد تفاقمت هذه الطريقة بالتوازي مع بروز جبهة المُمانعة وممثليها المحليين، إذ لا يُنظر إلى لبنان إلّا من خارج اي مما يُسمّى الإقليم. وأعتقد أن هذا الموضوعيفيد بفهم الأزمة. بل انه يغطي على أسبابها. والافدح انه من خلال تصوير انتفاضة ١٧ تشرين على انها من تدبير خارجي، نجحت قيادة حزب الله في اخراج عشرات الألوف من فقراء الشيعة من ساحات الاحتجاج. هذا يعطي فكرة عن قوة نفوذ الخورجة، وهي الاسم الآخر للذهنية المؤامرتية.

أمّا الوجهة التي يتبنّاها القسم الثاني وتختصر السلطة بالفساد، فهي ليست سردية بل مجرّد تسمية. والتسمية كائن أيديولوجي فعّال لأنه يعطي معنى دائما وثابتا وجوهريا للشيء دونما حاجة إلى إثبات. الاحرى انه يحوّل المعنى الى تعريف، كما في القواميس. هكذا تتحول آليات معقدة وسياسات تراكمت عبر عقود من الزمن الى تهمة اخلاقية. تعيب السرقة وتطالب بمحاسبة المسؤولين او بتنحيهم من السلطة.

هذه مقاربة تمنع أي دراسة فعلية لموضوع الفساد ولكيفية مكافحته والحد منه. الادهى، ان قسما كبيرا من الاحتجاج ينصبّ على الفساد في الدولة وعلى حساب الدولة. وهذا يغطّي سائر عوامل الازمة والعدد الاكبر من اشكال الاستغلال في العمل والسوق والفوائد على الديون والغلاء والاحتكار والتمييز والنهب والاستحواذ على الاملاك العامة ونمو الفوارق الطبقية والمناطقية في المجتمع وعلى حساب الاكثرية الشعبية.

في تعريف للفساد انه التربّح من خلال المال العام واستغلال السلطة السياسية لبناء مصالح اقتصادية. أي كلام جدّي يجب أن ينطلق من هنا. يوجد في التشريعات اللبنانية قانون يطالب به الشعب منذ العام 1946 وهو القانون المسمّي «من أين لك هذا؟». أقرّ في العام 1965، وجُدِّد في التسعينيات باسم قانون «الإثراء غير المشروع»، وهو يفرض على كلّ موظّف عام بدءاً من رئيس دائرة الى رئيس الجمهورية أن يقدِّم بياناً بأمواله المنقولة وغير المنقولة عند تسلّم مهامه. يوضع التصريح في ظرف مختوم ويودع لدى المجلس الدستوري – والمجلس بالمناسبة ليس مُلزماً بالتصريح عن استلام البيانات – الذي يضعه بدوره لدى البنك المركزي. وفي حال تجرّأ أحدٌ ما وأقام دعوى على موظّف عام، يفتح الملف وتقارن الاموال المصرّح عنها بالاموال المكتسبة خلال الوظيفة. اما اذا ردّت الشكوى بالشكل او لم يتبيّن ان ثمة دخلا غير مشروع، فيتوجّب على رافع الشكوى دفع غرامة مالية مرتفعة. والمفترض هنا أيضا ان ثمة هيئة تدقّق في اموال الموظف عند انتهاء مهلة خدمته لمعرفة ما اذا كان جنى أموالا من خلال الوظيفة. وليس واضحا بعد ما اذا كانت هيئة قضائية تمارس صلاحياته بغض النظر عن وجود شكاوى.

وطبعاً لم تقدّم أي دعوى منذ إقرار القانون الى الآن. لكن المسألة ليست هنا فقط. بل في كيفية التعامل مع هذا القانون من قبل النواب بمن فيهم نواب «التغيير». في انتخابات العام 2018 أعلن عدد من النواب الجدد انه قد صرّحوا عن أموالهم. لكن النواب الجُدد المُنبثقون عن انتخابات العام 2022 لم يتكبّدوا حتّى عناء تقديم بيانات بأموالهم المنقولة وغير المنقولة أو ان يطالبوا زملاءهم بذلك. اما الذين نبّهوا على هذا الغياب الفاضح فجاءهم من يعيّرهم بأن المسألة نقطة في بحر. وأن ما من شيء سيتغيّر. إذا لم يتغيّر شيء على هذا الصعيد البسيط، فهل سيتغيّر ما هو أعمق وأشمل؟

ثم ان القوانين كلها تجرّم الفاسد، الموظف المرتشي والسياسي المنتفع من السلطة والمستخدم النفوذ للكسب الشخصي. يوجد في القانون فاسدون ولا يوجد مفسِدون. الفساد هو تلقي مال لقاء التلاعب على القانون، او تمرير صفقة خارج الشروط المتعارف عليها، او عقد شراكة بين سياسي ورجل اعمال لاخذ تعهد من تعهدات الدولة، او استغلال وزير لمنصبه لشراء قطاع عام جرى تخصيصه (قطاع البريد مثلا)، او الاستيلاء بواسطة سلطة المال والسياسة معا على ملك من أملاك الدولة، او تفضيل متعاقد على آخر لنفوذه السياسي، او اخذ خوة سياسية من رجل اعمال لتيسير اعماله او مساعدته على التهرّب الضريبي او الزامه بمنح السياسي حصة في مؤسسته، او الإفادة من معلومة سرية عن مشروع شق طريق لشراء الأراضي المحيطة بها، الخ. وهذه كلها تفترض شراكة ما علاقة وتواطأ بين المال والسلطة، بين رجال الاعمال والسياسيين. ومع ذلك المساءلة والمحاسبة والعقاب، اذا حصلت، على الفاسد.

