عكس السير
استئناف نقاش مع فكر مهدي عامل ٢
هل الفكر الماركسي اللينيني مفقود في الفكر العربي؟
فواز طرابلسي
«نمط الإنتاج الكولونيالي» لمهدي عامل (١٩٧٦) هو الجزء الثاني من دراسة بعنوان «مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني». يثير العنوان الفرعي سؤالين: الاول، ما معنى ان تكون دراسة أثر الفكر الاشتراكي على حركة التحرر الوطني العربية “دراسة نظرية”؟ والسؤال الثاني، ما سبب الاختلال بين الفكر والممارسة في المعادلة؟ الم تنتج حركة التحرر الوطني فكرها؟
يعرّف مهدي عامل دراسته بأنها ليست دراسة تاريخية لواقع “تجريبي” معيّن كالعالم العربي مثلا، وهو لو أراد ذلك لما استطاع لأنه ليس مؤرخا. بل هي “دراسة نظرية، موضوعها واقع مفهومي ليس معطى، بل يجب انتاجه في عملية متميزة من الإنتاج هي عملية انتاج معرفي” (٦-٧) ذلك ان التفكير في الأدوات المفهومية شرط مسبق للتفكير في واقع الحركة التاريخية. والباعث على هذا الامتحان للأدوات المفهومية سببان: الاول، ان الطبقة العاملة لم تكن ممارستها ممارسة بروليتارية دوما، بل مرت بفترات طغى فيها عليها الطابع البرجوازي الصغير. والثاني، ان المرحلة التاريخية الراهنة هي مرحلة الازمة في قيادة البرجوازية الكولونيالية المتجددة لحركة التحرر الوطني فهي بالتالي مرحلة الضرورة الراهنة في القيادة البروليتارية للحركة التحررية. (٨)
من يضع نفسه في جو نقاشات تلك المنطقة وعلى الخصوص عددا من مفاهيم الحركة الشيوعية العربية، سوف يلقى في الكتاب نقاشا نقديا لمفاهيم “الرأسمالية الوطنية” و”الطريق اللاراسمالي الى الاشتراكية”، وخصوصا “الانظمة التقدمية” او “أنظمة البرجوازية الصغيرة” او “السلطات المستلمة باسم البرجوازية الصغيرة”، حسب تعبير مهدي، الخ. لكن هذه ليست أبرز الأدوات الفكرية التي تعني مهدي في هذا الكتاب، وإن تكن الإشارات اليها متفرّقة وهامشية وضمنية في كثير من الأحيان، كما سوف يتبيّن.
على ان ما اود نقاشه ابتداء هو ان تجريدات الثالوث نظرية-واقع مفهومي-انتاج معرفي- تمر في معظمها في العلاقة بين النظرية والتاريخ. سيّان اكان مهدي عامل او لم يكن مؤرخا، فقسمٌ لا بأس به من كتابه يتعلّق بالتاريخ، منهجا وممارسة، موضوعه التاريخ الاقتصادي الاجتماعي العربي، يتناول امثلة من لبنان ومصر خصوصا، ويقارن مع وقائع وتطورات من التاريخ الأوروبي، والفرنسي خصوصا، ناهيك عن ان الكتاب يحتوي فصلا في مراجعة كتاب رفعت السعيد “تاريخ الحركة الاشتراكية في مصر ١٩٠٠-١٩٢٥“.
وما يدلي به مهدي في التاريخ ليس بقليل. يعرّف النظرية التي يشتغل بها – الماركسية اللينينية – على انها “علم التاريخ“. ويجزم بأن الفكر الماركسي اللينيني خير فكر قادر على تأريخ الماضي، ويؤكد على أهمية استعادة تأريخ “اضاعته منا الذاكرة”، وينحاز الى ميزة التاريخ عندما تكتبه الجماهير وعن اهمية استعادة تاريخنا من أيدي الامبرياليين. وينصح بان تكون كتابة التاريخ مستندة الى وعي نظري يكون على الدوام حاضرا في ممارستها. وبالجملة يضع المؤلف مقياسًا للنجاح في كتابه «نمط الإنتاج الكولونيالي» ان يكون قد أنتج ابجدية المادية التاريخية في حركة التحرر الوطني.
