Back to Publications
Publications Articles

Revolutions in the Third Year - The People Still Want

Destroying the Iraqi state in the name of "civil society" unleashed not freedom but sectarian demons — every Arab revolution has two wings: modernist and regressive.

الثورات في العام الثالث – الشعب لا زال يريد

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

الثورات في العام الثالث

الشعب لا زال يريد…

فواز طرابلسي

«محاولة التفكير في الثورة أشبه بأن يصحو المرء

ويحاول ان يبحث عن المنطق في الحلم الذي حلمه. »

(جان جُنيه، «الأسير العاشق »).

الثورة حلم. وما أصعب التفكير بها على الذين لا يملكون موهبة التعبير الادبي ان يجهدوا للتفكير بالثورة اقد يكون التفكير بالثورات شبيها بتعبير الاحلام. على ان الثورات مناسبة معرفية وتحدّ فكري في آن معا. انها تعرّي آليات تشغيل السلطة المجتمع والسلطة وتقدّم لحظات استثنائية وامضة لمشاهدتها باوضح ما يمكن.

في العام الثالث لا تزال الثورات تتحدانا في التفسير واستكشاف المستجد.

تكاثرت الدعوات الى نفي طابع الثورات عما تشهده المنطقة العربية منذ عامين حافلين بالانقلابات والاحداث الدرامية والدموية. ولو اقتصر الامر على اعداء ما يجري لهان الامر. لكنه

في انها ثورات

ليست التسميات بريئة لأنها تمنح الحدث معنى سلفاً. اول حاجب دون التفكير بالثورات هي تسمية «الربيع العربي ». تحيل الى سوابق في التاريخ الاوروبي، من «ربيع الشعوب » ١٨٤٨ الى «ربيع ١٩٦٨» الطلابي والشبابي، «ربيع براغ »في العام ذاته ضد الحكم السوفياتي. مصدر التضليل والاستكانة في التسمية انها توحي بأن الحدث طبيعي عضوي ودوري، فيما هو حدث استثنائي، وفجائي وعميق الطابع الانساني. والتسمية الطبيعية ودوريتها تغنيان عن الاعتراف بالمفاجأة والتنقيب عن اسباب الثورات والعوامل التي ادّت الى التزامن الغريب فيما بينها .

ما نحن شهود عليه، او مشاركون فيه، ثورات، اي جملة من المسارات المتقاطعة والمتفاوتة من حيث الوتيرة والانجاز،عبّر انفجارها المتزامن والعفوي عن ازمات عميقة في احشاء المجتمع والسلطة في الاقطار المعنية. وهي ثورات لأنها تعلن عدم اقتناعها بإمكان الاصلاح بل تطمح الى تغيير جذري في بنى ومؤسسات الدولة والمجتمع. والطابع في المقام الاولى ثورات ذات منحى ديمقراطي بمقدار ما تفصح عن اهدافها في تفكيك الانظمة الاستبدادية القائمة، اكانت دكتاتوريات شعبوية ام انظمة سلالية نفطية او غير نفطية واستبدالها بانظمة قائمة على السيادة الشعبية. وما يميّزها عن الانقلابات هي طابعها الشعبي وكونها اخرجت الى الفعل السياسي قوى جماهيرية شعبية واسعة من الطبقات الوسطى ومن فقراء ومهمشي المدن والارياف والاطراف. وهي ثورات تتوسلّ القوة العددية للجماهير المحتشدة والمعتصمة والمحتجة لتحقيق اهدافها.

وهي ثورات تعطيك اسبابها واهدافها.

حضور الشعب: ثورة مفهومية

لا حاجة لكبير جهد فكري للبرهنة على أنّ منبت شعار «الشعب يريد اسقاط النظام » يقع خارج منظومة المفاهيم والافكار والارشادات التي قامت عليها، وروّجت لها الإيديولوجيا النيوليبرالية المهيمنة خلال ربع القرن الاخير على الاقل.
اعاد الشعار الاعتبار لمفهوم «الشعب»، بما هو الهوية الرئيسية للسكان في مقابل التعريفات الانتمائية والثقافوية المهيمنة، بمركباتها الإثنية والأقوامية والطائفية والمذهبية والأقلوية التي روّجت لها ايديولوجيا العولمة الاميركية خصوصاً. التي يستغلّها الحاكم المستبدّ والعدو الخارجي على حد سواء.
«الشعب يريد» اعلان عن تطلّب لمصدر جديد لشرعية السلطة، هو مبدأ السيادة الشعبية، يحل محلّ «الشرعيات» السائدة: «الشرعية القبلية ــ السلالية»، و«الشرعية العسكرية ـ العقائدية »، و «الشرعية الثيوقراطية»، أو «شرعية» تأويل النص الديني في أمور السياسة والدولة، فضلاً عن «الشرعيات الخارجية » التي استعاضت بها الانظمة الاستبدادية العربية عن شرعية داخلية رفضت شعوبها منحها اياها بقدر ما رفضت هي السعي لاكتسابها.

