التجربة السوفييتية: ما لها وما عليها
فواّز طرابلسي
مرّ عقدان من الزمن على انهيار جدار برلين في ذلك الخريف من العام ١٩٨٩ الذي دخل التاريخ بما هو الايذان الرمزي بتفكك ثم انهيار الاتحاد السوفييتي وحلفائه في المعسكر الاشتراكي. لم يفت الاوان بعد لوقفة امام التجربة السوفييتية التي طبعت القرن العشرين بطابعها وشكلت المحاولة الاكثر جدية والاوسع انتشارا والاطول عمراً لتجاوز النظام الرأسمالي نحو تنظيم اجماعي جديد. تسعى هذه الموضوعات الى إثارة نقاش حول اسباب الانهيار، وعوامله، واستخلاص جردة حساب للتجربة بما لها وما عليها. نبداء من ثورة اكتوبر ونتتبّع مراحل تطورها الرئيسة، ثم نناقش انجازات التجربة وسقطاتها واثارها على شعوبها وشعوب العالم ونستخلص جملة من دروس موضوعة بتصرّف من لا زالوا يعتقدون أن الرأسمالية ليست نهاية التاريخ وان تجاوزها لبناء عالم جديد وحياة جديدة وانسان جديد لا يزال يستحق الجهد والامل والفعل.
«روسيا المتقدمة سياسيا والمتخلّفة اقتصاديا»
١. إنتصر البلاشفة في ثورة اكتوبر ١٩١٧(٧ تشرين الثاني) الروسية لأنهم تجرأوا على طرح مسألة السلطة. لم يأت تسلّم السلطة من قبل مجالس العمال والجنود (السوفييتات) تعبيراً عن جهوزية المجتمع الروسي لثورة اشتراكية تحلّ التناقض بين رأس المال والعمل. كانت روسيا حبلى بثورتين اثنتين، ثورة برجوازية وثورة اشتراكية، حسب تعبير ليون تروتسكي. وكان تسلّم البلاشفة للسلطة حسما لتوازن قلق بين سلطتين. فمن جهة، سلطة رسمية ذات وجهة جمهورية برجوازية، تسلمت الحكم في ثورة شباط (آذار) ، عاجزة عن تحقيق اي من ادعاءاتها الجمهورية الديمقراطية وعن الدفاع عن نفسها في وجه الردة المضادة للثورة من بقايا النظام القيصري. ومن جهة ثانية، سلطة قاعدتها مجالس العمال والجنود والفلاحين. في اساس جاذبية الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي – البلشفي، الذي نال اكثرية في تلك المجالس، ان طرح شعارات معبّرة وجاذبة لجماهير واسعة: الارض، الشعار الاثير للفلاحين، السلام الذي تطالب به جموع واسعة من الجنود-الفلاحين، اي إخراج روسية من مذبحة الحرب العالمية الاولى الاستعمارية، والاشتراكية التي باتت تستحوذ على قطاعات واسعة من طبقة عاملة ممركزة ومنظمة. الى هذا يجب ان يضاف نجاح البلاشفة في ان يبرهنوا، في النزاع الناشب بين الجمهورية واعدائها المسلحين، انهم الحزب الاكثر استعدادا للرد المسلّح على جيوش الردة المضادة للثورة.
٢. إنحكمت التجربة السوفييتية في بدايتها بمعضلة اساسية. هي المعضلة الكامنة في تعريف لينين نفسه لروسية: روسية الاسيوية المتخلفة اقتصاديا كانت في الوقت ذاته روسية المتقدمة سياسيا في الاطار الاقليمي والدولي. وروسية متخلفة اقتصاديا لسيادة نمط الاستبداد القيصري والاقطاعي وضعف التطور الرأسمالي والغلبة الفلاحية السكانية، ومحورية مسألة الارض، وصغر حجم الطبقة العاملة على الرغم من تمركزها الصناعي. وقد انعكست تلك المفارقة بين الاقتصاد والسياسة في الصيغ التي اعتمدها البلاشفة للتعبير عن طبيعة الثورة ومهامها: «الدكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين». ولئن افتتح لينين العهد الثوري بأن اعلن «الآن نشرع في بناء الاشتراكية»، الا انه ما لبث ان اعاد تعريف الهدف الاشتراكي بما هو مهمة تنموية تحديثية في ظل سلطة عمالية: «الاشتراكية = السوفييتات + كهربة البلاد».