الواقع المفهومي/الواقع التجريبي
النظرية تخترع التاريخ
في “تأريخ” عامل لتكوّن بورجوازية تابعة في لبنان القرن التاسع عشر يلاحظ ان تكونها ترافق مع القضاء على ما يمكن اعتباره تكون وتطور “بورجوازية وطنية”:
“ان تكوّن البرجوازية الكولونيالية في لبنان رافقه مثلا قضاء على صناعة الحرير التي كانت مزدهرة في النصف الاول من القرن التاسع عشر” (٧٣)
لنفترض ان هذا المثال بمثابة “واقع مفهومي”، كما يريدنا الكاتب. الا انه أضطر لأن يستدلّ عليه من خلال “واقع تجريبي”. ولكن ما نصيب عملية التكوّن الجنيني لقطاع صناعي عاجله الموت من الصحة؟ الى أي مدى يلتقي القول بالقضاء على صناعة الحرير التي كانت مزدهرة، في “لبنان” النصف الاول من القرن التاسع عشر، مع ما نعرفه عن التاريخ الاقتصادي الاجتماعي لتلك الفترة، وبحدود ما تسمح به تلك المعرفة؟
هذا ما نعرفه.
لم يكن يوجد “لبنان” في النصف الاول من القرن التاسع عشر. يطلق مهدي التسمية على جبل لبنان وبيروت والساحل التي سوف تكون المحور الذي نشأ حوله الكيان الذي سمّي “لبنان الكبير” في العام ١٩٢٠.
لم تكن صناعة الحرير مزدهرة في النصف الاول من القرن التاسع عشر بل كانت في طور النشوء والتكوّن. والحال انها لم تكن صناعة حرير بل صناعة حل الشرانق وإنتاج الحرير الطبيعي الخام. ثم ان تلك الصناعة عرفت فترة ازدهارها في النصف الثاني، لا الاول من القرن التاسع عشر، في إطار متصرّفية جبل لبنان (١٨٦١-١٩١٥) ذات الحكم الذاتي المحدود ضمن السلطنة العثمانية.
ولم يقتصر امر الحرير على وجهه الصناعي. كان نظاما اقتصاديا متكاملا يضم الزراعة، التي غطّت قسمًا كبيرا من الأراضي الزراعية في تلك المنطقة، ومشاغل الحِرًف، ومعامل إنتاج الحرير الخام، ويرتبط به قطاع مالي يتولى تمويل الإنتاج الزراعي والاستثمار في الإنتاج المعملي، إضافة الى قطاع تجاري يتولى تصدير المحاصيل الى فرنسا واستيراد مستلزمات ذلك الاقتصاد.
واقتصاد الحرير في ظل متصرّفية جبل لبنان وبيروت نموذج عن اقتصاد كولونيالي وعن علاقات التبعية الاستعمارية. وهو واقعة من وقائع قسمة العمل الدولية خلال تلك الحقبة بين أوروبا والشرق المتوسط، يتم خلالها عملية التبادل غير المتكافيء بين موارد طبيعية وزراعية من جهة ومنتجات مصنوعة، من جهة اخرى. ويمثل اقتصاد الحرير هذا حالة نموذجية من “اقتصاد المنتوج الواحد” وmonoculture المرتهن تسويقه بالطلب في مدينة ليون عاصمة الحرير الفرنسي. وقد أدى قيام تلك الزراعة الى التخلي المتسارع عن الزراعة الكفافية في جبل لبنان وقسم كبير من الساحل، الذي غطته ملايين اشجار التوت، وغلبة الإنتاج السوقي النقدي للحرير الخام تنتجه مئات حلالات الحرير، اكبرها واحدثها تابع لاسر صناعية وتجارية فرنسية لا يتجاوز عددها أصابع اليدين. على ان علاقات التبعية الاقتصادية لم تقتصر على هذا. كان اقتصاد الحرير يعني تحكم تجار مارسيليا وصناعيي ليون بسعر الحرير، وسعر بزر القز، والادوات الزراعية وبأسعار ما يعيدون تصديره من منتجات منسوجة. وقد ارتبط باقتصاد الحرير ايضا نشوء بيوتات تجارية ومالية فرنسية ومحلية ووكالات بحرية. وجدير بالذكر ان فرنسا كانت تستورد الحرير الخام بالدرجة الاولى من المنطقة فيما كانت بريطانيا تغزوها بالمنسوجات القطنية.