من جهتها، مثّلت وتمثّل مقولة «الشعب/النظام» مراجعة جذرية لنظرية «الدولة/المجتمع المدني» التي غلب على ترويجها وممارستها التأويل الليبرالي لها الذي يقيم التعارض بين كتلتين متجانستين: الدولة، وهي مستبدة تعريفاً، يقابلها «مجتمع مدني» قوامه القطاع الاقتصادي الخاص والنقابات المهنية والمنظمات غير الحكومية، وهو «المجتمع» الذي يمثل الولاءات والانتماءات الاختيارية للمواطنين. فيضارع «المجتمع الاهلي» بما هو منبت «الولاءات التقليدية ». والوصفة الجاهزة: بقدر ما يضعف دور الدولة، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة – اللهم الا في شؤون الامن – بذاك القدر تنمو حريات الافراد.
سال حبر كثير في نقد تلك النظرية، انصبّ على محاور عدّة تستحق التسجيل. أولا، طمسها التراتب الاجتماعي ــ بما فيه من فوارق بين الطبقات، وبين مدينة وريف، وبين عمل ذهني وعمل يدوي وسواها. ثانياً، خلطها المستمر بين «الدولة» وبين «النظام» السياسي والاقتصادي ـ الاجتماعي والثقافي المسيطر على الدولة. ثالثاً، القطيعة التي تفرضها بين الدولة والمجتمع، وتسطيح العلاقة بينهما، وحجب مرتكزات السلطة وخطوط دفاعها، وآليات اعادة انتاجها، الكامنة داخل المجتمع ذاته. رابعاً، العداء لأي دور للدولة في اعادة التوزيع الاجتماعي لصالح الفئات المحرومة أو المهمشة أو المتضررة من اقتصاد السوق الرأسمالي الاحتكاري. خامسا، اغفال دور المجتمع الاهلي ذاته كرافعة من روافع التغيير السياسي والاجتماعي. سادسا، تجاهل دور الدولة بما هي لحمة المجتمع، وواسطة العقد في الاجتماع السياسي.
قدّم الاحتلال الاميركي للعراق التطبيق العملي الفاجع لنظرية إضعاف الدولة لاحياء المجتمع المدني. لم يكتف بإسقاط نظام البعث الديكتاتوري، دمّر، الدولة العراقية ذاتها. وبدلاً من ان يستولد هذا التدمير «المجتمع المدني » المنشود، ويؤدي الى تفتّح «حريات الافراد »، أخرج شياطين «المجتمع الأهلي » من جحورها، من جهوية وإثنية ومذهبية.

الأولوية للسياسة

وثنائية «الشعب/النظام» التي ادخلتها الثورات نقدٌ لما مارسته مقولة المجتمع المدني/ الدولة من تذرير لقضايا الدولة والمجتمع معاِ بإحالتها الى: بيئة، وتنمية بشرية، ومكافحة للفساد، ووأد الفقر، وحوكمة، وحقوق الانسان، وعدالة انتقالية، وتمكين المرأة، وتسليف جزيئي («ميكروي»)، وشباب، وريادة، الخ. لا تعيد معادلة «الشعب/النظام» مقابل ذلك، الاعتبار لوحدة قضايا المجتمع وتمفصلها بعضها مع بعض وحسب وانما ايضا لوحدة النظام، في مكوناته السلطوية والامنية والعسكرية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية، والترابط بين مؤسساته المختلفة.
ويتضمن ذلك تعيين السلطة السياسية بما هي الحلقة المركزية التي يجب أن ينصبّ عليها الضغط والفعل. إنّ المعنى العميق لشعار «الشعب يريد اسقاط النظام » هو التأكيد على ان الثورة تأخذ نفسها على محمل الجد بأنها عملية ترفض لا تغيير جزئي ولا اصلاح ولا تغيير فعليا الا بتغيير جذري في تركيبة النظام السياسي القائم. وتوجيه هدف التغيير نحو اعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الحكام والمحكومين.

مهما يكن من امر هنا، فلو ان ربع قرن من نشاط هيئات المجتمع المدني – بما فيه من توعية وتبشير وتدريب ن واكتساب المهارات واللوبيينغ – نجح في احداث اصلاحات بيّنة في القطاعات التي عمل فيها لما تراكمت العوامل التي فجرّت الثورات بالشكل الفجائي والعنيف الذي نشهد.

عمل، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية

ليس عبثا تسمية الثورات المرحلة الثالثة من الانتفاضات الشعبية النيوليبرالية في المنطقة العربية. بدأت الاولى في نهاية الثمانينات، واستمرت في التسعينات، وصولا الي الانتفاضات الحالية. والذين يريدون اقامة التعارض ما من واحدة منها، ربما باستثناء السورية، الا وبدأت بحركة احتجاجا

بطالة الشباب وفرص العمل

هذا فيما كان الانتشار الأفقي للتعليم، المترافق مع التقليص المتزايد للقطاعات الانتاجية والترييع المتزايد للاقتصاديات العربية، يستولد اعلى معدلات بطالة للشباب في العالم. وفيما تكاثرت البرامج والندوات وورشات العمل والتدريب، لتكوين نخب من رجال الاعمال، المشبعين بالأنانية والنيوليبرالية، باسم «الريادة في الاقتصاد »، شحّت، حتى لا نقول انعدمت، الرؤى والتصورات لاقتصاديات توفر العمل والخبز والكفاءة والمستقبل.