كل الدلائل تشير الى ارتفاع معدّلات الفساد عالمياً خلال العقود الأربعة الماضية من عهد النيوليبرالية ومن خلال التداخل المتزايد بين عالم الأعمال وعالم السلطة، وجراء “الإصلاحات الهيكلية”، والخصخصة والشراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام، وغيرها. وهي معدّلات تنبيء بها المؤسسات المالية والتنموية ومع ذلك، فالمؤسسات المالية والتنموية الدولية لا تعترف بتجريم المفسِد بل تدعو الى تنمية “اخلاقيات البزنس” عندما يتعلّق الامر برجال الاعمال. اما باقي الاجراءات فمن قبيل “داوني باللتي هي الداء”، أي مكافحة الفساد بالمزيد والمزيد من الاجراءات النيوليبرالية: اعتماد ميزانيات متواضعة تخفض فيها البنود الاستثمارية، او تلغى؛ ترشيق جهاز الدولة وصرف الموظفين، وتلزيم مؤسسات حكومية للقطاع الخاص؛ وتخلي الدولة عن دورها في التوزيع الاجتماعي وخدمات الدولة الاجتماعية؛ ووقف الدعم الحكومي للمواد الغذائية والمحروقات؛ الخ.

تنتمي هذه المقاربة الى تيار سائد يتذرّع بالاقتصاد السياسي ليمارس مقاربة سياسية للاقتصاد. وهذه عيّنة. انطلاقا من الفساد يجري تعريف النظام اللبناني على انه “نظام طائفي توزيعي” او اننا نعيش في ظل “نمط إنتاج سياسي” في تعبير آخر. وكلاهما يشير الى ان السياسي يسرق من مال الدولة للتوزيع على جمهوره قصد كسب الولاء.

هذا النظام التوزيعي يمنح الفاسدين من السياسيين صفة الغيرية وهي ليست لهم. إذ يجري التمثيل على هذه النزعة إما باستخدام اموال الفساد للانفاق على الانتخابات النيابية وإما بـ”الصناديق” التي أنشأت بعد الحرب (“صندوق الجنوب” و”صندوق المهجّرين”) لتوزيع التعويضات او المساعدات على سكان مناطق معينة من لبنان وبرعاية قادة سياسيين معينين. اما الممارسة العينية للفساد السياسي فتقود الى بناء مصالح اقتصادية من خلال السلطة وهي ظاهرة تفاقمت بعد الحرب ومع استلام الميليشيات للسلطة. أي ان السياسيين يتربّحون من خلال السلطة للفائدة الشخصية أولا. وهذا وجه واحد من تكوّن سلطة ما بعد الحرب. دخلت اعداد متزايدة من رجال الأعمال الى التمثيل السياسي المباشر، بما هم نواب ووزراء ورؤساء حكومة، ما يزيد من نفوذهم في السلطة ويسهل استغلال السلطة خدمة لمصالحهم الاقتصادية. وفي المقابل، يترسمل سياسيون أو رجال ميليشيات أو قادة حزبيون من خلال استخدام نفوذهم في السلطة لبناء مصالح اقتصادية بوسائل شتى ويرتقون من موقع اجتماعي-طبقي الى موقع ارقى.

ولكن شتّان بين هذا النظام التوزيعي “الاقتصادي-السياسي” والنظام التوزيعي الاقتصادي والاجتماعي الفعلي. فهو يشكل نسبة متواضعة منه، الا انه يغطْي عليه. والنظام التوزيعي الذي يعمل في ظل الرأسمالية النيوليبرالية وسيطرة الاوليغارشيا الحاكمة، هو نظام التوزيع غير المتكافيء للمداخيل والثروات، والموارد والخدمات وفرص العمل والامل بين اللبنانيين، نظام البطالة والافقار (تقدّر نسبته بـ٨٠٪ وما من عالِم اقتصاد يتعجب من الرقم او خبير يعالج!) وتهجير الشباب، نظام النمو المتفاوت بين مدينة وارياف، ومركز وأطراف، ونظام الفوارق الطبقية التي تزداد اتساعا. ولا حاجة لمزيد. هذا هو نظام التوزيع الاقتصادي الاجتماعي اللبناني بإدارة السلطة السياسية. وهو نظام تلعب فيه الطوائف دورها بما هي قنوات ثانوية للتوزيع الاجتماعي.

تلفيق الصفة الريعية

من بين السرديات التي طغت أيضاً لتفسير الأزمة وإعطاء الحلول، تبرز ثنائية: الاقتصاد الريعي الذي قضى على الاقتصاد المُنتج، وضرورة التحوّل إلى اقتصاد مُنتج للخروج من الريع. في حين، أن التدقيق بتركيبة الاقتصاد اللبناني يبيّن أن الريع يشكّل 20% من مجمل الاقتصاد، فيما تستحوذ الصتلعة والزراعة على 16% منه، وتذهب الحصة الأكبر للخدمات. كيف تفكّك هذه السردية؟ وهل الانتقال إلى اقتصاد منتج يمنع حصول أزمات جديدة أو تراكم في الثروة وتجذّر في اللامساواة؟ وهذه تُعدُّ من المشكلات الفعلية التي يعاني منها لبنان.