ليس من دليل على ان الحلالات الفرنسية الكبرى قضت على الحلالات المحلية الصغيرة والمتوسطة. بل العكس صحيح، ذلك ان رأس المال الفرنسي ما لبث ان انسحب من انتاج الحرير واكتفى بعوائد التسليف والفوائد والارباح المتأتية من التجارة الخارجية الأقل توظيفا لرأس المال والأكثر ادرارا للربح.
وقد لعب اقتصاد المنتوج الواحد الكولونيالي هذا دورا كبيرا في موجة الهجرة التي انطلقت في الربع الاخير من القرن التاسع عشروفي المجاعة أيام الحرب العالمية الاولى- بدافع من فشل حل مسألة الأرض لمصلحة الفلاحين والتسليع المتسارع للاقتصاد.
وأخيرا، ليس آخرا، بدأ اضمحلال اقتصاد الحرير في العقد الثالث من القرن العشرين بسبب تقلّص الطلب عالميا على الحرير الطبيعي الذي تعرّض لمنافسة الحرير النباتي. وجرى تدارك جزئي للازمة الناجمة عن ذلك، باستبدال أشجار التوت في جبل لبنان بالاشجار المثمرة وبنمو قطاع الاصطياف.
اعلاه عيّنة عن اقتصاد كولونيالي يمكن ادراجها بسهولة فيما يسمّى “نمط الإنتاج الكولونيالي”. لكن مهدي عامل اختار “الواقع المفهومي” – الذي يتبيّن انه مأخوذ من “واقع تجريبي” هو تدمير الاستعمار البريطاني لصناعة النسيج الهندية – وتطبيقه على جبل لبنان في القرن التاسع عشر. فقدّم مثالا بين أمثلة عن اختراع النظرية للتاريخ.
الفكر الاشتراكي وحركة التحرر الوطني
في عودة الى موضوع أثر الفكر الاشتراكي على حركة التحرر الوطني، يأخذ مهدي على التأريخ للحقبة الاولى من ذلك الفكر في كتاب رفعت سعيد على ان المؤلف اكتفى بربط نشأة الفكر الاشتراكي في مصر بواقع الاقتصاد والصراعات، في حين كان يتوجب ربط تاريخ الفكر الاشتراكي بحركة الصراعات الطبقية في مصر، بحيث بقيت العلاقة عند المؤرخ المصري علاقة خارجية بين حركة الأفكار وحركة الصراعات الطبقية. ويتجلى من هذه وتلك، أن تكوّن الفكر الاشتراكي، في المرحلة ما بين الحربين العالميتين، قد تم تحت الهيمنة الفكرية للبرجوازية الصغيرة. ويستخدم المؤلف الثنائية الهوياتية تماثل/اختلاف لتعيين اختلاف فكر البرجوازية الصغيرة عن فكر الطبقة العاملة. وهو ان الاولى ترفض الصراع الطبقي والثورة كطريق للتحرك الاجتماعي الذي تقول به الثانية. ويستطرد مهدي بأنه عندما يكون الفكر الاشتراكي متجسدا في البرجوازية الصغيرة في السلطة يتحول الاختلاف الى تضاد بينها وبين الطبقة العاملة (٣٢٦)
هذا التعريف نموذج عن نهج النرجسية الطبقية الذي سبق ان عثرنا على عيّنات منه في “نقض” فكر ميشال شيحا. هو نهج يُعرّف المعرَّفَ به بما ليس هو قياسا الى المعرِّف. أي بما يذكّر بمعادلة زياد الرحباني عن الفكر الطائفي المنغلق على ذاته العاجز عن تصوّر وجود آخر ليس هو:
-“المحمودات، مسيحيي شي؟”
-“لا”
-“ليش بدي حبّن؟
وسوف تستأثر ثنائية تماثل/اختلاف الهوياتية بقسم لا بأس به من محاجّات مهدي عامل في هذا الكتاب، مع انه يصعب العثور على صلة فعلية لها بالفكر الماركسي.