لصوصية لا مجرد «فساد»

كشفت الثروات الخيالية التي جمعتها أسر المجمع المافيوي ـ الريعي ـ الأمني العربي، عمق العلاقات بين السلطات الاستبدادية العربية، وبين مؤسسات الرأسمالية المتعولمة الدولية، وشركاتها المتعدية الجنسيات، والسلطات السياسية التي تمثلها. جُمعت تلك الثروات من خلال التحكّم بالصناديق السيادية (آل القذافي وحدهم تحكموا بصندوق من ١٢٠ مليار دولار لا يزال نصفه مفقودا) واستغلال المواقع في السلطة لسرقة المال العام، والاستحواذ على الأراضي الاميرية، وتبييض الاموال، وجني الأرباح الطائلة من بيع مؤسسات القطاع العام او الاستيلاء عليها، وتنظيم الاحتكارات وحمايتها، وقبض العمولات، وفرض الخوات، ونيل الرشى المليارية على صفقات السلاح والعقود والمقاولات مع الشركات الاجنبية. يجري ذلك في ظل نظام اقتصادي عالمي، يفرض ديكتاتورية اسواق تشفط الثروات والمداخيل من اسفل الى اعلى، ومن الجنوب الى الشمال، ومن الافقر والمتوسط الى الاغنى، على عكس ادعاء تسرّبها من اعلى الى اسفل. هذا السحت هو ذروة الاستغلال الرأسمالي للشعوب. وهو الفساد الفعلي. ومع ذلك، لا يريد مكافِحو الفساد من دعاة النيوليبرالية وخبراء الهيئات الدولية ان يروا الهدر والفساد إلا في تضخم جهاز الدولة، وفي دعم السلع الحيوية لافقر فئات المجتمع، وفي نفقات الموازنات على الخدمات الاجتماعية.

في مقابل توصيات وممارسات الهيئات الدولية في حقل مكافحة الفساد التي تكاد تقتصر على «التوعية» بضرورة الشفافية والتبشير بـ «اخلاقيات البزنس»، فرضت الجماهير لأول مرة في التاريخ العربي الحديث قاطبة، إحالة حكام عرب واقاربهم ومعاونيهم في ثلاثة بلدان عربية على المحاكمة، بتهم قتل ابناء الشعب، وسوء استغلال السلطة، ونهب الموارد، وهدر الأموال العامة. على ان سوابق تونس ومصر العظيمة في مساءلة الحاكم ومحاكمته وانزال العقوبات به مهددة بالتبديد والارتداد عنها بعدما أعطت المبادرة الاميركية-الخليجية رئيس اليمن المخلوع علي عبدالله صالح براءة ذمة مالية وجنائية على ٣٣ سنة من النهب والفساد والقمع والحروب.

الشعب يريد

شكّل حضور الشعب في الحياة العامة الفاعل الجديد الذي اطلقته الثورات العربية.

انتقلت جموع كبيرة من العرب، من عامل سلبي يهتف في احسن الاحوال «بالروح بالدم نفديك يا زعيم » او «يا شهيد » في المناسبات الوطنية – الى حضور بما هو قوة مليونية هادرة تؤكد ارادتها، وارادتها ليست الامر التفصيلي: اسفاط انظمة وممارسة حقوقها في الحرية والعمل والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية، والعبرة انها تضع ارادتها فوق كل ارادة دنيوية على الاقل.

وعندما نتحدث عن شعب لسنا نعني مجموع سكان البلد المعني. انطوت اعادة الاعتبار لمفهوم «الشعب»، على تعريف المجتمع بما هو كتلة من القوى والمصالح والجماعات المتفاوتة والمتفارقة، تتكوّن في مرحلة تاريخية معيّنة حول ارادة واحدة وهدف تاريخي مشترك. وهي رؤية بعيدة كلّ البعد عن مقولات العولمة الدارجة الملونة كلّها بالريبة والشك تجاه كل ما له علاقة بالوطنية والقومية وتبشّر علناً بضرورة زوال «الدولة ـ الامة» وانحلالها لصالح الاثنيات والاقليات وسواها من التشكيلات الما دون دولتيه.
ترافقَ استرجاعُ مقولة الشعب وإرادته، مع تقديم هوية المنطقة العربية الى الواجهة، في وجه سلسلة الهويات التي فرضت عليها من الخارج، عن طريق تقاسيم الهوية الجيوستراتيجية على مقام «الشرق الاوسط »، كبيره ومتوسطه وجديده وأكبره، مندمجاً بشمال افريقيا او غير مندمج، فضلاً عن دمجه في العالم الاسلامي او أسلمته. هكذا، أعيد تعريف المنطقة من جديد بأنّها «عربية» ـــــ فصار العالم يتحدث عن «الثورات العربية » أو عن «الربيع العربي »، لوصف المسارات التي نتحدث عنها.

الشعب الفاعل الجديد في العلاقات الدولية.

الاستهداف الرئيسي: اخراج الشعب من المعادلة. منذ البداية. تضحية برئيس لانقاذ نظام. محاولة التكيّف مع الاسلاميين الاكثر توافقا مع

للمرة الالف هذا هي القوى الغربية المتّهمة بانها تريد فرض الديمقراطية. كانت مع الدكتاتوريات والاوليغارشيات النفطية بحجة مقاولة القومية العربية والشيوعية، وهي الآن مع نخب اسلاموية ليبرالية بحجة صد السلفيين والجهاديين.