٣. «التقدم الروسي السياسي» – المتمثل بنضج القوى الثورية وتشكيلاتها المجالسية – جعل من روسية «الحلقة الاضعف» في السلسلة الامبريالية. لكن القيادة البلشفية المنتصرة كانت تراهن على ان انكسار السلسلة عند الحلقة الاضعف سوف يؤذن بإنفراط السلسلة كلها. بعبارة اخري، كان الرهان ان تكون الثورة الروسية الشرارة التي تشعل الثورات العمالية في بلدان الغرب الرأسمالي الصناعي المتقدم. ما من شك في ان الايام العشرة المجيدة لعملية استلام البلاشفة الحكم قد «هزت العالم»، حسب عنوان الكتاب الشهير للشيوعي الاميركي جون ريد. وظلت ارتداداتها تهزه لسنوات. ولكن الثورة الروسية لم تستدع نجاح اية ثورة اخرى. وبعد اخفاق الثورتين الالمانية والمجرية ١٩١٨-١٩٢٣ وجدت روسية نفسها وحيدة -متقلّصة الحدود بعد تنازلها عن مساحات واسعة من اراضيها خلال صلح بريست-ليتوفسك- تدافع عن ثورتها في وجه عدوان خارجي وحروب اهلية مسلحة. كانت تلك فترة «شيوعية الحرب» التي تكبّدت فيها شعوب الاتحاد السوفياتي التضحيات الجسمية وصلت فئات واسعة منها في حالات عديدة حدود المجاعة الواسعة النطاق قبل التمكّن من الانتصار على القوى المعادية الداخلية منها والخارجية.
٤. عند الخروج من حقبة «شيوعية الحرب»، صيغت سياسة التغيير الثوري على فرضية ان البنية الفوقية «المتقدمة» لروسية (السلطة المجالسية – السوفييتية- للعمال والجنود والفلاحين) تستطيع ان تجرّ البنية الاقتصادية التحتية المتخلفة (شبه الاقطاعية والرأسمالية ص) نحو تحقيق مهمات الديمقراطية التنموية التحديثية وارساء القواعد المادية للانتقال الى الاشتراكية.
تمثّل الطابع «المتقدم» للسلطة السياسية في كونها تجربة في الديمقراطية المجالسية المباشرة التي استلهمت نموذج عامية باريس سنة ١٨٧١ . ومعروف ان هذه قامت على الانتخاب المباشر من قبل المنتجين لممثليهم في الحكم مع احتفاظهم بكامل حقوقهم في مسائلتهم ومحاسبتهم واستبدالهم اذا لزم الامر بغض النظر عن اية مهل زمنية. لم تعمّر تجربة السلطة المجالسية طويلا. وسرعان ما إنفكّ التحالف بين البلاشفة والاشتراكيين الثوريين، الحزب الاكثر تمثيلا للفلاحين، وإستأثر البلاشفة بالسيطرة في المجالس. فحلّ حزب واحد ذو قاعدة عمالية بالدرجة الاولى محل الحليف المبعد مدّعياً تمثيل الفلاحين دون تمثيل واسع النطاق لهم.
حين الخروج من حقبة «شيوعية الحرب» ارتضى لينين ان يحقق تراجعا كبيرا الى اقتصاديات السوق فيما سمي «السياسة الاقتصادية الجديدة». سمِحت السلطة الشيوعية بعودة أشكال من الملكية الفردية الصغيرة والمتوسطة في الريف خصوصا، واعيد تشغيل آليات السوق في تصريف المنتجات الزراعية والحرفية. واخذ لينين يشدد في كتاباته على اهمية الثقافة ومحو الامية والفاعلية الانتاجية وتنمية التقانة وتشجيع التعاونيات، الخ.