مهما يكن، وعلى الرغم من هذا التمييز، فإن الطبقة العاملة لم تستقل فكريا الا بعد الحرب العالمية الثانية عندما مارست الصراع الطبقي المستقل عن البرجوازية الصغيرة، “قاطعة بذلك علاقة التبعية عن تلك الطبقة” (٣٣١)
استنتاج اول: الفكر الاشتراكي الذي نقتفي أثره على حركة التحرر الوطني ليس هو فكر مرحلة نشوء ذلك الفكر في الفترة بين الحربين الاولى والثانية. فمن شروط انتقال الفكر الاشتراكي من وعي البرجوازية الصغيرة وممارساتها الطبقية الى وعي الطبقة العاملة وممارساتها هو تحول ذاك الفكر الى عِلم. من هنا ضرورة دعوة المؤلف الى “القطع المعرفي” او “إقامة الحد المعرفي” بين هذا الفكر العلمي وفكر البرجوازية الصغيرة. “إقامة الحد المعرفي”! اليست قوية بعض الشيء في التحالفات الطبقية؟ فهمنا “القطيعة المعرفية” المستعارة من اجتهاد فرنسي في الفكر العلمي. اما “إقامة الحد” فيا له من عقاب ربّاني من طبقة اجتماعية على أخرى، ولو على يد مفكر علماني!
مهما يكن، ليست تنتهي مسألة “إقامة الحدّ” عند هذا الحد. يحمّل المؤلف الطبقة العاملة مهمة تحرير البرجوازية الصغيرة ذاتها من اسْر ايديولوجيتها الطبقية، فإذا “إقامة الحد المعرفي” هنا هي الوسيلة التي بها تستعيد الايديولوجية البرجوازية الصغيرة “وجهها الثوري” وقد تحوّل الى وجه محافظ رجعيً عندما ارتقت الى السلطة، او جرى تسلّم السلطة باسمها (٣٣٢-٣٣٣) مهما يكن، لا يلبث مهدي ان يقفل الدائرة على نفسه عندما يقول إن الطبقة العاملة لن تستطيع تحرير البرجوازية الصغيرة من اسر ايديولوجيتها ما لم تقم هي في البدء بتحرير ايديولوجيتها نفسها من كل ما يخضعها لسيطرة الايديولوجية البرجوازية الصغيرة. وهذا بعد ان كان أعلمنا في الصفحة السابقة ان الطبقة العاملة قد قطعت علاقة التبعية عن البرجوازية الصغيرة.
ولكن هل استقلت الطبقة العاملة فعليا بعد الحرب العالمية الثانية؟ هل ولد الفكر العلمي المكلّف بـ”إقامة الحد المعرفي” بينه والفكر الاشتراكي البرجوازي الصغير؟ وماذا عن الماركسية في فكر الأحزاب الشيوعية العربية بعد الحرب؟
هل الفكر الماركسي اللينيني مفقود في الفكر العربي؟
لا جواب واضحا عند مهدي في مراجعته «تاريخ الفكر الاشتراكي في مصر». لكن لدينا منه جواب ورد في مقابلته في مجلة «الحرية» المذكورة سابقا يقطع فيه على نحو مفاجيء بقوله: “الفكر الماركسي اللينيني مفقود في الفكر العربي” (٢٩ آب ١٩٧٧) ويعيّن في المقابل ثلاثة مصادر للماركسية في العالم العربي: “الماركسية الكونية”، ممارسة الحركة الثورية العالمية، وممارسة حركة التحرر العربية.