يجب الانطلاق من البداية، خصوصاً أن التمثيل المعتاد على الريع هو عائدات العاملين اللبنانيين في الخارج. الريع هو ما يُجنَى من السيطرة على المكان او مداخيل متأتية دون عمل. في لبنان، ومثل أي بلدٍ منتجٍ، العاملون في الخارج هم جزءٌ من الاقتصاد العائلي. الأسرة هي الخليّة العاملة في الرأسمالية اللبنانية، بدءاً من الانتاج السوقي العائلي الصغير والمتوسط في الزراعة والحرف، الذي يستعين بعمّالة وافدة او لا يستعين، وصولاً إلى كبريات الشركات الرأسمالية وشركات الهولدينغ وهذا كلّها تقريبا شركات عائلية. وقد احتسبت في دراستي عن الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان (٢٠١٣ ) ٣٠ شركة هولدينغ عائلية تسيطر على قمم الاقتصاد في المال والخدمات والعقار.

تحويلات العاملين في الخارج ظاهرة موجودة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، عندما فشلت العامية الشعبية (١٨٢١-١٨٦١) في رفض توزيع الأراضي على من يفلحها وترسملت الزراعة وقضت على قسمٍ كبير من الاقتصاد الكفافي. في حينها تمّ التوقّف عن زراعة المحاصيل الغذائية في جبل لبنان والتحوّل إلى زراعة شجر التوت لاطعام دود القز مع نمو اقتصاد الحرير الذي ينتج سلعا نقدية، ينبغي بيعها في السوق والحصول على نقد مقابلها. وهكذا لم يعد الإنتاج المحلي يلبي الحاجات الغذائية المحلية فجرى الاعتماد على استيرادها الخارجي. بسبب رسملة الزراعة والتحوّل نحو الاستيراد، بدأت الأسر ترسل أولادها ونساءها إلى الاغتراب للعمل وإرسال الأموال، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وتحوّل قسمٌ من اليد العاملة من الاقتصاد العائلي والمنزلي، وتحديداً النساء والفتيات، إلى يد عاملة مأجورة في معامل الحرير. بدأ سكان جبل لبنان يستوردون القمح والحبوب من البقاع او حوران. وهذا ما يُفسِّر الوقع المضاعف للمجاعة على سكّان جبل لبنان، قياسا بسائر مناطق السلطنة العثمانية، خلال الحرب العالمية الاولى.

لذلك، تحويلات المغتربين والعاملين في الخارج على هي نتاج عمل وليست ريوعا. ولها أدوار ووظائف متعددة في سد حاجات متنوعة في الاقتصاد المنزلي: إعالة، تعليم، استشفاء، ادخار، واستثمار في مشاريع متفاوتة الحجم، انفاق استهلاكي وارتقاء اجتماعي، الخ. علمًا اننا لسنا نعرف توزيع النسب المئوية بين هذه الاستخدامات.

ولكننا هنا أيضا نعود الى التعميم. يعرّف الاقتصاد اللبناني على انه اقتصاد ريعي بناء على ان تحويلات العاملين في الخارج تشكّل نسبة لا تتعدى ٨٪ -١٥٪ من الناتج الوطني الإجمالي (قبل ٢٠١٩) والقياس هو ثنائية ريعي/انتاجي. والواقع ان الاقتصاد اللبناني لا هو هذا ولا هو ذاك إذ انه اقتصاد يستحوذ فيه قطاع الخدمات حوالي ٨٠٪ من الناتج الإجمالي ولا يشكل قطاع الخدمات المالية اكثر من ٢٠٪ من ذلك القطاع. والافدح لدى دعاة الثنائية انهم يتغاضون عن الف باء الاقتصاد بتغييب المكوّنين الرئيسين للاقتصاد: العمل والربح.

والافدح ان موضوع ريعية الاقتصاد يقدّم على انه أحد عوامل الازمة ليقارن بالصواب الاقتصادي والحل “الطبيعي” وهو… الاقتصاد الإنتاجي. ويجرى التغاضي عن حقيقة ان تحويلات العاملين في الخارج تخفف من وطأة الازمة طالما انها تسدّ الثغرة الفاغرة بين المستوردات والمصدرّات وهي من أسباب خروج الدولارات والمديونية. وهذا نموذج عن شيطنة تحويلات العاملين في الخارج وعبقرية الحل، على لسان رأس الدولة، الجنرال ميشال عون الذي أعلن “سنقضي على الاقتصاد الريعي عندما نكتشف النفط.” (خطاب في ٢٥ شباط ٢٠٢٠) يجدر البحث عمن كان يكتب له خطاباته.

النزاع على خيارات الاقتصاد اللبناني قديم بدأ مع تخيّل لبنان بُعيد الحرب العالمية الاولى (الارتقاء من المتصرفية الى “لبنان الكبير” في ظل الانتداب الفرنسي) وتحوّل الى صدام حقيقي بين خيارات متباينة مع الاستقلال. وفي الحالتين وجِد تيار يدعو الى توفير مقدار من الاكتفاء الذاتي الزراعي تحت وطأة ذكريات المجاعة (وهي السبب في ضم سهلي البقاع وعكار الى لبنان الكبير) ودعا اقتصاديون روّاد في تلك المرحلة الى استغلال ثروة لبنان المائية للري وتوليد الكهرباء وبناء السدود، واعتماد الزراعة والصناعة مرتكزا لاقتصاد وطني مستقل.

