Back to Publications
Publications Articles

Social Tension and Sectarian Tension

"It's none of my business"—the last words of the Ain el-Remmaneh victim, killed for his sect. Small privileges between the poor hide the vast ones between rich and poor.

الاحتقان الاجتماعي والاحتقان الطائفي

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

الاحتقان الاجتماعي والاحتقان الطائفي

«مَن خصّه»؟

فواّز طرابلسي

« أنا ما خصني»!

هذه هي آخر كلمات تلفّظ بها الشاب جورج أبو ماضي قبل ان يهوي ميتا بطعنة سكين على باب منزله في عين الرمانة.

لسنا ندري أقالها الضحية بنبرة التبروء ام التساؤل المستنكِر، بمعنى «انا شو خصني؟». في الحالتين، اراد جورج ابو ماضي القول انه لم يكن طرفاً في المعركة التي نشبت بين شباب من الشياح وشباب من عين الرمانة.

حقيقة الامر ان جورج ابو ماضي، «خصّه». قُتِل تحديدا لأنه يسكن منطقة معينة وينتمي الى طائفة معينة. والذي قتله انما قتله لأنه ينتمي الى الجماعة ذاتها التي تشاجر القاتل او القتلة مع واحد «منها». وينطبق هذا المنطق حرفيا في الحالة المعاكسة، اي فيما لو تمّ الشجار في الشياح وكان الضحية احد شباب الضاحية الجنوبية.

بهذا المعنى ليست حادثة القتل في عين الرمانة الاسبوع الماضي بالحادثة الفردية تماما. انها اقرب الى جريمة إستبدالية قتَل فيها فرد نيابة عن أفراد من الجماعة التي ينتمي اليها (بالولادة).

مع ذلك، فالاحزاب المعنية المسيطرة على المنطقة التي يسكن فيها المتهمون بالقتل تقول لنا انه «ما خصّها». سلّمت الامر للسلطات الامنية. وسارعت الى نفي اي طابع سياسي عن الجريمة على اعتبار ان القتلة المفترضين والضحية (الذي صدف انه عضو في التيار الوطني الحرّ) ينتمون الى تحالف سياسي واحد.

من حسن الحظ، ان قوى الامن إكتشفت القتلة بسرعة والقت القبض عليهم. واتخذ مجلس الامن المركزي للمناسبة قرارات بتقنين حركة سير الدراجات النارية ليلا وضبط المخالفات. وهي اجراءات ضرورية بذاتها. علما أنها لن تمنع شباب الشياح-عين الرمانة من ان يعبروا الشارع الفاصل بين الحيّين راجلين جيئة وايابا، اذا اقتضى الامر.

عند حدود الامن والسياسة انتهى امر حادثة عين الرمانة. لو ان اشتباكات من هذا النوع لم تتكرر خلال الفترة الاخيرة لاكتفى المرء بتسجيل الحادثة. ولكن لما كان المصدوم في عين الرمانة يخاف من حادثة بوسطة، وجب التوقف لبرهة هنا ولو مجرد التفكير في الاحتقان الاجتماعي ودوره في تغذية الاحتقان الطائفي وصولا الى العنف.

يزيد من الحاح الموضوع أن حادثة الشياح-عين الرمانة تزامنت مع تساقط قذائف الإنيرغا بين باب التبانة وبعل محسن في طرابلس. وهنا يصعب ان تكون الحادثة فردية. مع ان اي مواطن من مواطني هذا الحيّ او ذاك يستطيع ان يسأل سؤال جورج ابو ماضي «انا ما خصني»، متبرئاً من قصف الحي الآخر او مستنكرا شموله بالقصف لمجرد انه يسكن في الحي الذي يسكن فيه.

هل حقا ان الاحزاب والزعامات في الحالين «ما خصّها» بما جرى؟ ومن الذي اقنع جمهوره بأن هويته الوحيدة انه ابن طائفة ومذهب؟ فسهل عليه إذا كان يشعر بالاحباط والتهميش ان يلقي باللائمة على سلاح الحزب الذي يدير شؤون الناس في الحيّ المقابل. واذا كان يشعر بالحرمان الاجتماعي، ان يلقي باللائمة على ابناء الحيّ المقابل، على اعتبار انهم من اصحاب الامتيازات. وماذا يملك الذين «خصّهم» ان يقدمّوه تجاه تزايد الافقار في الحيين الطرابلسيين؟ تفريغ المزيد من الشباب في الميليشيات؟ ومن لم يجيّش بعد لنفسه ميليشيا هناك، من ملياردية المدينة الى تيار المستقبل مرورا بحزب الله؟

خلال الاسبوع، كان الذين يفترض انه «خصّهم» منشغلين بقضايا وطنية غاية في الخطورة يضربون المندل في ما اذا كانت قمة دمشق بين سين وسين قد اقرّت توزير الراسبين في الانتخابات ام لا. وما اذا طاولت مَن سوف يتسلّم وزارة المواصلات ام لم تطاوله. واذا ضرب المنادل يدور حول درجة الحرارة في لقاء رئيسي الدولتين بين «دافئة» و«فاترة»!

