Back to Publications
Publications Articles

Political Economy: Where Is the Economy? And Where Is the Politics?

Where is economics in Arab politics? Absent behind "resistance." Where is politics in economics? Confiscated by the World Bank. Neoliberalism severs the link to control both.

الاقتصاد السياسي: اين الاقتصاد؟ وأين السياسة؟

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

“الاقتصاد السياسي”:

اين الاقتصاد؟ وأين السياسة؟

نشأ في العقود الأخيرة فرع علمي جديد يسمّى “الاقتصاد السياسي”، واستدراكا لاحتجاج يذكّر بوجود قديم لهذا العلم، الاحرى الحديث عن نشأة فرع جديد تحت الاسم ذاته بمنهج جديد وأدوات تحليل ومضامين وخلاصات جديدة. الاقتصاد السياسي في تاريخ علم الاقتصاد هو العلم الذي يدرس الانظمة الاقتصادية والنظام الرأسمالي تحديدا. وقد وضع كارل ماركس “نقد الاقتصاد السياسي” عنوانا فرعيا لكتابه “رأس المال” لتمييز نفسه عن أبرز علماء “الاقتصاد السياسي” في عصره آدم سميث ودافيد ريكاردو وجون ستيوارت ميل وطوماس مالثوس وغيرهم.

الا ان هذا الفرع من العلوم الاجتماعية ما لبث ان تحول منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر الى فرع قائم بذاته وبات يسمّي “الاقتصاد” او “علم الاقتصاد”. المفارقة في الامر ان “الاقتصاد السياسي” ما لبث ان عاد مع النقاد الماركسيين للرأسمالية والعولمة والنيوليبرالية. ناقدة العولمة سوزان جورج، أسهمت في تأسيس الاقتصاد السياسي الدولي، حقلًا يشمل العلاقات المتبادلة بين الفاعلين الاقتصاديين والأنظمة الاقتصادية والسياسية على النطاق العالمي. وقد اسهم فيه فالرستين وسمير امين. تفرّع الاقتصاد السياسي في صيغته المعاصرة الى حقول شتى منها دراسات التخلف والتنمية مع مدرسة التبعية وغيرها. ويستخدم “الاقتصاد السياسي” أيضا كتورية للماركسية في النتاج العلمي والأكاديمي في الولايات المتحدة الاميركية خصوصا. وسرعان ما تحوّل “الاقتصاد السياسي” الى فرع في العلوم الاجتماعية قائم بذاته موضوعه العلاقة بين السياسة والاقتصاد، او بين “السياسي” و”الاقتصادي”. وقد حاز على الاعتراف الأكاديمي مطلع القرن الواحد وعشرين. ويمكن القول إن انقبل من النقيض الى نقيضه

البنك الدولي او اغراق “السمكة”

عندما تلقف البنك الدولي ومنظمات التنمية الدولية “الاقتصاد السياسي” لم يعد يقتصر على انكار الصفة الرأسمالية للنظام الاقتصادي واغراقها في مسميات لا متناهية، بات الوجه الأبرز للإنكار والتبرئة هو نقل التفسير والتشخيص والتسمية لا من الاقتصاد الى السياسة وحسب وانما الى فروع أخرى من الحياة. في محاضرة لأحد خبراء البنك الدولي كاوشيك باسو يؤكد ان البنك يرى الى ان التنمية الاقتصادية يجب ان تشمل العوامل الاجتماعية والسياسية. وهو امر مفهوم. لكن المحاضر يستطرد ليؤكد ان الانظمة الاقتصادية “تشتغل بالمعرفة والأفكار، في نهاية المطاف”. يجدر التوقف لحظة عند عبارة “في نهاية المطاف” التي تذكّر بمثيلتها في تعريف المادية الجدلية بما هي التحتيم والتفسير الاقتصاديين حيث يفيد استدراك “في نهاية المطاف” بإضفاء الغموض المقصود لتمرير تلك الأحادية. وقد برع خصوم الماركسية في السخرية من هذا الاستدراك، والاخذ على المادية الجدلية كونها «اقتصادوية». فها هم يستخدمون الاستدراك بدورهم لإضفاء المزيد من الغموض الذي يخدم تمرير أحادية اخري في التحتيم والتفسير. الانظمة الاقتصادية ” تشتغل بالمعرفة والأفكار، في نهاية المطاف”؟ الا تشتغل الانظمة الاقتصادية بالعمل البشري ولا بالمواد الاولية ولا برأس المال؟