لكن هذه الرؤية غرقت في طوفان المديح لـ”المعجزة اللبنانية” وشعار “اللبنانيون تجار منذ ست الاف سنة” و”نتاجر مع الآلهة” و”معجزة” بلد يستورد كلّ حاجاته ولا يصدّر شيئاً ويستمرّ مع ذلك في العيش بشكل طبيعي. (حينها كانت تحويلات العاملين في الخارج مختلطة احصائيا بأموال التهريب وتسجّل تحت بند “عائدات غير منظورة”!! وقد بدأ لبنان يلعب دوره، كملاذ مالي في ظل قانون السرية المصرفية).

عندما سيطرت الرأسمالية الاستيرادية على السوق المحلية طُرِدت الصناعة تدريجيا منها واجبرتها على البحث عن نصيبها في الاسواق الخارجية. ومن ضحايا تلك الفترة تدمير صناعة النسيج. والذين يتباكون الان على الاختلال في ميزان المدفوعات أحرى بهم البدء من تلك السياسات التأسيسية الليبرالية للعهود الاستقلالية الاولى التي غلّبت التجارة والمال والعقار على الزراعة والصناعة. وقد نظّر لها امثال ميشال شيحا وطبّقها بواسطة السلطة السياسية (“جمهورية التجار”) كل من بشارة الخوري ورياض الصلح وحسين العويني متكافلين متضامنين. (راجع السجال حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية عند نشوء “لبنان الكبير” وخلال عهد الاستقلال الاول في العدد الخاص من مجلة «بدايات» عن مئوية لبنان، ٢٠٢٠؛ ووثائق الاوليغارشية اللبنانية في عهد الاستقلال الاول، «بدايات»، العددان ٣٥ و٣٦)

وهذه هي الاوليغارشية من الاسر المالية التجارية ذاتها، وما ارتبط بها من أحزاب وصحف، التي عارضت الإصلاحات الشهابية، تارة باسم الاقتصاد الحر وتارة باسم الاسبقية المسيحية في الحكم، ودوما باسم العداء للناصرية، ثم دمّرت كل الاجهزة التنموية والرقابية والمحاسبية التي أنشأت في العهد الشهابي بما فيها الانقلاب في دور المصرف المركزي والمصارف الذي بدأ مع اتيان رفيق الحريري بوكيله المالي في شركة ميريل لينش ووضعه على رأس مصرف لبنان.

تفسَّر الأزمة بتلفيقات لها علاقة بالقطاع الريعي ربطاً بتوجّه البنوك نحو إقراض الدولة عوضاً عن القطاعين الزراعي والصناعي. إلّا أن ذلك مرتبط بأمولة البنوك ولا علاقة له بالريع. والحال ان تعديل دور المصارف في المضاربة المالية والعقارية والتسليفات التجارية ليكون لها دور في اقراض القطاعات المنتجة، يستدعي إجراءات وتشريعات تتطلب تدخل الدولة مباشرة في التشريع واصادر المراسيم، او من خلال سياسات المصرف المركزي، او انها تتطلّب مبادرات من القطاع الخاص. في العادة تنتشر فروع المصارف في الأرياف لاصطياد ودائع من يتلقى تحويلات مالية خارجية بالدرجة الاولى. وتدعم الدولة ومصرفها المركزي التسليف العقاري بواسطة المصارف ولا دعم للتسليف الزراعي والصناعي. وللتذكير: في زمن سابق وجدت مصارف زراعية وصناعية تتخصص في تسليف القطاعات المنتجة وقد جرفتها الموجة النيوليبرالية بعد الحرب.

لا يوجد بلد ينمو فيه القطاع الإنتاجي بلا حماية جمركية. تحمي الولايات المتّحدة، اغنى بلد في العالم، قطاع المنسوجات لديها برفع الرسوم الجمركية بوجه الانسجة الواردة من بنغلاديش، احد افقر بلدان العالم. وتحمي قطاع الصلب بالحواجز والرسوم الجمركية بوجه الصلب الأوروبي. اما في عهد إعادة الاعمار أُلغِيت معظم تلك الحمايات الجمركية واستعيض عنها بإعفاء بعض المواد الأولية المعدّة للصناعة. وتكرّس في المقابل، دور الصناعة التصديري بإنشاء مؤسّسة “إيدال” لدعم الصادرات والتي تكشّف أنها لم تقم بأي إنجاز يذكر.

والأهم في مسألة الاقتصاد الإنتاجي هو سيطرة الشبكة التجارية عليه ومنافسة السلع الزراعية المستوردة للسلع المنتجة محليا. على سبيل المثال، يُسمح للتجار في خلال المواسم الزراعية اللبنانية باستيراد المنتجات الزراعية نفسها بالضد من تشريعات تحمي الإنتاج المحلي وتمنع الاستيراد خلال مواسمه. ومما يزيد من اكلاف الإنتاج الزراعي ألغاء التصنيف الزراعي للأراضي، او اهمال تطبيقه، وتحوّل الأراضي الزراعية الى اراض مُخصّصة للبناء، ما يرفع من الكلفة الاجمالية لريع الأرض. وهناك التهريب الذي ينافس الإنتاج المحلي، وتكاثر عدد الوسطاء، واحتكار وكالات الالات والأدوات والأدوية الزراعية، غيرها.