على ان المفارقة الكبرى في تصحيح مسار الثورة هذا ان القيادة البلشفية رفضت التراجع عن الديمقراطية السوفييتية-المجالسية المباشرة نحو ديمقراطية سياسية وقانونية تعددية. بل حلّ محل الديمقراطية المجالسية نظام استبدادي فرض حكم الحزب الاوحد على البلاد يتوسّل الاجهزة البوليسية والعسكرية على نحو متزايد. وبديلا من التراجع الى صيغة ديمقراطية اكثر تواضعا، وأنسب توافقا مع الظروف الموضوعية لتطور روسية التاريخي، جرى اعدام الديمقراطية السياسية كليا.
٤. لم يكن لينين غافلا كلّيا عن التناقض الفاغر بين دكتاتورية الحزب الواحد والحد الادنى من الديمقراطية. مع ضمور دور مجالس السوفييت بما هي مؤسسات السلطة والرقابة الشعبيتين، طرح في ايامه الاخيرة، خلال الاعوام ١٩٢٢-١٩٢٤، مسألة من يراقب الحكام؟ لم يكن واردا اعادة النظر بدكتاتورية الحزب الاوحد والاعتراف بالتعددية الحزبية، ولو في اطار الاحزاب المعبّرة عن مصالح عمالية وفلاحية، على ما دعت روزا لوكسمبرغ. جلّ ما اتى به لينين هنا اقتراحات لتعزيز الديمقراطية داخل الحزب ذاته ولكن في ظل دكتاتورية الحزب على البلاد.
خاض لينين معركته الاخيرة ضد البيرقراطية وضد تراكم الصلاحيات بيد ستالين وقد عيّن امينا عاما للحزب. ولم يتردد في مد اليد الى تروتسكي للتحالف معا ضد الامين العام. تصوّر لينين تعزيز الديمقراطية داخل الحزب ومؤسسات الدولة بواسطة ثلاثة مؤسساتية: تنمية الرقابات والتوازنات بين مراكز القوى؛ والفصل بين السلطات؛ والرقابة المتبادلة داخل الحزب. واناط هذه المهمّات كلها الى مؤسسة جديدة سميت «لجنة الرقابة المركزية» ينتخبها مؤتمر الحزب وتتولى الرقابة على عمل المكتب السياسي واللجنة المركزية في الفترة بين المؤتمرين ولا تكون مسؤولة الا تجاه المؤتمر.
خسر لينين «معركته الاخيرة»، على ما اسماها موشيه ليوين، تحديدا بسبب احادية الجانب في نظرته الى السياسة. كان تحليله الطبقي يقوم على الجدل والصراع بين قوى ثلاث: البرجوازية والعمال والفلاحين. لم يأبه مؤلف «الدولة والثورة» الى أن جهاز الدولة الجديد قد تحوّل الى قوة اجتاعية قائمة بذاتها في بلد أمم قطاعات الاقتصاد الرئيسية. ولما كان لا وجود لسلطة سياسية صافية، معلّقة في فراغ، ولما كانت كل سلطة سياسية تحتاج الى قاعدة اجتماعية ترتكز اليها، إذ لا تكفيها اجهزة القمع وحدها للمحافظة على نفسها، تحولت بيرقراطية الدولة الى القاعدة الاجتماعية-الطبقية للسلطة السوفييتية، وحلّت بسرعة محل الطبقات التي كانت تشكل القاعدة الطبقية للنظام القيصري.
وكانت هذه البيرقراطية هي القوة الاجتماعية التي عطّلت مشروع لينين التصحيحي ونسفت مؤسسة «لجنة الرقابة المركزية». من هنا كان لمعركة لينين الاخيرة ضد ستالين وجهها المأسوي، على غرار المآسي الاغريقية، على ما يلاحظ سلافوي جيزك، حيث يكتشف البطل ان العدو الذي يقاتل ضده إنما هو الذي أنجبه وان البطل ارتكب من الاخطاء في الماضي بحيث فات الاوان ليصححها. هكذ خسر لينين المعركة ضد ستالين. وهل اكثر مأسوية من ان يختم لينين حياته منتحرا وقد طلب السمّ من الرفيق الوحيد الذي لن يبخل عليه به: ستالين. وهي اكثر مأسوية من ان يبدأ عهد ما بعد قائد ثورة اكتوبر على هذا المشهد: ناديا كروبسكايا في اول اجتماع للمكتب السياسي تقرأ على المجتمعين وصية لينين يدعو فيها زملاءه في قيادة الحزب الى إزاحة ستالين عن منصب الامين العام للحزب، فيسود صمت. يغادر تروتسكي شامتا. ثم تغادر كروبسكايا، فيما المكتب السياسي ينتقل الى البند التالي على جدول اعماله وكأن شيئا لم يكن.