جناحان في الثورة

الصفة المميزة للثورات العربية هي انها تتكشل من قوى متفاوتة بل متضاربة احيانا من حيث الاهداف والوسائل والتمثيل الاجتماعي. تحوي العملية الثورية قوى مدنية حداثية تجهر في سعيها الى بناء دولة القانون المدنية وتنمية الحريات العامة والخاصة وترسيخ المؤسسات الديمقراطية واعادة الاعتبار للتنمية الاقتصادية بهدف تحقيق مقادير من العدالة الاجتماعية ناحية كلها نحو التقدّم. وهي التي تعبّر عنها شعارات «عمل، حرية، خبز» او «عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية ».

وتضم العملية الثورية في المقابل قوى تمثل فئات اجتماعية متفاوتة نمت بالدرجة الاولى خارج إطار الدولة الرعائية التي أسستها الانظمة العسكرية الشعبوية تنتسب الى تيارات مختلفة من الاسلام السياسي تتراوح بين الاخوان المسلمين وبين التكفيريين والجهاديين وما بينهما ومن سلفيين وصوفيين وإسلاميين «معتدلين» و«وسطيين». واذا كانت تلك القوى تلتقي مع القوى الاولى على ضرورة تفكيك النظام الاستبداي، الا انها شاركت تحت رايات «الاسلام هو الحل»، رغم التوريات، وهمّها الرئيس الارتداد على ما في الدولة العربية من عناصر ومؤسسات وتشريعات حديثة ومدنية واستبدالاها بمؤسسات وتشريعات قائمة على الشريعة الاسلامية بما تتضمن سلفا من تمييز بين المواطنين بناء على الانتماء الديني والمذهبي وبين رجال ونساء.

ولا يجب ان نعجب لهذا الخليط، نظرة الى الثورة الايرانية التي انشأت الجمهورية الاسلامية العام ١٩٧٩ لنكتشف مدى شبهها مع حالتنا في البلدان العربية. هناك ضمت العملية الثورية، في جناح منها، منوعات من الليبراليين المدنيين الى تنظيمات ماركسية مسلحة، عملت على اسقاط نظام الشاه بواسطة الكفاح المسلح، لاطلاق المجال لتعميق الحداثة وبناء حكم جمهوري ديمقراطية ينحو نحو العدالة الاجتماعية، اضافة الى قوى مدنية ليبرالية. وفي المقابل، كان المكوّن الاسلامي، وجناحه الغالب بقيادة آية الله الخميني، يمثل الارتداد على مشاريع الشاه التحديثية في الارياف خصوصا، ويعمل على استبدال الدولة الشاهانية بدولة ثيوقراطية بقيادة علماء الدين تحت رايات ولاية الفقيه تشرف على المؤسسات الجمهورية وتقودها.

استغرق الامر سنوات لكي يستتب الحكم لجناح ولاية الفقيه بكل ما استدعاه من اعدامات وعمليات عسكرية واعتقالات واعدامات وسواها طاولت الاجنحة اليسارية كما الاجنحة المدنية الليبرالية من الثورة او حتى الاسلامية المعتدلة من خصوم ولاية الفقيه.

شهد العام المنصرم تحديدا انتقال الجناح الاسلاموي الى السلطة محمولا على شرعية انتخابية ضعيفة مدعومة بالمال السعودي والقطري وبميل متزايد للقوى الغربية الى انتخابهم نخبا حاكمة جديدة

سوف يردّ على هذه المحاججة بالقول: واهذا ما تريدوننا ان نصل اليه: انتصار هذا الجناح ماذا يرتّب كونها ذات جناحين. غلبة الواحد ومقاومة الآخر ومعارضته.

السلمية، المسلّحة، الحروب الاهلية

الثورات عمليات تغيير للاوضاع والانظمة السائدة بواسطة القوة والعنف. لا توجد ثورة في التاريخ خلت من ممارسة مقادير من القوة ومن العنف في الصراع بين قوى التغيير وقوى المحافظة على الامر الواقع.

في الثورات العربية، مارس الشعب صنوفا مختلفة من الضغوط بواسطة قوة العدد لالزام الطبقات الحاكمة على الاصلاح ثم على التغيير وصولا الى استخدام القوة والعنف لاسقاط الحكام وانظمتهم. إحتل الفضاءات العامة – التظاهرات المليونية واحتلال الساحات العامة والاعتصامات والاضرابات النقابية والعامة وصولا الى ما يمكن وصفه بحروب الشوارع بين المحتجين الحجارة وقوى الامن والجيش وغيرها. ولجأت السلطات من طرفها الى العنف المسلح لكسر قوة الشعب واخراجه من ساحات الفعل والتأثير.