مثال واحد على مأساة الزراعة: شكّلت مسألة الاكتفاء الذاتي الغذائي احد الأسباب التي دفعت الى المطالبة بتوسعة حدود جبل لبنان خلال الحرب العالمية الاولى وامام فاجعة المجاعة التي ضربت جبل لبنان والساحل بسبب التخلي عن الزراعة الكفافية وزرع أشجار التوت لتغذية الاقتصاد السوقي. خلال المتصرّفية كان جبل لبنان ينتج ثلث حاجته من القمح. بعد قيام لبنان الكبير العام ١٩٢٠و ظل لبنان ينتج لا اكثر من حاجته الى القمح، بسبب سيطرة تجارة الاستيراد ومنافستها الإنتاج المحلي. الآن، اعام ٢٠١٩ ينتج لبنان ربع حاجته من القمح ١٣٠ الف طن مقابل ٥٧٠ الف طن مستورد

لنضع كل هذا في اطاره. برزت ثنائية ريع/انتاج لدى المؤسسات المالية والتنموية الدولية مع العصر النيوليبرالي والاتجاه الجديد للرأسمالية العالمية لتفريع الإنتاج الصناعي ونقل مصانعها الى دول القارات الثلاث لتفادي قيود وتشريعات العمل في البلدان المتقدمة بما فيها من ضمان ديمومة العمل، وحقوق العمل النقابي والاضراب، والتخلص من اشتراكات الضمانات الاجتماعية والصحية وتعويضات البطالة والتقاعد، وهي جميعها مكاسب أحرزت بفضل نضالات عمالية وشعبية ومن ثمار دولة الرفاه التي سادت معظم دول أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

قبل ذلك، وخلال قسمة العمل الدولية بين بلدان تصدر المواد الاولية والزراعية وبلدان تنتج السلع المصنّعة، والتبادل غير المتكافىء بينهما، كان الغالب هو مفاهيم التنمية المختلفة. مع النيوليبرالية ازيحت التنمية، على اعتبارها تتطلب التخطيط الاقتصادي وتدخل الدولة، وحلّ محلها “النمو” الذي ينتج تلقائيا عن آليات عمل السوق وعن تدفقات الاستثمارات الخارجية المباشرة، بعد تنفيذ “الإصلاحات الهيكلية”. وتلقّف خبير دوليّ ما مقولة جاهزة هي “الدولة الريعية” التي يعلكها الفكر السياسي والاقتصادي منذ الخمسينيات في تعميمه لنموذج الدولة النفطية على مجمل العالم العربي واعتباره تفسيرا لغياب الديمقراطية فيه. وباتت الاقتصاديات العربية ريعية وليس دولها وحسب.

وإذ يثور السؤال عن النموذج المعتمد لتشجيع نمو القطاعات المنتجة، لن نلقى غير ذلك الذي انبنى عليه مشروع إعادة الاعمار بعد الحرب الاهلية: مشاريع تشييد ابنية تحتية تحفز تدفقات للاستثمارات الخارجية المباشرة التي سوف توظف في القطاعات الانتاجية. حصل ذلك. لكن التدفقات اتجهت نحو القطاعات الأكثر ادرارا للربح – مدنيونية الدولة والمضاربة العقارية والسياحة – وبالنادر نحو القطاعات الانتاجية. وانسحب قسم كبير من تلك الاموال عندما انخفضت معدلات الفائدة على سندات الخزينة. وهذا هو القانون الحديدي للرأسمالية. والغريب في الامر ان ما كان مقترحا من “أصدقاء لبنان” قبل ٢٠١٩ في “مشروع سيدر” لا يكاد يختلف عن مشروع التسعينات من القرن الماضي: بنى تحتية بـ١١ مليار دولار تستدرج استثمارات خارجية مباشرة!

دولة مستقيلة وضعيفة ومافيوية

تقول إحدى السرديات الرائجة لتحديد المسؤوليات عن الأزمة إنّ «الحق على الدولة الفاشلة» إمّا لأنها مخطوفة من زعماء طوائف وأمراء حرب، أو لأنها غير موجودة، أو لأنها فاقدة للمشروع. وفي المقابل يكون الحلّ إمّا بالدولة نفسها عبر استرجاعها من خاطفيها وبنائها على أسس ديمقراطية وعصرية ومدنية والانتقال إلى دولة والقانون، وكأن الدولة وفق هذه المقاربة المثالية هي بمثابة ملاك حارس أو حَكَم يتموضع بين الأخيار والأشرار ليحقّق العدالة، أو بالاستغناء عن الدولة كلّياً إلّا ضمن الوظائف التي تخدم تراكم رأس المال، فالكثير من الوصفات التقنية التي تُعرض على خلفية هذه السردية تطرح قيام سلطة التكنوقراط لإجراء الخصخصة والتقشّف وإعادة الهيكلة.

ما هي الدولة أصلاً؟ وما هو القانون ومن يضعه ومصالح من يخدم؟ وهل يمكن للدولة أن تكون المعبر لمجتمع مستقرّ بمعزل عن البنى المجتمعية نفسها وموازين القوى الموجودة داخل المجتمع؟

هذه الثنائية قديمة. لطالما اشتهى اللبنانيون الدولة ونبذوها في الوقت نفسه. هذا فصام عريق في الحياة العامة. ووجهه المعاصر ثنائية بناء الدولة/شيطنة الدولة. الاول يؤجل الإصلاح والتغيير الى ما لا نهاية باسم البناء او يحلم بانقلاب عسكري تكنقراطي يكرر التجربة الشهابية. والثانية هي الجديد النيوليبرالي الذي يحمّل الدولة والسياسة والسياسيين المسؤولية في كل الازمات، ومنهجه قراءة سياسية للاقتصاد. وقد مر علينا مثالان عنها أعلاه: الفساد السياسي حيث يوجد فاسدون بلا مفسدون، وتعريف النظام اللبناني على انه نظام توزيعي طائفي وسياسي، وهو نظام سياسي يغيّب نظام التوزيع الاقتصادي-الاجتماعي. والامثلة عديدة على هذه السياسوية: تحميل الاحتكار السياسي (المسمّى “محاصصة”) المسؤولية عن الاحتكار الاقتصادي؛ نفي وجود طبقات لأنها ليس تملك مشروعا سياسيا؛ الخ.