٥. بعد وفاة لينين، وانتقال مركز الثقل في الحزب والدولة لشخص ستالين والجهاز البيرقراطي، تمّت تنمية روسية «المختلفة اقتصاديا» بوسائل هي نفسها «متخلفة». بعبارة ادق، عملت الستالينية على اخراج روسية من «الهمجية» بوسائل هي نفسها «همجية»، حسب تعبير المؤرخ البولوني اسحق دويتشر. لافتقارها الى المستعمرات، وبسبب خسارتها مناطق كبيرة وغنية من اراضيها في صلح بريست ليتوفسك، حققت روسية التراكم الاولى لرأس المال بأن اكلت من لحمها الحي. جرى تصنيع المدن على حساب الريف بواسطة حملة التجميع القسرية للزراعة والسيطرة على اسعار المنتجات الزراعية وممارسة العنف الدموي على الفلاحين. في الريف، صار العدو الرئيسي هم الكولاك، ابناء طبقة مالكي الارض المتوسطين في الريف الذين شجعت «سياسة الاقتصادية الجديدة» اصلا على نشوئها ونموّها. وقد اصابت التصفيات الريفية الدموية الزراعة السوفييتية بإعاقات وتشوّهات مستدامة.
اما عملية التصنيع فقد ارتكزت الى قاعدتين: عسكرة العمل الصناعي والسيطرة على النقابات. وكانت التتمة معروفة على الصعيد السياسي: حل الحزب محل الطبقة وحلّت اللجنة المركزية محلّ الحزب الى ان حلّ الدكتاتور محل اللجنة المركزية. وبدأت التصفيات لقيادات المعارضة البلشفية ذاتها قبل ان تشمل الحزب عموما وتنتقل الى الشعب. قضى لا اقل من مليون شيوعي في حملتي التصفية الكبريين اللتين شملتا التيار «اليساري» في الحزب (بقيادة تروتسكي) في اواخر العشرينات والتيار «اليميني» (بقيادة بوخارين) في اواسط الثلاثينات.
هكذا اهترأت «الشرعية الثورية» للسلطة السوفييتية، وقد ضمر دور الحزب واستنزفت الحروب والتصفيات والوظيفة السلطوية طاقاته وكوادره، وإستفحال نمو البيرقراطية الاوامرية المتراتبة. فلجأت السلطة الستالينيةُ الى الرعب الدموي واستدعاء الخطر الخارجي، الرأسمالي الغربي ثم النازي.
خلال الحرب العالمية الثانية، التي تحمّل الاتحاد السوفياتي العبء الاكبر من أهوالها وقدّم في سبيل الانتصار على النازية لا اقل من عشرين مليون من ابناءه وبناته- جرى تجديد شرعية السلطة السوفييتية بواسطة التعبئة والانتصار الوطنيين تحت راية «الحرب الوطنية الكبرى» دفاعا عن «وطن الاشتراكية».
٦. مع انتهاء الحقبة الستالينية، كان النطام السوفياتي يواجه تحديات مفصلية ليس اقلها شأنا اندلاع الحرب الباردة وولادة عالم القطبين المتصارعين. على الصعيد الداخلي، أحبطت البيرقراطية ذاتها محاولات الاصلاح الخروتشيفية- التي استلهمت «السياسة الاقتصادية الجديدة» اللينينية في العشرينات. ادى هذا الفشل الى استنقاع النظام السوفياتي طوال مرحلة الركود البريجنيفية التي دامت نحو ربع قرن. وفي مناخ من الانفراج الدولي النسبي، احتدمت ازمة العمل والحوافز وقد شكلا وجهي الازمة الاقتصادية المتمادية للنظام السوفياتي.