في حالتين، تونس ومصر، رفض الجيش تحمّل مسؤولية الاستخدام غير المحدود للعنف الدموي. فإفسح المجال لخيار سياسي اضطر الحاكم على التنحي او الهرب. لم تكن الحصيلة خلوا من تدخل اميركي في مصر وفرنسي في تونس، أدت الى تنحي الرئيس ومحاولات اعادة انتاج نظام معدل بمشاركة نخبة جديدة يجري تصنيفها. في ليبيا واليمن، إنشقت القوات المسلحة تحت وطأة الحراك الجماهيري. استدرجت الحالة الاولى التدخل العسكري الاطلسي وادى التوازن بين القوتين العسكريتين، وما حمله من مخاطر الاقتتال الاهلي، الى تسوية سياسية عرفت بالمبادرة الخليجية. وحصل التدخل العسكري الخارجي في البحرين لا لأن القوى الامنية والعسكرية للمملة انشقت بل لعجزها عن احتواء حركة جماهيرة لا تزال تلتزم الضغط العددي رغم كل شيء.

وفي حالة سورية، التي شهدت اوسع حراك جماهيري شاركت فيه ملايين في طول البلاد وعرضها، شرقها وغربها، مدنها والريافها، ادت سياسة النظام المنهجية منذ البدء باعتبار ان ما تواجهه حربا وفق اعرق التقاليد الاستخباراتية، في إطار «الحرب العالمية ضد الارهاب» التي ترعاها الولايات المتحدة الاميركية.تنفذ مؤامرة خارجية الى الاستخدام المنهجي المتقصد للعنف المسلح على التظاهرات السلمية ما ادى تدريخيا الى عسكرة المعارضة وصولا الى الانقسام الذي نشهده حاليا بين جيشين في ما يشبه الحرب الاهلية.

تعاطى النظام السوري مع المطالب الشعبية الاولية – حادثة درعا ومطلب الغاء حالة الطواريء – برفض الاعتراف بالمطالبة الشعبية وبالطابع السلمي للحراك. «خورج» النزاع من ايامه الاولى واتهم المتظاهرين بالتآمر الخارجي وتمثيل «المجموعات الارهابية المسلحة » ورد عليها امنيا وعسكريا منذ البداية.، ليم يتوسل كل انواع العنف المسلح لاخمادها وحسب وانما إعتبر ان النزال لا بد ان ينتهي استدعى الاطراف الخارجية منذ البداية، من تركيا الى قطر الى الجامعة العربية بالامم المتحدة. تسلّح بمهل كل مبادرة وبالفيتو الروسي والصيني، في مجلس الامن، ليعطي جيشه وقواه الامنية فرصة زمنية لانجاز النصر الموعود ضلل به الاعداء كما الاصدقاء. وها هو الآن بعد اكثر من ٤٠ الف قتيل وعشرات الالوف من الجرحى ومليوني نازح، لم يعد يتحدث عن نصر ولا عن حسم ولا عن مهل زمنية. لم تنفع خطط ابادة المدنيين بالمدفعية والطيران المنقولة من حملات الابادة الروسية في الشيشان. ولا افلح كل ما يملكه الامن والحرس الثوري الايراني من وسائل وحيل لضبط الشعب وقمع المعارضات بالشبيحة والقناصة ووسائل التعذيب والالكترونيات.

ومع انه يفضّل عدم استخدام المصطلح لأنه يوحي بأن الطرفين المتصارعين في سورية يتحملان بالتساوي المسؤولية عن العنف، لا يمنع ان حقيقة الصراع بات صراعا مسلحا بين سوريين، تختلط به اشكال تدخل خارجية شتى، على ان المهم انه يدور مدار حسم توازن القوى بين قوتين مسلحتين بواسطة العنف المسلّح.

فالذين يخلطون بين سلمية الثورة وبين عدم استخدامها القوة او العنف لفرض ارادتها ومطالبها الضغط بالقوة فانهم لا يعرفون ما الذي يمارسونه.

واما الذين يريدون ثمار الثورات تسقط بين ايديهم بلا جهد ولا كلفة بعد اربعة عقود من الاستبداد والاستغلال والسحت.

التدخل الخارجي

تستدعي الثورات التدخل الخارجي. وخصوصا عندما تنتقل

وحذار من الحل الاميركي، الاب الشرعي لهذا وذاك. والقول لرياض الترك، المناضل الوطني المخضرم الذي لم يخرج عن صمته عبثا الا ليعلن: ان الولايات المتحدة ليست تريد انتصار الثورة السورية. بل ما تريده تسوية اميركية-روسية تتسارع معالمها هو فرض حكومة امر واقع الى حين انتخابات ٢٠١٤ والعمل على الحفاظ على النظام بتنحية رئيسه – اذا إتفق على ان تنحّى – واعادة تأسيس النظام السوري على قاعدة محاصصة طوائفية-مذهبية قوامها «الاسلام المعتدل» و«حقوق الاقليات » دون التفريط بقاعدة النظام العسكرية والامنية والتنفيذية.

الانظمة هي التي تستدرج التدخل الخارجي.

حاجة المعارضات الى دعم خارجي امام العنف الدموي غير المعقول لجيش من نصف مليون عسكري ودزينة من فروع المخابرات تضم عشرات الالوف من الاعضاء. الانتفال الى الحالة المسلّحة يعني سلفا الانتقال الى

التصرّف على اعتبار ان التدخل العسكري الاميركي والاطلسي حاصل لا محالة. لا مهلة للتفكير فيما اذا كان من مصلحة هذا الطرف ان يتدخل وما الذي سوف يجنيه فيما لو فعل.