السؤال عن ماهية الدولة شرعي، نظرا لشحة التشخيص للدولة والمجتمع وكثرة الاختزال والتبسيط والتعميم في آن معا. يمكن الاكتفاء هنا بالبدء من البداية وتسجيل عدد من نقاط الاستدلال.

في لبنان دولة تمارس دورها الأساسي كدولة في الحفاظ على الامر الواقع بين حكام ومحكومين لصالح الاولين، وفي إعادة انتاج مؤسساتها وقوانينها لضمان سيطرة القلة على الكثرة وهيمنتها عليها. هذا من جهة. من جهة أخرى، تؤدي هذه الدولة دورها في الحفاظ على نظام التراتب الطبقي والطائفي والمناطقي وإعادة انتاجه (الموسّعة) دوريا. يجري ذلك في ظل سيطرة طبقة حاكمة اوليغارشية مكونة من تحالف وتشابك مصالح بين مصرفيين ومستوردين وعقاريين يسيطرون على قمم الاقتصاد وأحزاب سياسية صادرة عن الحرب توظف قواها العسكرية وطاقتها التعبوية وايديولوجياتها الطائفية والطبقية في خدمة الحفاظ على النظام بوجهيه الاقتصادي والطائفي.

يتولى الحكم مؤسسات جمهورية (برلمان، جهاز تنفيذي رجراج بين رئيس جمهورية ومجلس وزراء، وقضاء) مدعومة بالدستور والقوانين (القمع الصامت) والاعلام (القمع الثرثار) وبالجيش وأجهزة امن، (القمع الاحتياطي السافر). ومع ان الأحزاب الحاكمة تتنافس فيما بينها على السلطة والمال الا انها متضامنة عادة في وجه المحكومين. فحتى لو كانت الطبقة الحاكمة منقسمة وعاجزة عن الفعل الموحد، فلا قيمة عملية او استراتيجية لذلك بالنسبة لقضية التغيير، إن لم يكن للمحكومين قوة منظمة بديلة قادرة على الافادة من هذا الانقسام وذاك الضعف.

الدولة اللبنانية – بما هي دولة الاقتصاد الحر والنظام الطائفي –ضعيفة أصلا، والسبب انها متخلية عن وظيفتين أساسيتين من وظائف الدولة الحديثة: تخليها عن سيادتها القانونية على الاحوال الشخصيّة (زواج، طلاق، ارث، الخ.) لصالح ١٨ مذهباً تطبّق شرائعها على “الاهلين” في محاكمها واجهزتها القضائية المستقلة؛ ومتخلية عن دورها الاولي في الحياة الاقتصادية الحديثة (بما هي قوة رادعة لمفاعيل السوق على المجتمع) وعن دورها في التنمية والتخطيط الاقتصادي والتوزيع الاجتماعي، اللهم الا في حدودهما الادنى. والمعني بعدم تدخل الدولة في الاقتصاد، في العصر النيوليبرالي، هو أنها تتدخل في الاقتصاد لتطبيق “الإصلاحات” النيوليبرالية لصالح الممسكين بالسلطة والمال.

والدولة اللبنانية ضعيفة لسببن إضافيين. الاول الاختلال في مراكز السلطة الناتج عن الدستور الجديد والانقلاب عليه الذي تتوّج بوصول ميشال عون الى الرئاسة باسم “الرئيس القوي” والذي اطلق نزاعا بين مكوني السلطة التنفيذية، رئيسة الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، أدى ويؤدي الى شلل بفعل قوة التعطيل التي يملكها الطرفان. وقد زحل مركز السلطة نحو المجلس النيابي، خلال الازمة الأخيرة، ومعه زحل مركز الثقل في الدور السياسي لجمعية المصارف وغرف التجارة والصناعة.

والسبب الثاني هو تغوّل الشبكات المافياوية على الدولة والمقصود بها كل الممارسات غير الشرعية الكاسرة للقوانين والمانعة للمساءلة والمحاسبة والعقاب بغرض تسهيل مصالح اقتصادية او الحصول على منافع او تسهيلات عن طريق كسر قوانين الدولة من طرف تكتلات داخل الدولة ذاتها في مجالات من مثل التهريب، وتبييض الاموال، او عن طريق كارتيلات النفط والغاز والطحين، وحماية المجرمين، وغيرها.