والذين يفترض انه «خصّهم» كانوا منشغلين هذا الاسبوع باللبنانيين المطرودين من اتحاد الامارات العربية. وهي قضية وتستحق كل الاهمام. ولكن من يخصّه بالبحث عن ايجاد فرص عمل للشباب في بلادهم، حتى لا يبقون على قارعة الطرقات، يسندون الجدران، يدمنون الحبوب والمخدرات، ويلعبون البينغو، ويتبارون في السرعة المجنونة على الدراجات النارية الى حد القتل او الانتحار، وينفثون اخيرا عن كبتهم والحرمان بالعنف على الجار المختِلف؟

صدر هذا الاسبوع عن وزير الصحة تصريح مفاده ان الدواء تتحكم به مافيات المستوردين. ليس من صلة مباشرة، سوف يقال لنا، بين احداث الشياح-عين الرمانة وطرابلس وبين مشكلات الدواء. ومع ذلك، لنسجّل ان التهمة التي اطلقها الوزير مرّت كما لو انها شأن خاص بالوزير او مجرد مقال صحفي. مَن «خصّه» بالنظر في تحكّم مافيات المستوردين والموظفين بالدواء؟ من «خصّه» إن لا يبقى الفاعل مجهّلا؟ ومن يتخذ بحق افراد المافيات الاجراءات القانونية اللازمة؟ ولكن اليس التلاعب بصحة المواطنين جريمة يحاسب عليها القانون؟

بين الذي «خصّهم» من يعزّينا بأن لبنان مشروع ثقافي وان اللبنانيين «من صخر وشذى أرز كفايتهم». يكفيهم ان بلدهم بلد الحوار بين الشرق والغرب، وبين المسيحية والاسلام وكفى المؤمنين شرّ السكن والماء والكهرباء والعمل والخبز والصحة والطبابة. واما دولة بلد حوار الحضارات والاديان فلا تزال عاجزة عن جمع ١٤ من رجالاتها حول طاولة حوار للبحث في استراتيجية دفاع وطني، مثلا.

الكل من الذين «خصّهم» ينعي غياب الدولة والكل يريد بناء الدولة. والكل فوق ذلك يريدنا ان ننسى انهم هم، رجالا ونساء، هم الدولة. الدولة التي ما خصّها بشيء. تستدين من الخارج لتفي ديون بضعة مصارف تتضخم فيها الودائع والارباح الفلكية. الدولة المتخلية عن الاقتصاد للمستوردين والمصرفيين، وعن التنمية للسوق، وعن الاحوال الشخصية للطوائف، وعن ايجاد فرص العمل للهجرة، وعن الخير العام للجمعيات الخيرية والمنظمات الاهلية، والمتنازلة دستوريا (البند العاشر) عن دورها في تحقيق تكافوء الفرص بين المواطنين من خلال تخلّيها عن مجانية التعليم والزاميته لصالح الارساليات والمدارس والجامعات الدينية الخاصة.

هكذا الذين يحكمون يتذمّرون من الدولة، التي هي هم، اكثر من تذمّر المحكومين. يغيّبون الدولة في ميدان المسؤولية والمحاسبة ويستحضرونها في ميدان التسابق على الانتفاع والقمع. والذين «ما خصّهم» من المحكومين يقتلون على الهوية. لأنه «خصّهم» بسبب وصمة الولادة التي يحملون في الاسم والحيّ والمنطقة واللهجة واللباس. والامتيازات الصغيرة بين الفقراء ومحدودي الدخل، كالتي بين التبانة والبعل، والشياح والرمانة، والضاحية وطريق الجديدة، والجنوب وعكار، تخفي الامتيازات الكبيرة بين الاغنياء والفقراء. والفقراء والمحكومون يتقاتلون بين الفينة والاخرى من اجل تحسين شروط المنافسة والشراكة بين الاغنياء والحكام.

اما آن للذين خصّهم فعلا ان يفعلوا شيئا؟!

Themes
Sociology
Countries
Lebanon
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Lebanese Politics Sectarianism Violence Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.