العمل والعمال في الثورات العربية
فوّاز طرابلسي
تحين الذكرى الثانية لعيد العمال على الثورات العربية في ظروف تستدعي التذكير بالاساسيات وبل المستجدات.
في الاساسيات، امران. الاول ضرورة التوكيد على الدور الذي لعبته القضايا العمالية والاجتماعية في اطلاق الانتفاضات وفي صياغة اهدافها. في ظل شعارات «عمل. حرية. خبز» و «عيش. حرية. عدالة اجتماعية. كرامة انسانية »، انتظمت الثورة في تونس ومصر. وإنطلقت شرارات هذه الاخيرة من تحركات التضامن مع نضالات واعتصامات قطاعات عمالية متفرقة في مقدمتها عمال معامل المحلة الكبرى.
والامر الاساسي الثاني هو حضور العمال والكسبة والكادحين في الانتفاضات. ففي أسهمت الفروع المحلية للاتحاد العام للعمال في التنسيق بين الفعاليات والانشطة الثورية في تونس، اتخذت الثورة في مصر منحى معاكسا باتجاه تهشيم وحدانية التمثيل النقابي الرسمي وتحرير التمثيل النقابي من تحكّم السلطات وأجهزة الامن. انطلقت حركة تأسيس النقابات المستقلة وقد بلغت عدة مئات الى الآن. وما من شك في أن الاتجاه ذاته سوف يرافق الثورة السورية في وجه اتحاد عمالي رسمي لم يعد له صلة بعالم العمل والعمال ومثله اتحاد الفلاحين.
الطبقة العاملة المنظمة والاتحادات النقابية في الثورات. اذا كانت الشرارة انطلقت من تجمعات طلابية وشبابية لعبت الطبقة الوسطى فيها ادوارا لافتة، الا ان الملايين التي احتلت الساحات ونزلت للشوارع وتحركت في القرى والبلدات والضواحي وحرّكتها وتصدّت للرصاص للقمع وصمدت على امتداد سنة ونص، هذه على كثرتها الساحقة مكونة من عمال وكسبة وحرفيين وقبائليين وفلاحين، من كل الاعمار، وعاطلين عن العمل من الشباب خصوصا.
فئات جديدة تنضاف الى الطبقات الشعبية والمحرومين: المهمشون اجتماعيا. سكان العشوائيات، ما يطلق عليه آصف بيات «فقراء الطبقات الوسطى ».
المستجدّ الابرز في الثورات ذاتها وفي احتفالات الاول من ايار لهذا العام هو حضور العاطلين عن العمل بما هم قوة قائمة بذاتها، يتنظم بعض منهم في هيئات وحركات باتت الآن تمثلها، او من خلال تنظيهم تظاهرات خاصة بهم للمناسبة. ثلث الشباب العربي محروم منه. ارقام مذهلة عن ٥١ مليون فرص العمل في السوق بحلول العام ٢٠٢٠. وقد كان لافتا ان التظاهرات والنشاطات المنظمة بمناسبة هذا الاول من ايار، كانت ترفع الشعارات التي تطالب بالعمل لا مجرد بحقوق العاملين. لكن العمل حق وقيمة. لا هو منّة ولا هو سخرة. وليس غريبا ان ترفع الانتفاضات السورية شعار «انا عامل ولست عبدا».
لم يكن غريبا ان ينصبّ الضغط الشعبي على الحلقة السياسية-الامنية لخلخلة أنظمة الاستبداد وإسقاط رؤوسها والسعي لشلّ أجهزتها القمعية والامنية ولا كان من قبيل الانحراف عن الحوافز الرئيسية للثورة ان تخاض المعارك الرئيسية على صياغة الدساتير والقوانين والمنافسة الانتخابية. على ان قمة الوهم هي الاعتقاد بأن هذه كلها تكرّس الفصل بين الاجتماعي والاقتصادي من جهة وبين السياسي من جهة اخرى. او ان الثورة تحبل في المجال الاجتماعي وتلد في ميدان السياسة. حقيقة الامر ان جذرية الاندفاع نحو التغيير السياسي إن هي الا التعبير عن جذرية الاحتقان الاجتماعي. وعكسا فالاكتشاف الكبير للثورات هو ان التغيير السياسي الجذري بإسقاط انظمة الاستبداد بات شرطا لبناء اوطان جديدة قائمة على سياسيات جديدة لا تكتفي بتأمين الحرية والديمقراطية وانما تؤمن الحد الادنى من الحقوق الاجتماعية في العلم والعمل والسكن والبيئة النظيفة ومستوى المعيشة اللائق وتعمل على انتشال الثلث من السكان الذي يعيش في الفقر والفقر المدقع.
للذين لا يحبّون مهاجمة النيوليبرالية إعترف مديرا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بأن المقياس الرئيس الذي فرضاه للجدوى والنجاح الاقتصاديين، معدلات نمو الدخل الاهلي، لا يوفّر بذاته فرص عمل جديدة. لا تتوافر فرص عمل بالاحجام المطلوبة الا باحياء القطاعات الانتاجية في الزراعة والصناعة. ووضع حد للترييع الشديد للاقتصاديات.
ومع ان لبنان لم يكن مسرحا لتجربة ثورية خلال هذه الفترة الا انه قدّم من خلال تجربة وزير العمل شربل نحاس الاخيرة في السلطة البرهان الاكيد على التلازم بين الشبكة المالية-التجارية-العقارية المسيطرة على الاقتصاد والزعامات الطوائفية الممسكة السلطة السياسية. وقد إنكشف من خلال النزاع حول مشروع الاجر الاجتماعي الذي قدّمه الوزير نحاس مدى تبعية السلطة الثانية للاولى ومدى تسخيرها لخدمتها. وفي بلد يفرض على سكانه هوية واحدة وواسطة تمثيل واحدة في السياسة والادارة بل في المجالات الاجتماعية والثقافية ايضا، هي الهوية الطوائفية المذهبية، إنتظم مدّعو تمثيل الطوائف صفا واحدا – بمن فيهم الاجهزة النقابية التي عمل زعماء الطوائف على نخرها وتفتتيها وتطييفها ومذهبتها منذ نهاية الحرب – تحدوهم غريزة عدوانية واحدة في وجه وزير فرد تجاسر على مشروع اصلاحي متواضع يأكل حصة من الارباح الفاحشة التي تجنيها طبقة من الرأسماليين الريعيين الجشعين. وقد ارتدّ عليه اول من إرتد اعضاء الكتلة السياسية التي عمل في ظلها. والعبرة من هذه التجربة اللبنانية هي ان لا تغيير اجتماعيا او في التوجهات الاقتصادية ممكنا دون تغيير سياسي.
والعكس صحيح. وهو يوجه تحذيرا جادا لللنخب التي حازت على الاكثرية في المجالس النيابية او السلطات التنفيذية (الانتقالية). فالوجه الآخر للحريات السياسية التي يجب اكتسابها ومأسستها وقوننتها على حساب عهود الاستبداد لا يمكن ان تكون انظمة الحرية الاقتصادية . ومن جهة ثانية،
مبدأ الحقوق. مثلما يجري العمل على ضربها في المجال السياسي، تجري محاولات ضربها في المجال الاقتصادي الاجتماعي. تحويل العمل الى منّة يتصدق بها حاكم او ربّ عمل. ومنطق الصدقة يختزل الحقوق الاجتماعية عند الاسلاميين. التعويض عن دعم السلع الغذائية والمحروقات عن طريق التوزيع المادي. الصدقة. منّة تبقي التراتب الاجتماعي حيث.