ان الرأسمالية تدفع الناس الى العمل وزيادة الانتاجية سلباً بواسطة سيف البطالة المسلّط فوق رؤوس العمال والمأجورين، وايجابا بواسطة الاغراءات الاستهلاكية. من جهته ألغى النظام السوفييتي حافز العمل الرأسمالي بتخفيف البطالة الى درجة تحقيق العمالة الكاملة. فأي حافز للعمل يحلّ محل البطالة والاغراءات الاستهلاكية؟ في البدء كان الحماس الثوري للسلطة السوفييتية هو ذلك الحافز. ثم حل القمع الستاليني تدريجيا محله. وبعد إنحسار فترة الحماس الوطني التي اطلقتها ملحمة الحرب الوطنية الكبرى، طرح خروتشيف «الحوافز المادية» شعارا للمنافسة السلمية بين الاشتراكية والرأسمالية. لم تنجح رأسمالية الدولة البيرقراطية في سباق الحوافز المادية الاستهلاكية مع الرأسمالية ولا هي قدّمت لمواطنيها وللعالم نمط حياة بديلا عن الرأسمالية، كما في حلم تشي غيفارا عن إنتاج «الانسان الاشتراكي الجديد» بالإعتماد على «الحوافز المعنوية» وتغليب الخطة على السوق والتخلي التدريجي عن المال،
٧. جاءت الموجة الثانية من الاصلاحات التي حاولها غورباتشوف متأخرة وواهمة. متأخرة لأن استراتيجية الولايات المتحدة الاميركية الجديدة ضد «امبراطورية الشر»، المسماة «حرب النجوم»، طرحت على الاقتصاد السوفييتي تحديات اقتصادية لم يستطع تحمل اعباءها للحاق بالخصم الامبريالي في سباق التسلّح. وكانت اصلاحات غورباتشوف واهمة اذ هي افترضت ان العالم الغربي سوف يكافيء الاتحاد السوفييتي على تفكيك الاقتصاد الاشتراكي، ويستقبل ايجابيا انفتاحه الاقتصادي والسياسي والثقافي على السوق الرأسمالية والغرب. واقع الامر ان الادارة الاميركية بقيادة رونالد ريغان كانت تعيش حمأة العمل من اجل القضاء على الاتحاد السوفياتي ليس فقط بما هو حاجز أمام توسّع السوق الرأسمالية ولكن ايضا وخصوصا بما هو المنافس العسكري والنووي والمزاحم لاميركا على السيطرة الكونية. ولعل ما زاد من الهاجس الامبرالي الاميركي ان سياسة غورباتشوف الرامية الى بناء مدى اقليمي اوروبي تندمج فيه اوروبا الشرقية والوسطى مع اوروبا الغربية، سوف يؤسس لقوة اقليمية، اقتصادية، سياسية، وعسكرية خصوصا، تهدد فعلا الاحادية القطبية التي كانت الولايات المتحدة عاقدة العزم على الانفراد بها.
هذا من حيث العوامل الخارجية. اما من حيث العوامل الداخلية، فإن سياسة الانفتاح التي اعتمدها غرباتشوف كأنها فتحت نوافذ على عواصف قوّضت بنيان متعفّن. استشهد بجايمسون.
٨. في حال الركود تلك والازمة الاقتصادية المتمادية، لعبت قضايا القوميات والاقليات دورا حاسما في تفجّر الاتحاد السوفياتي وعدد آخر من دول «الاشتراكية المتحققة»، مثل يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا. هنا تضافر عاملان: اولهما التمرد على الهيمنة الروسية وعلى ما فرضته من انظمة استبدادية على الدول الدائرة في فلكها. والثاني، سعي كل جماعة اثنية او قومية او مناطقية للسيطرة على مداها وعلى ثرواتها ومواردها الطبيعية وقدراتها الصناعية والزراعية على امل، او في ظل وهم، ان يؤدي ذلك الى حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية.
٩. لا يستوي التقييم الموضوعي للتجربة السوفييتية دون بالتذكير بما حققته فعلا.
اولا ، إلاضطلاع بمهام تصنيع بلدان الامبراطورية الروسية السابقة وتحديثها وتحقيق مقادير عالية من العدالة الاجتماعية في شتى الحقول التي تغطيها الحقوق الاجتماعية للمواطنين.