الاهم ان هذا الاتجاه يؤشر الى تيار جارف سوف يجعل من السياسة (واحيانًا الثقافة) العامل الوحيد، إن لم يكن الاوحد المسيّر للحياة. وتنقلب السياسة غالبا الى العامل الأوحد الذي يفسّر التيارات والقطاعات والانظمة الاقتصادية ودوما “في نهاية المطاف”. والكلمة المفتاح هو power اكانت محمولة على معنى “القوة” او على معنى “السلطة”. ولا مبالغة إن قلنا انها باتت الكلمة الايقونية في العلوم الاجتماعية، وإنها تشي في أحيان كثيرة بشبق اكيد نحو القوة والسلطة لدى ممارسي النشاط الذهني. ثم ان تبديل العبارات ومعانيها هو التمرين الاثير لقاموس الليبرالية الجديدة الذي ليس يكتفي بإدخال مصطلحات جديدة لكنه يقلب معاني عبارات ومصطلحات سابقة. وتستطيع ان تلاحظ فيه ان هوس القوة يلحق بالإنسان الى القبر، قفد تحولت عبارة التعزية التقليدية باللغة الإنكليزية (RIP) Rest in Peace – “ارقد بسلام” – الى Rest in Power(RIP) أي “ارقد بقوة” والأرجح بسلطة او متسلطنًا/ة”.

اريد هنا افتتاح بحث نقدي في منهج “الاقتصاد السياسي” وقد استقر على ما استقرّ عليه وفي ادواته ومنتجاته من خلال تطبيقاته السائدة دوليا وما رشح منها الى المنطقة العربية. والبداية هي بالتساؤل عن علاقة السياسة والاقتصاد وما هي حصة كل منهما من “الاقتصاد السياسي”.

“هذه ليست رأسمالية”

توجد لوحة شهيرة للفنان البلجيكي رينيه مَغْريت تمثل غليونا عنوانها “هذا ليس غليونا”. اراد الفنان من لوحته ان يقول خدعة التصوير والصورة: غليون اللوحة ليس هو الغليون الحقيقي.

يمكن وضع “هذه ليست رأسمالية” شعارًا لمحاولات في الفكر والاقتصاد لا متناهية استشرت في ظل الرأسمالية النيوليبرالية، ووصلتنا متأخرة كما العادة. انطلقت من قاعدة تعرّف قضايا المنطقة على انها مزيج من تأخر ونقصان على مشهد مليء بـ”الثغر” وهذه “الثغر” يصدف انها المتوافرة عند “الآخر”. إذ ما ليس لدينا وما يجب ان نحوز عليه هو مثلا “مجتمع المعرفة والحرية وتمكين النساء” حسب ثالوث الغياب الذي عيّنته «تقارير التنمية البشرية العربية» (٢٠٠٣-) ونقطة الانطلاق هذا إن هي الا الترجمة المحلية للنهج الذي اختطه البنك الدولي كما ورد أعلاه.

اود تسمية هذا المنحى في التفكير “فكر الغياب” لأنه يعرّف الشيء بما ليس هو او بنقيضه او يفسّر غيابه بوجود ما يغايره، او يعرّف حضورَ الشيء بغياب المرتجى. فمثلًا، الاستبداد موجود لعدم وجود الديمقراطية؛ والأنظمة الشمولية قائمة بسبب عدم الاعتراف بالمجتمع المدني؛ والطائفية منتشرة لغياب الاندماج الوطني (ناهيك بالانصهار)؛ والاقتصاد ريعي لغياب الاقتصاد الإنتاجي؛ والاحتكار موجود لأنه لا توجد منافسة حرة؛ وثمة من يحاول اقناعك بأن وجود الفقر سببه غياب حقوق الانسان الأساسية، الخ.