ان تقع المعارضة بين ايدي المحور التركي-السعودي-القطري قد لا يكون لا بد منه مع التحفـّط على امرين. الاول هو ان الحاجة الى الدعم الخارجي لا يبرر تقديم التنازلات على حساب استقلال سورية وسيادتها وخصوصا على حساب التفريط احيانا بما في ذلك التنازلات غير المبررة حول لبنان وسلاح حزب الله دون اعتبار لمصالح سوريا الجديدة في الصراع العربي الاسرائيلي والركون الى التوهم بأن «الاصدقائ الفرنسيين والاميركيين» سوف يساعدون سورية «لاستعادة الجولان بالطرق السلمية». كأن النظام السوري يعمل على استعادتها بالوسائل غير السلمية منذ العام ١٩٧٣!!

يكفي المعارضة السورية معاينة نقمة شعب تونس ضد «القطرنة». او مراقبة تجدد الثورة المصرية ضد «القطرنة» و«السعودة» الداعمتين للجموح الدكتاتوري للرئيس محمد مرسي.

موجة ثانية من الثورات

سورية

الاطراف فالتة من سيطرة السلطة. والمدن إما ساحات قتال وإما محاصرة عسكريا من اريافها والضواحي. والعاصمة دمشق مطوّقة من معظم جهاتها ومطارها الدولي على مرمى النيران. وفي كل يوم يسقط حقل نفط او ثكنة او قاعدة او محطة دفاع جوي او مطار او مركز امني بيد المعارضة المسلحة ناهيك عن المرافق الاقتصادية الاستراتيجية مثل حقول النفط والسدود. وقد اعلن ذلك افلاس الحسم بواسطة السلاح الجوي. بوما ما تبقى من معارك الا محاولات لتحسين الاوضاع عند محور حمص محاولات يائسة لتحسين شروط تسوية وضعها النظام منذ البدء بيد الخارج وحطّها اخيرا بيد الولايات المتحدة وروسيا.

في اليمن، في اقل من عام على رئاسة عبد ربه منصور والوزارة الائتلافية من خمول وتردد وعجز عن تنفيذ يستفزّ ظهور الرئيس المخلوع وإحياؤه دوره السياسي ورفض ابنائه واقاربه مغادرة مناصبهم في الجيوش الخاصة والامن. وقد اطلقت قوى الثورة الشبابية مبادرتين في مسار فرض الدولة المدنية هنا في وجه العسكرة. الاولى داخل جامعة صنعاء من اجل الغاء عسكرة الجامعة والاستعاضة عن وجود العسكر داخلها بحرس مدني. والثانية تجديد لمسيرة الحياة التي كان بادر اليها شباب الثورة مشيًا على الاقدام من تعزّ الى صنعاء.

المغرب

الانظمة الملكية العربية فاقدة الشرعية على نحو متزايد.مع ان بعضها يسعى لدرء ما يتهدده بالدخل السافر حيث انتصرت موجة اولى من الثورات. في البحرين، عجز الحكم الملكي الاستبدادي عن احتواء الحراك الشعبي المتصاعد رغم التدخل العسكري لدول الخليج والدعم الاميركي والاوروبي والاهمال من قبل المجتمع الدولي. مع ذلك تحافظ قوى الاحتجاج على الطابع السلمي في وجه نظام لم يتزحزح كثيرا عن اي من مصالحه واستئثاره. وتتجدد اشكال الاحتجاج في سائر اقطار الخليج حيث يواجه تجدد التحرك في القطيف بالسعودية القمع بالرصاص. وتتصاعد الاعتقالات (المؤبد لشاعر معارض في قطر ) وحملات حرمان المعارضين من الجنسية في الامارات. وفي الكويت، تتزعزع سلطة آل الصباح امام برلمان لم يعد مطواعا حيث التظاهرات ضد الاستبداد والفساد وحملة مقاطعة الانتخابات. والمطالبة بتعيين رئيس وزراء من خارج الاسرة الحاكمة.

تظاهرات الضفة حول الخبز وانتفاضة الاردن كررتا ما بدأت به الانتفاضات كلها: الاحتجاج على البطالة وغلاء المعيشة وتنامي الفقر والتفاوت الطبقي والفساد: قضية غلاء المعيشة واجراءات الغاء الدعم للمحروقات. انتقل الاحتجاج الى مرحلة غير مسبوقة في تاريخ الاردن منذ الخمسينيات لم تقتصر فيها المطالبة على مكافحة الفساد بين بطانة الملك، والدعوة الصريحة الى تحديد صلاحيات الملك. قبلها انتفاضة خبز في الضفة الغربية تؤذن بانطلاقة انتفاضة ثالثة شعبية وسياسية هذه المرة. اكثر تعبيرا عن مأزق اتفاق اوسلو وقد اطاحت به اسرائيل.