يمكننا ابتداءً ان نأخذ مقولة مهدي على وجه اول هو انه يؤكد عبث البحث في الفكر العربي عن الماركسية اللينينية. في لا أكثر من صفحة واحدة في كتابه، يعلن رفض منطق الاستمرارية التاريخية، والحفاظ على الاصالة، والافتراض بأن الاشتراكية العلمية قادرة على “ان تكون فينا” او ان تجدّد فكرنا المعاصر. فنتوهم انه يمكن ان نأتي تلك الماركسية اللينينية عن طريق “السلف الصالح”، كأن يكون ابن رشد او ابن خلدون بديلا من ماركس وأبو ذر الغفاري بديلا من لينين، مثلا. تلك “استحالة موضوعية في الفكر أن يُخرج بُنيته من حقل الممارسة الايديولوجية المحددة للصراع الطبقي الذي هو حقله التاريخي.” (٣٣٤)
هذا وجه آخر من مهدي المؤرخ عن غير اختصاص، هو وجهه “التاريخاني”. يحكم بجرّة قلم واحدة على تراث كامل من شغل بحاثة ومؤرخين وادباء نبشوا ما في التاريخ العربي من فكر يرهص بالحرية والمساواة وبالنزعات المادية كما الجدلية، من بندلي جوزي في الثلاثينات الى حسين مروة بعد نصف قرن، والحبل على الجرار بالعشرات ممن سعوا في هذا الحقل. بناء على ثنائية استمرارية/قطع، يقطع مهدي بأنه لا يعقل ان “يكون فينا” من الأفكار والنزعات والتيارات والحركات ما يعبّر عن صراع الطبقات والأفكار بين قديم وجديد، وتقدمي ومحافظ، وبين فكر يدافع عن التراتب والتمييز وفكر يسعى الى العدالة والمساواة.
اما ان تلك ليست تتطابق مع ما توصل اليها الفكر في العصر الحديث، فأمر مؤكد. لكن اعتبار البحث وإنتاج المعارف عن التراث الفكري والثقافي العربي، تتجه في ذاك الاتجاه، هي جهد مستحيل لأنه لن ينتج ما قد نتج عن تطور لاحق في فكر ماركس او لينين، أمر عجيب حقًا.
ما الاعتراض على استظهار هذا التعبير الرائع عن المادية التاريخية عند ابن خلدون في هذين القولين/المفهومين مثلا” “الناس بزمانهم أشبه منه بآبائهم”؛ و”إن اختلاف الاجيال في احوالهم انما هو باختلاف نحلتهم من المعاش”؟ اليس الاجدر من الهوس بمفهوم العصبية وقد افرغ من جدليته التي يمكن ان توصلك الى عبثية الدولة ومسار اضمحلالها المكتوب في معنى المفردة اصلا؟ ثم لماذا يطبّق مفهوم العصبية على كل البنى الهوياتية: قبيلة، عشيرة، طائفة، الخ. اليس المفهوم قابلا للتطبيق على التماسك والتضامن لدى الطبقات؟
مهما يكن، فإن استظهار عناصر ذلك التراث يجعلنا ايضا أكثر أهلية لاستيعاب وتمثل الصيغة او الصيغ العصرية من تلك الافكار، في حقلها التاريخي الجديد، فتخدم بما هي قواعد استقبال للفكر الماركسي اللينيني وما يرتبط بها من الوعي والحركات والممارسات، بدل ان نعتبر الماركسية اللينينية مجرد أفكار ونزعات وتيارات تأتينا من خارج. فليس من معنى لرفض ما يأتينا من داخل الا بتفضيل ما يأتينا من خارج. ولعل مهدي كان يدري ان ما يأتي من خارج، في الأكثرية الساحقة من الحالات، هو ما يأتينا من “كونية” المركزية الاوروبية.