وليس أسهل من ان ينقلب فكر الغياب الى فكر التغييب. فمن فنون ايديولوجيا النيوليبرالية انها لا تكتفي بابتكار مسميات لا متناهية للرأسمالية ولكنها تنكر في الوقت ذاته ان يكون أي منها هو رأسمالية او هي الرأسمالية بال التعريف او الرأسمالية الصافية. احصى الماركسي الهندي جايروس بناجي نحو ٧٠ منوّع من تلك المسمّيات تُقدّم جميعها على انها مقصّرة عن ان تكون “رأسمالية”. او “الرأسمالية” بأل التعريف، او الرأسمالية النقية. ومن هذه المنوعات الأكثر ورودا بالنسبة للمنطقة العربية: الريعية، والغنائمية، والارثية والارثية الجديدة (الباتريمونيالية)، و”اخوية الانتفاع” cronyism وغيرها. ولو امعنّا النظر بهذه الأمثلة لتبيّن لنا المشترك بينها: الاختلاط بين السياسة والاقتصاد ومن اطواره: التداخل والتقاطع؛ الفصل والقطع؛ الخلط والتطابق؛ الانزلاق من الواحد للثاني؛ وتفسير الظواهر الاقتصادية بالظواهر السياسية وصولا الى غلبة السياسي على الاقتصادي. وفي معظم الأحوال يكون ذلك باتجاه حجب الرأسمالية بما هي مسيّر الاقتصاد وتبرئتها من الأخطاء والارتكابات. يقتصر الحديث في الاقتصاد على الريع ويتناسى المكونان الآخران: الارباح والأجور. يحل الريع محل الربح والإنتاج محل العمل. وتغيب السوق بما هي محرّك اقتصاديات الرأسمالية المتعولمة المنفلتة من عقالها ومعها الملكية الفردية، المضمر المحرّم الذي لا يمسّ ولو بالكلام عنه. يحصل هذا كله بواسطة الخلط بين اقتصاد وسياسة وبغلبة السياسة.

مثال اول: مصرفي وخيبر مالي لبناني عمل طويلا في المصارف والأسواق المالية الاميركية والعالمية يشرّح ادق دقائق النظام المالي اللبناني وأزمته الراهنة ثم ينتهي الى ان النظام اقطاعي. ولماذا النظام هو نظام اقطاعي؟ لأنه لا يمنح المواطن اللبناني الفرص المفتوحة للارتقاء التي يوفرها النظام الاقتصادي الاميركي. ولو شئنا ترجمة كلام المصرفي وفق المصطلحات اللبنانية، لما بدا انه يعيّن طابع النظام الاقتصادي على انه اقطاعي، أي تسوده ملكية الأرض والقنانة، وانما الاقطاعية عنده استعارة لنظام ولاء وتبعية تقليدية. والاشارة عادة ما تكون الى زعماء الطوائف وعلاقات الزبونية. فلدينا نظام اقتصادي لا وصف له بما هو نظام اقتصادي – أي رأسمالي – انما له وصف سياسي. وهو بصفته نظاما سياسيا لا يتيح ما يتيحه النظام الاقتصادي الاميركي!

الاختلاط وتبادل الأدوار

في ندوة نظمها الخبير الاقتصادي سمير عيطة عن الازمة المالية في بيروت (الجامعة اليسوعية، بيروت، تشرين الاول ٢٠٢٢) عرّف المحاضر “نظام السلطة” اللبناني power system على

“انه يرتكز الى شبكة معقدة من العلاقات بين اسياد حرب وأحزاب طائفية ونخب مالية ومصرفية وكارتيلات تجارية احتكارية/اولوغوبولية، مع نفوذ لافت لعدد من القوى الخارجية على كل لاعب محلي. والاقتصاد الرسمي قائم على نشاطات ساعية للريع من اجل الحفاظ على بنية الزبائنية.”

وهو تعريف يميّز بين الاقتصاد والسياسة ليعود فيخلط السياسة بالاقتصاد بطريقة غريبة بعض الشيء. يحتوي نظام السلطة على قطاعين اقتصاديين تسيطر عليهما نخبٌ مالية وكارتيلات تجارية احتكارية الى جانب أسياد حرب وأحزاب طائفية. في حين يقتصر الاقتصاد الرسمي على نشاطات “ساعية للريع” لكن الريع هنا وسيلة اقتصادية لغاية سياسية هي الحفاظ على بنية الزبائنية، أي على التوزيع عن طريق “اسياد الحرب والأحزاب الطائفية” ااستدرار الولاء السياسي. في نظام السلطة هذا، المال والتجارة وسيلتان للسيطرة السياسية اما الاقتصاد الرسمي (هل الاول هو الاقتصاد غير الرسمي؟) فيختزل بالريع، حيث تحصيل الريوع – بواسطة السلطة- وسيلة للحفاظ على شبكات الولاء السياسية.