في خلاصة الامر، الدولة اللبنانية قوتها في ضعفها الى حد بعيد. وهذا يفتح المجال واسعا امام التأمل والمزيد من التدقيق فيها وفي آلياتها والبحث في تناقضاتها وما تثيره من تحديات وإمكانات من منظار مصالح الأكثرية الشعبية وتطلعاتها الى التغيير

… والمعارضة غير موجودة

أمام هذا الواقع، هناك من يعتبر أن الحلّ هو بقلب موازين القوى إنّما من دون تقديم آليّات لكيفية قلب هذه الموازين. كيف تُبنى الموازين أو تقلب لكي يتمكّن الفريق الرابح من السيطرة على الدولة أو استخدامها للتشريع لصالحه أو لصالح الفئات التي يمثّلها؟

لا يوجد شيء اسمه مشكلة وحل. هذا حديث خبراء. حديث المعارضين والعاملين على التغيير هو حديث تحديد الأهداف (وهذا يعني دوما تعيين أولويات)، ورسم المسارات وبناء القوى وتكتيلها والبحث عن الوسائل الأشد فاعلية للتنفيذ. هذه تسمّي استراتيجية. وهي تتطلب الإجابة على أسئلة افتراضية (تسمّي تكتيكية عادة) من موقع قوى التغيير أبرزها: ما الذي تتيحه الازمة؟ الهجوم ام الدفاع ام الكمون ام المقاومة؟ ما الممكن؟ صد هجمات؟ ام تخفيف خسائر؟ ام الإصلاح او احداث ثغر في النظام تتيح البناء عليها لزيادة المكاسب ورفع الثقة والمعنويات لدى الناس بإمكان تحقيق إنجازات وكسب معارك جديدة؟ الخ. الخ.

اما عن موازين القوى، فهي تقوم بين “قوى”، وقلب موازين القوى يفترض وجود قوتين او أكثر. القوة الاولى موجودة. تعرفنا عليها أعلاه. اين القوة الثانية؟ لذا قلت ان الاسئلة التكتيكية افتراضية. لم تنجح الانتفاضات الشعبية منذ العام ٢٠١١ في بناء معارضة. يتحمّل العدد من الأحزاب والقوى والتنظيمات التي شاركت في قيادة تلك الانتفاضات قسطا من المسؤولية، في التشخيص والتصور والسلوك. أجمعت على شعار واحد ومطلب واحد في انتفاضة ١٧ تشرين هو “حكومة انتقالية ذات صلاحيات تشريعية”، في تصوّر انقلابي يفترض ان النظام قد انتهى والمطلوب تأمين انتقال “سلمي” الى نظام جديد. حتى ان احد الأطراف، من فرط نزعته السلمية، اخذ يناشد رئيس الدولة بالتنحي وتسليم السلطة! الى هذا يجب ان يضاف لون من الشعبوية الشبابية تكرر عددا مما استوعبته من أيديولوجية المجتمع المدني والتعاليم النيوليبرالية، (بعضها منقول عبر الاناركية الفردانية الاميركية) وهذه ابرزها: رفض الأحزاب، (وخلط الرفض لأحزاب السلطة بفرض الأحزاب عامة) الفردانية (انا القائد)، رفض القيادة، شيطنة الدولة، الوسائل (اننا ننتزع ولا نطالب) والتكتيك الأوحد المنسوب الى الثورات المخملية في أوروبا الشرقية وهو احتلال البرلمان او ساحته، الخ.

للعبرة وتقدير كلفة الإصلاح وشروطه وقواه، قبل البحث في قلب موازين القوى وتغيير النظام والاستيلاء على السلطة: اكثر من مليوني فرنسي في الشارع منذ اكثر من شهر بدعوة من تحالف أحزاب شعبية ومن اتحادات نقابية ذات صفة تمثيلية عالية. والهدف واحد: منع البرلمان من تمديد مهلة التقاعد من ٦٢ الى ٦٤ سنة. وهذا فعل مقاومة للحفاظ على مكسب اجتماعي وليس فعل تغيير!

الخلاصة: بناء القوة يبدأ بتأسيس الأحزاب وإعادة بناء النقابات العمالية انطلاقا من أماكن العمل وخوض معارك إعادة الاعتبار للنقابية الطالبية وتفعيل العمل في النقابات التعليمية والمهنية. هناك منظّمات غير حكومية معظمها مموّل من دول غربية تعادي الأحزاب، فيما أنظمة البلدان التي تمولها او تستلهم أنظمة الحكم فيها قائمة على ممارسة السلطة وتداولها بين أحزاب سياسية. وهي تبشّر بالتعددية والرأي والرأي الآخر وبالديموقراطية ولا تمارسها في حياتها الداخلية. لن توجد ديمقراطية ولن يوجد اصلاح او تغيير من دون حياة حزبية ومن دون نقابات ودون الاتكال على الضغط الشعبي المبادر والخلاق والمنظّم.

الصراع طبقي موجود

في مقابل سردية تحميل المسؤولية للدولة، تبرز سردية مقابلة تحمّل الناس المسؤولية وتعتبر أن الفشل في هزم السلطة أو تغيير النظام هو حبّ الناس لجلاديهم. وتتكرّر هذه السردية من دعاة التغيير، بشكل رئيسي، عند تحليلهم أسباب فشل الانتفاضة أو الخسارة في الانتخابات. وفي حال حصل تعمّق في التحليل تصبح المشكلة بالطائفية التي تسحق أو تمنع تبلور صراع طبقي. برأيك ما هي العوائق التي تحول دون نشأة صراع طبقى يطغى على الصراع الطائفي؟