ثانيا ، لعب الاتحاد السوفييتي الدور الحاسم في تحرير البشرية من النازية. إذ لم يكن لاوروبا والعالم الغربي بأسره ان تنتصر على النازية في الحرب العالمية الثانية لولا القدرة العسكرية السوفييتية والتضحيات الجبارة لشعوب الاتحاد السوفييتي.
ثالثا ، شكّل وجود الاتحاد السوفياتي – والأغراء الذي قدمه بما هو بديل من التنظيم الاجتماعي الرأسمالي- عونا كبيرا للطبقات الشعبية في اوروبا واميركا لتنتزع انجازات واجراءات وتشريعات سوف تتراكم لتنتج رأسمالية من نمط جديد هي الرأسمالية الاجتماعية ودولة الرعاية. وليس مستغربا ان ترتدّ الرأسمالية المنتصرة، بعيد انتهاء الحرب الباردة، على تلك التعديلات التي اضطرت الى القبول بها خوفا من منافسة النموذج السوفييتي ودرءا لانتشار الشيوعية.
رابعا ، لعب الاتحاد السوفياتي الدور الابرز في دعم شعوب العالم الثالث في نضالها ضد الاستعمار الغربي ولنيل استقلالها والشروع في التنمية وبناء اقتصادياتها المستقلة. لا يمكن تصوّر نجاح قوى حركات التحرر الوطني في القارات الثلاث في الانعتاق من الاحتلال والاستغلال الاستعماريين والتمييز العنصري دون الدعم العسكري والسياسي والمادي والمعنوي الذي قدّمه الاتحاد السوفييتي ودول المعسكر الاشتراكي. دفع الاتحاد السوفييتي من عرق شعوبه وكدحهم ثمن الارقام الفلكية من الروبلات التي قدمت على شكل مساعدات مادية متنوعة دعما لشعوب القارات الثلاث.
خامسا ، أبان الاتحاد السوفييتي وبلدان «الاشتراكية المتحققة»، على الرغم من كل شيء، ان ثمة إمكانية لبناء ملامح مجتمع جديد، ليس قائما على مبدأ الربح وتقديس السوق والملكية الفردية. مجتمع يحقق مقادير عالية من تكافؤ الفرص لمواطنيه الاقل يسرا، ويفي بالحاجات الرئيسية للجميع في العمل والتعليم والسكن والطبابة، مجتمع يضع العدالة الاجتماعية على جدول أعمال التحقيق الفعلي ويعطي في الوقت ذاته قيمة خاصة للثقافة والفن والتراث الشعبي.
من هنا ان سقوط تجربة واحدة في بناء بديل اشتراكي للرأسمالية ليس يعني ان الرأسمالية صارت نهاية التاريخ، ولا هو يؤشر الى استنفاد البشرية لضرورة وامكانية بناء بدائل اخرى، خصوصا اذا نجحت القوى المناهضة للرأسمالية في التعلّم من دروس واخطاء التجربة الرائدة الاولى. للذين يقولون ان فشل او تجربة في بناء الاشتراكي يقضي على اي امكانية لقيام الاشتراكية اصلا، يردّ عليهم المثال الذي يسوقه المسرحي الشيوعي الالماني الكبير برتولد بريشت إذ يذكّرنا ان اول البشر الذين حاولوا الطيران سقطوا ارضا ومات معظمهم. لكن ذلك لم يمنع ان ينجح البشر اخيرا في الطيران!
١٠. يحمل سقوط الاتحاد السوفياتي ومنظومة دول الاشتراكية «المتحققة» جملة من الدروس والعبر الاولية.
اولا ، بزوال الاتحاد السوفييتي، سقطت فكرة النموذج الاجتماعي الاوحد او الطريق الاوحد لتجاوز الرأسمالية نحو الاشتراكية وما رافقه من مقولات وممارسات من مثل دكتاتورية الحزب الواحد وفكرة الحزب الطليعي الذي يحلّ محل الطبقات الشعبية ذات المصلحة في الاشتراكية. ولعل من فوائد ذلك السقوط انه يخلي المجال امام التنوّع في ابتكار الوسائل والسبل والصيغ والمسارات لتجاوز الرأسمالية، ويعلي قيمة الديمقراطية بما هي شرط لتحقيق الاشتراكية ومكوّن اساسي من مكوناتها، لا زائدة تضاف اليها، وبالتأكيد ليست نقيضا لها، والتطلّع الى بناء احزاب من نمط جديد ترتكز قوتها وتقوم شرعيتها اولا وقبل اي شيء آخر على عميق تمثيلها لاوسع الطبقات الاجتماعية والشعبية.