ليس ينكر المحاضر النفوذ الذي يمارسه أصحاب المصارف على صنع السياسات، ولا ان كارتيالات التجارة والخدمات المالية حققت أرباحا طائلة من الازمة. طيب. اليسوا هم انفسهم من حقق الأرباح الطائلة من الاقتصاد ومن مديونية الدولة والاحتكار التجاري قبل الازمة؟ مهما يكن. لو اكتفينا بالتربّح من الازمة، الا يترتّب على ذلك أي إجراءات مثل “الهير كات” على أصحاب المصارف وكبار المودعين او فرض ضريبة على الثروة بناء على ما اقترحه البنك الدولي ذاته او سن قوانين لمكافحة الاحتكار التجاري و”تضارب المصالح” المعتمد في القطاع الخاص غير المعتمد في عقود الدولة وتلزيماتها. اما عن تنامي الفقر فالمحاضر يجاري كثيرين بإعلان ان معدلاته قد قفزت الى ٨٢٪ من ٤٢٪ قبل الازمة، وهو رقم مذهل يُذكَر كأنه البداهة عينها مع انه، إن صح، يجعل من لبنان في عداد دزينة لا أكثر من أفقر بلد في العالم. وكأنه لا يحق للمرء ان يتوقع من خبير اقتصادي ان يدقق في الأرقام وان يتساءل عن كيفية تعيين سقف الفقر واحتسابه. والانكى ان الرقم يرد للتدليل على جسامة مفاعيل الازمة الاجتماعية، دون ان يترّتب عليه التفاتة ما لمشاريع معالجة الفقر وابداء الرأي فيها. قلنا مفاعيل اجتماعية. للفقر مفاعيل اقتصادية كما يذكّرنا صندوق النقد لأن تناميه يخفض القدرة الشرائية والتي يرتد بدوره على كل حركة الاقتصاد.

لا يوجد أي من كل هذا. يعلن المحاضر نهاية نموذج الاستهلاك الاستيرادي بواسطة القروض الشخصية وبطاقات الائتمان. لكن هذا النموذج الاستهلاكي هو ما اوجد قاعدة اجتماعية لنظام الانتقال من الليبرالية الى النيوليبرالية بعد الحرب. وهو يمس فئات واسعة من الاجراء الدائمين والموظفين وفئات واسعة من الطبقات المتوسطة. نهاية هذا النموذج تعني فرض التقشف. إلا اذا جاء من يقدّم البديل او البدائل! طيب. تقشف “من تحت” ولا شيء غير توزيع الخسائر “من فوق”؟! اما عن نهاية الشق الاستيرادي من النموذج، فهل من يجرؤ على اقتراح رفع الرسوم الجمركية على السلع الفخمة، بما فيها السيارات، لحماية السلع المنتجة محليا، واعتماد روزنامات زراعية لحماية المواسم الزراعية المحيلة من إغراق السلع المستوردة او المهرّبة، الخ.؟

هكذا نتدرّج من الانفصال في التشخيص والتحليل بين الاقتصادي والسياسي، والانتقال في التشخيص من الاقتصادي والاجتماعي للانتهاء بالسياسي وصولا الى ان السبب الأوحد: سيطرة النخبة السياسية هي السبب الرئيس الذي يمنع تطور لبنان ويؤدي الي الانهيار المستمر. سقطت النخب المالية والمصرفية والكارتيلات التجارية الاحتكارية/الاوليغوبولية والاوليغارشيات، على طريق السياسة الملكي المعبّد بالقوة.

فليس غريبا ان تلقى متدخلا في تلك الندوة هو نفسه خبير اقتصادي ينهى مداخلته بإلقاء المسؤولية في الازمة على النظام الطائفي ولا يرى من مخرج الا بتجاوز هذا النظام. ومع ان هذه معزوفة تتكرر باستمرار، فلا نزال ننتظر من يخبرنا كيف ولماذا قيام نظام سياسي غير طائفي، مدني او علماني، يقضي على “نفوذ” النخب المالية ويحدّ من “الأرباح الطائلة” للاحتكارات التجارية، ويعيد توزيع الخسائر في الازمة المالية فيعقد الاتفاق مع صندوق النقد ويقضي على نموذج الاستهلاك الاستيرادي بواسطة القروض الشخصية وبطاقات الائتمان، ولعل هذا يعنى ايضا استبدال النشاطات “الساعية الى الريع” بنشاطات إنتاجية، معاقة منذ ان كان للبلد اقتصاد، كما تقتضي اللازمة السائدة حاليا!

سنسعى في مقالات لاحقة الى نقاش ما تيسّر من مقولات هذا الحقل الجديد ومنها الريعية، والغنائمية، والارثية، وانكار الطبقات والزبائنية و”أخوية الانتفاع” cronyism والفساد وغيرها.

Themes
Political Economy Politics
Countries
Lebanon
Published In
SifR
Author
Fawwaz Traboulsi

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.