الصراع الطبقي موجود. مثلما الصراع الطائفي موجود. وهو تارة خفي مستتر وطورا واضح في الحالتين. ليس يطغى الثاني على الاول بالضرورة ودائما. يمكن للصراعين ان يتعاقبا. دار صراع اجتماعي خلال عقد من الزمن بين ١٩٦٤ و١٩٧٤ – ويمكن اعتباره صراعا حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية وحول دور الدولة بدأ بعد حرب ١٩٥٨ – تلت ذلك حرب أهلية ذات طابع طائفي ١٩٧٥-١٩٩٠. اعقبها صراع اجتماعي تحت رايات إعادة الاعمار لنقل النظام الاقتصادي من ليبرالي الى نيوليبرالي، كانت المبادرة فيه للسلطة الجديدة التي تسيطر عليها أحزاب الميليشيات. ومن معالم ذاك الصراع احتواء الحركة النقابية وسيطرة أحزاب السلطة عليها. وعرف لبنان ثلاث انتفاضات شعبية في ٢٠١١ و٢٠١٥ و٢٠١٩ كانت الأخيرة رد فعل على صراع خاضته الطبقة الحاكمة على مدخرات اللبنانيين ومستوى معيشتهم ومستقبل أولادهم بل على حياتهم ذاتها في انفجار المرفأ.

وفي التقاطع والتواشج بين الصراعين، يمكن القول إن الطبقات والشرائح الاجتماعية قد تتوسل النزاعات الطائفية لتأمين حضورها في السلطة. وهو ما حصل عام ١٩٥٨ بالنسبة لرجال الاعمال والطبقات المتوسطة السنّية وفي الأعوام ١٩٧٥-١٩٩٠ بالنسبة لرجال الاعمال والطبقات المتوسطة الشيعية. ويمكن النظر الى تلك النزاعات، من منظار الصراعات الطبقية، بالحديث عن توسل طوائف معينة العنف المسلّح لفرض تمثيلها في السلطة بسبب تصلّب النظام السياسي. وهذا هو حال النخب السنية التي ارتقت بعد حرب 1958، والنخب الشيعية ارتقت بعد حرب 1975.

ينتمي اللبنانيون واللبنانيات إلى ثلاث حلقات أساسية من الانتماء والتضامن: العائلة والطائفة والطبقة. تلعب العائلة دورها بما هي خلية التشغيل داخل الطائفة والطبقة. والطبقات جماعات من البشر تتمايز فيما بينها بناءً على علاقاتها بظروف المعيشة والقطاعات الاقتصادية وعلاقات الإنتاج وحصتها من الثروة الاجتماعية. وهذه جماعات متراتبة يمكن لواحدة منها أن تستغل عمل جماعة اخرى. يستجيب المواطن، بالإضافة، الى استدعائين: الطائفي والطبقي معا، لكن تغليب أي واحدهما على الآخر، في وعي الفرد وسلوكه، ينحكم بظروف وعوامل خارجية، موضوعية وذاتية.

في حالات معينة، ينقلب الصراع الاجتماعي الطبقي الى صراع طائفي، كما في حال سنوات ما قبل حرل ١٩٧٥. وهو موضوع يستحق المزيد من التبحّر والنقاش والتدقيق.

يمكن المجازفة بجواب يقول ان الطائفية هي الحلقة الضعيفة التي ينكسر الإجتماع اللبناني بسهولة أكبر عندها لأنها الحلقة الاقوى. اما ان الحلقة الطائفية هي الأقوى فلأسباب وعوامل متعددة. أولا، لأن نظام التمثيل الطائفي اقدم زمنيا من النظام الطبقي. تأسس في ظل متصرفية جبل لبنان (١٨٦١-١٩١٥) واستمر وتكرّس منذ ذلك الحين، في حين يصعب الحديث عن بنية طبقية متكاملة قبل تتكون الكيان اللبناني بعيد الحرب العالمية الاولى وتبلور الاقتصاد الرأسمالي قبل العهود الاولى من الاستقلال.

ثانيا، الوعي الطائفي ابكر وارسخ لارتباطه بالهوية الايمانية والتربية الدينية في البيت والمدرسة.

ثالثا، النظام الطائفي ابرز وارسخ في الحياة العامة، يتحكم بجوانب بارزة من حياة المواطنات والمواطنين ـ التعليم، العمل الوظيفة، الارتقاء الاجتماعي، التمثيل السياسي والاحوال الشخصية، الخ.

رابعا، ان مؤسسات التمثيل الطائفي وخصوصا الجمعيات والأحزاب أوسع واشمل واقوى نفوذا من المؤسسات المهنية والنقابية القائمة على أساس طبقي، خصوصا اذا كنا نتحدث عن مؤسسات وأحزاب ونقابات تمثّل الطبقات الشعبية والطبقات المتوسطة.

خامسا، يغلب الطائفي على الطبقي في الوعي والسلوك والتعبئة جراء الصد الذي تواجهه النضالات الاجتماعية والطبقية، ما يسهّل عملية تحوّل الاحتقان الاجتماعي الى احتقان طائفي.

احد ابرز دروس التواشج بين الطائفي والطبقي هو امكان ترجمة الصراعات الطبقية بلغة الصراعات الطائفية.

اخيرا إذا كان هناك صراع اجتماعي لفترة عشر سنوات وأعقبه صراع طائفي، فهذا يعني أنّه يمكن العودة إلى الصراع الاجتماعي. ولكي يكون صراعا اجتماعيا من تحت لفوق، أي ان يمثل مصالح وآمال وتطلعات الاكثرية الشعبية، فهو يتطلب بناء القوة والقدرة والرؤية ورسم المسار وامتلاك الوسائل.

Themes
Political Economy Politics
Countries
Lebanon
Published In
SifR
Author
Fawwaz Traboulsi Viviane Akiki
Keywords
Political Economy Democracy Lebanese Politics Neoliberalism Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.