يختتم العام في السودان على تجدّد الحركة الاحتجاجية الطلابية والشبابية بعد قمع السلطات لطلاب محتجين في جامعة دارفور ما ادى الى وفاة عدد من الطلاب غرقا. أطلقت الحادثة موجة جديدة من التظاهرات ما دفع احزال المعارضة الى العودة الى طرح موضوع اسقاط النظام

العراق

١- النيوليبرالية

اندلعت الثورة اندلعت في البلدين اللذين قدما على انهما نموذج النجاح النيوليبرالي بسبب معدلاتهما نمو الناتج الاهلي المرتفع. المرتفعة للدخل الاهلي. اي لتطبيق النيوليبرالية في بلدان الجنوب. والسؤال الجوهري الآن هو اي نظام اقتصادي كفيل بانتاج فرص عمل لعشرات الملايين من الشبان العرب في العشرين سنة القادمة؟

التحضير لانتفاضات جديدة.إضطرت الانتفاضات العربية المسؤولين عن الاقتصاديات العالمية الى الاعتراف بأنّ تأمين فرص العمل كان غائباً عن برامجهم ووصفاتهم عن «التعافي الاقتصادي » في الممنطقة العربية.

٢- الطائفية

٣- تفكك الدولة الاستبدادية المركزية.

يستحيل العودة الى السلطة المركزية. بقدر ما يجري اغفال التمييز الجهوي المتمادي في كافة المجالات بذاك القدر يزداد خطر التقوّض الداخلي لتلك الكيانات. النظرة السائدةالتي تقول بتأجيل الاعتراف بالحقوق غير العربية بحجة اولوية معركة اسقاط الانظمة مثل منطق الانظمة ذاتها الذي كان للتجاهل الطويل من المعارضة السورية للحقوق الكردية.

٤– معادلات الديمقراطية الصعبة

في تعداد قوى الثورات يُؤتي على ذكر الاسلاميين، والوسطيين، والسلفيين، والجهاديين، والليبراليين، واليساريين. نادرا ما يؤتى على ذكر الديمقراطيين. إحتل الليبراليون محل الديمقراطيون وفي الامر انتحال صفة. يجدر التذكير بالفوارق بين الليبرالية والديمقراطية. تؤكد الاولى على الحرية، ويسهل عليها الخلط بين الحريات الفردية وبين الحرية الاقتصادية، وتركز غالبا على حقوق الانسان معرّفة بما هي الحقوق الفردية على حساب اهمال الحقوق الاجتماعية. تركّز الديقمراطية اقلا على مبدأ المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين. غالبا ما يترافق هذا المبدأ ايضا مع مبدأ تكافوء الفرص المفترض ان يوفره التعليم الرسمي والحد الادنى من الضمانات الصحية للجميع.

اولا، السيادة الشعبية، التي تعتبر السلطة للمجالس المنتخبة مصدر السلطة والشرعية، وتستدعي انبثاق السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية وخضوع الجهاز التنفيذي للجهاز التشريعي لرقابة ومحاسبة ومعاقبة. وفي حال اعتماد نظام رئاسي، يكون الحرص كل الحرص على الموازنة بين صلاحيات الرئيس وصلاحيات المجالس التشريعية.

ثانيا، المدنية بشقّيها: ١) خضوع العسكري للمدني. وهي معركة تتوالى فصولا في كل الاقطار التي سقط فيها النظام الاستبدادي الفردي كما هو واضح في ليبيا واليمن ومصر ناهيك عما تبشّر به اعادة هيكلية المؤسسة العسكرية والاجهزة الامنية في سورية.

٢) إعلاء سلطة المجالس النيابية المنتخبة على اي سلطات اخرى دينية او مدنية في شؤون التشريع. ويقتضي ذلك الاعتراف بحقوق المواطنين الذين يؤثرون الخضوع لقوانين احوال شخصية مدنية شاملة جميع المواطنين الى جانب قوانين الاحوال الشخصية المذهبية وقامت على الانتساب الاختياري (كما في حال الزواج المدني الاختياري ). وذلك من اجل نزع الطابع الالزامي عن الاحوال الشخصية الدينية المذهبية.

و«مدنية » يجري استيعابها على طريقة «مشروع النهضة» لحزب الحرية والعدالة المصري الذي اخترع هذا الاخير، لكسب رضى الراعي الاميركي، «دولة مدنية» متأسلمة، تربوية ومحافظة، توكل اليها مهمة «دعم رسالة الاسرة وتوعية أفراد الاسرة بتحديات الواقع ومتطلبات المستقبل». وتضبط هذه «الدولة المدنية» حرية الاعلام بحدود «القيم المصرية الاصيلة ». اي اننا امام صيغة لـ«الدولة المدنية» مقلوبة رأسها على عقب ومطهّرة من كل ما يتعلّق بالمواطنة القائمة على الانضواء الطوعي للافراد في مؤسسات المجتمع المدني، على حساب الانتمائات او الولاءات الاسروية والجهوية والمذهبية والاثنية.

ثالثا، المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين المكرّسة دستوريا ركن الاساسي في الديمقراطية يميزها عن النموذج الاميركي الذي يسخّر الليبرالية السياسية لخدمة الليبرالية الاقتصادية. فقد تكتفي الصيغة الليبرالية بالتعددية السياسية والاعلامية والحريات والحقوق الفردية، وتتهاون بالمساواة السياسية والقانونية بين المواطنين، بإسم «حقوق الاقليات »، (راجع الدعوات الاستعمارية الاستشراقية لدى السيدة كلنتون والسيد لافروف الى «طمأنة الاقليات» الا) وهي عادة ما تستخف ايضا بالحقوق الاجتماعية (في قطاعات تعليم، سكن، صحة، بيئة، ماء شفّة، الخ.) مخضعة تلك القطاعات للخصخصة. وتلتقي معها في ذلك الرأسمالية «الاخوانية» المؤمنة. التي تحوّل تلك الحقوق الى اعمال إحسان.