ثانيا، مع زوال الاتحاد السوفييتي إنطوى لون من الممارسة للاممية رَبَط الاحزاب المنضوية تحت لواء الحزب الشيوعي السوفييتي بعلاقات تبعية، حتى لا نقول مخابراتية، لمركز أوامري اوحد، غلّب احيانا كثيرة مصالحه الوطنية على مصالح الشعوب في الثورة والتغيير، وأقام تعارضا بين الاممية والوطنية والقومية ونَشَر ثقافة عدمية ضد هذه وتلك.
ثالثا ، اكدت دروس التجربة السوفييتية الضرورة القصوى للمصالحة بين انتاج الثروة من جهة وبين توزيعها على نحو عادل من جهة ثانية. إذ بدا، في التجربة التاريخية للاشتراكية المتحققة، وكأن الاشتراكية إن هي الا ممارسة التقشف او تسويد الفقر، باسم المساواة، والتضحية بالتنمية وانتاج الثروات لصالح التوزيع الاجتماعي. فيما المطلوب هو المساواة البشر في الفرص والوصول الي التوزيع العادل لموارد بلادهم وثرواتها.
رابعا ، أعاد سقوط «الاشتراكية المتحققة» الاعتبار الى المكوّن والشرط الديمقراطي للاشتراكية. ذلك إن ادعاء تأجيل الحرية بحجة العمل على تحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية ادى الى نتائج كارثية خصوصا عندما إقترنت التضحية بالحريات وبالديمقراطية السياسية بإخفاقات كبيرة في مجال تحقيق المساواة ذاتها. ان اشتراكية تتوخى تجاوز الرأسمالية حقا هي اشتراكية تجري مصالحة حقيقية بين الحرية والمساواة. فقد بدا لزمن طويل أن الاشتراكية بدلاً من ان تكون اثراء للديمقرطية السياسية نحو تدعيمها بواسطة الديمقراطية الاقتصادية-الاجتماعية، صارت نكوصاً حتى عن الديمقراطية السياسية. من هنا ان نقطة الانطلاق في مسار تجاوز الرأسمالية هو بناء أنظمة ديمقراطية قائمة على المساواة السياسية والقانونية للمواطنين وضمان الحريات الديمقراطية وحقوق الآخر المختلف والانتخاب التمثيلي الحر والفصل بين السلطات وتداول السلطة.
انطلق رواد الاشتراكية والماركسية من الديمقراطية السياسية والقانونية بما هي انجاز متحقق عاملين على بناء العدالة الاجتماعية، او الديمقراطية الاجتماعية (وهو الاسم الاصلي الذي اطلقوه على مشروعهم الاشتراكي) التي ترسّخ دعائم الديمقراطية السياسية وتغنيها وتتجاوزها نحو مجتمع العدالة الاجتماعية والمساواة.
خامسا ، الهدف النهائي للماركسية، بما هي مشروع مجتمعي، هو تحقيق المصالحة بين الفرد والجماعة، هذا التناقض الذي يشكّل ابرز تناقض اجتماعي في الرأسمالية. ومن مصائب «الاشتراكية المتحققة» انها قامت ايضا على تغليب الحقوق الجماعية – المفترضة! – على حقوق الافراد. علماً ان غاية الاشتراكية هي ان تبني على انقاض الطبقات والتناقضات والصراعات الطبقية «المجتمع التعاوني» حيث «التطور الحرّ لكل فرد من الافراد هو شرط التطور الحرّ للجميع»! («البيان الشيوعي»)
حريّ بهذه المعادلة ان تكون لا مجرد هدف من الاهداف وانما البوصلة التي يهتدي بها الاشتراكيون في القرن الواحد والعشرين.