يبقى مبدأ المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين مهددا بأصوليتين. الاولى هي تعريف شعوب المنطقة، ومواقعهم من السلطة وحقوقهم، تعريفا حصريا بما هم جماعات مذهبية، دينية، جهوية، اقوامية، اثنية، قومية، الخ.

والثانية اصولية الديمقراطية تطمس المسائل جهوية ومذهبية واثنية واقوامية بإسم المواطنة المتساوية.

على الديمقراطية العربية العثور على الجواب الخلاق على معادلتها هي ذاتها: حكم الاكثرية وضمان حقوق الاقليات. فالمؤكد انه لن تتحقق مواطنة متساوية دون ازالة كل اشكال التمييز التي تمارَس بحق الاكثريات، عندما يكون الحكم ذا طابع أقلوي. ولا تتحقق المواطنة المتساوية الا مترافقة مع التمييز الابجابي لازالة الحيف التاريخي بحق اقليات محرومة، وبعضه عائد الى نشوء الكيانات المشرقية مطلع القرن الماضي، او لاجل تطمين أقليات جرى الحكم الاستبدادي بإسمها، باتت تخشى على مصيرها الجسدي ذاته كجماعة (ثأر، إجلاء، اضطهاد) في حال سقوط من يدّعون الحكم بإسمها او عند سقوطهم. وتتغذى مشاعر الخشية وغرائز الخوف هذه من التجربة العراقية في ظل الاحتلال الاميركي للعراق، وبعده في ظل استئثار احزاب الشيعية السياسية بالسلطة بدعم ايراني وتواطوء اميركي مستمر، حيث تم تهميش سياسي وتمييز عسكري واداري ومناطقي ضد الجماعة السنّية حملّها جريرة حكم صدام حسين. والتفجيرات اليومية في العراق واندلاع حملات عصيان مدني على مستوى محافظات على حالها تغني عن التفصيل…

= = = = =

ليست توجد ثورة في التاريخ نجحت نجاحا كاملا. وليس يعرف ثورات فشلت كليا. لا بد لها من ان تترك عنها بعض اثر، إما اصلاحا او تغييرا ما وإما انها تحفز ثورة تعقبها لتحقيق ما لم تحقق. اما انتفاضات «ربيع ١٩٦٨»، المسماة طلابية، في باريس وسواها من الحواضر الغربية. التي بالكاد حظيت بلقب ثورة فقد تركت من الاثار على حياتنا المعاصرة اوسع بكثير من مفاعيل الثورات.

دامت الثورة الفرنسية اربع سنوات، قسّمت البلد بين مدينة وارياف، وتقوّضت بفعل النزاعات والتصفيات المتبادلة بين قوى الثورة المتضاربة ما إستدعى الحكم الامبراطوري الفردي الذي خلفته عودة الردة الملكية. وقامت ثورة ١٨٣٠ في فرنسا لتحقيق ما لم تحققه الثورة الاولى وسقطت تحت ضربات قوى الردة الملكية. ربيع الشعوب ١٨٤٨ وهي الثورات الديمقراطية والوحدوية والعمالية التي عمّت معظم اوروبا فقد انتهت بصراعات دموية بين الملكيين والديمقراطيين والاشتراكيين والشيوعي استدعت مجددا نسخة هزلية عن نابليون الاول في شخص نابليون الثالث. وكان لا بد من عامية باريس، الاكثر جذرية ودموية بين الثورات الثلاثة، لدفع فرنسا نهائيا الى اعتماد الجمهورية.

في الثورة الروسية اعقبت«عشرة ايام هزت العالم» حروب تدخل خارجية وحروب اهلية بين الجيش الاحمر وجيوش الردة القيصرية وما سببه ذلك من مجاعات ومأس قضت على ملايين من السكان.

= = = = = =

تعرف الادارة الأميركية أنّ الصفقة الاخيرة لتزويد المملكة العربية السعودية بطائرات وسمتيات حربية اميركية بقيمة ٦٠ مليار دولار، غرضها تعزيز ميزان المدفوعات الاميركية، اكثر من تلبية ضرورات استراتيجية في وجه ايران. ويعرف الرئيس اوباما تماماً انّ المليارات السعودية الستين سوف تسهم في تأمين فرص عمل لأكثر من ١٢٠ الف من عمال الصناعة الحربية الأميركية، وتحرم في المقابل عشرات الألوف من الشباب السعودي من فرص عمل. بقي لمن يريد ان يعرف كيف يتمكن حكامنا من جمع عشرات المليارات من الدولارات خلال ولاياتهم، ان يعودوا إلى اعتراف مليك المغرب بأنّ ارباح شركاته المجمّعة للعام ٢٠١٠، بلغ ٢،٥ مليار دولار.

Themes
Political Economy Politics
Countries
Jordan Arab World Iraq Yemen Syria Lebanon Egypt
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Revolution Democracy Arab Spring Tunisia Syria Egypt

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.