ويمكن ان نفترض من جهة ثانية ان مقولة مهدي عن فقدان الفكر الماركسي اللينيني في الفكر العربي تتعلق بما هو أكثر معاصرة. يريد المؤلف ان ينفي بها وجود “ماركسية عربية” مثلما درج سابقًا نفيُ وجود “اشتراكية عربية” بالحجة ذاتها، أي بالتأكيد على وحدانية النظرية الماركسية وكونيتها، ووحدانية مصدرها والمرجعية، والامر ذاته كان ينطبق على الاشتراكية. في تلك الفترة كانت كونية الماركسية اللينينية والاشتراكية تعني الوحدانية السوفييتية في تمثيل الماركسية اللينينية كمرجع اوحد. ولقد تفككت تلك الوحدانية عمليا مع نهاية العهد الستاليني، على الأقل بالنسبة للأحزاب الشيوعية الاوروبية، وتعددت التيارات والتأويلات. ولكن ماذا كانت تعني “كونية الماركسية اللينينية” في السبعينات عندما كان مهدي عامل يكتب؟ اين المرجعية والمرجع؟ افترض ان مهدي عامل ليس يتحدث عن المرجعية السوفييتية؟ فنحار جوابا.
لننتقل الى وجه آخر من هذه المسألة. على امتداد نحو قرن، استخدم مفكرون ومناضلون وقادة في حركة التحرر العربية النظرية الماركسية او تأثروا بها، لإنتاج معارف عن بلدانهم والسلطة السياسية والمجتمع والاقتصاد والثقافة. شكلت تلك المساهمات علامة فارقة في الفكر العربي، قدر ما شكّلت دليل عمل في إطار حركة التحرر الوطني والاجتماعي العربية. وإن شئنا اتّباع سياق التاريخ للفكر الاشتراكي، حسب مهدي عامل، يمكن اعتبارهم جميعا من مفكري ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه بعض الأسماء: محمد حربي، مصطفى الاشرف في الجزائر؛ علي يعته، المهدي بن بركة، في المغرب؛ محمد حرمل في تونس؛ عبد الفتاح إسماعيل، عبد الله باذيب في اليمن؛ هنري كورييل، محمود امين العالم، سمير امين، أنور عبد الملك، محمود حسين في مصر؛ عبد الخالق محجوب، محمد إبراهيم نقد في السودان؛ خالد بكداش، ياسين الحافظ، الياس مرقص في سورية؛ فرج الله الحلو، سليم خياطة، نقولا الشاوي، حسين مروة في لبنان؛ جبرا نقولا، اميل توما، في فلسطين، ويمكن ان يضاف اليهم عدد من قادة ومفكري “اليسار الجديد” ببلدانه العربية وتياراته المختلفة. وقد أنتج هؤلاء فكرهم في إطار مشاركتهم في حركة التحرر الوطني العربية، وشكلوا يسار تلك الحركة، بأكثر من معنى وموقع. الى هذا، لم يقتصر نتاجهم على التحرر الوطني بل تعدّاه الى الفكر النقدي في مرحلة الاستعمار الجديد، ونقد رأسماليات الدولة والترويج للاشتراكية وطرائق الانتقال اليها.
هل لهذا النتاج من عنوان؟ وبأي معنى ولأي سبب يمكن حذفه من الوجود كفكر ماركسي لينيني في الفكر العربي؟ او كفكر ماركسي عربي؟ وعكسًا، بأي معنى يمكن رفض وضع ذاك النتاج تحت عنوان “أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني العربية”؟
الجواب عند مهدي هو البديل الآتي: “الماركسية الكونية”، ممارسة الحركة الثورية العالمية، وممارسة حركة التحرر العربية. لكي نستمر في محاولة فهم ما يسعى اليه، يمكننا القول اننا بصدد جهد فكري يسعى لاستخراج الماركسية من ممارسة حركة التحرر الوطني العربية. هل ننصف مهدي إن صحّ تفسيرنا لسعيه على انه ليس دراسة تأثير الاشتراكية على حركة التحرر الوطني العربية، بل هو دراسة نظرية لاستخراج ما في حركة التحرر الوطني العربية من آثار للماركسية والاشتراكية؟ وهذا جريا على منهجه القائل بأن النظرية هي نظرية الممارسة. هذا حتى لا نعقّد المسألة ونتحدث عن النظرية كممارسة. وقد عرّف مهدي منهجه على انه نظرية ممارسة الطبقة العاملة من خلال حزبها ويمكن الافتراض انه يجوز مدّ لذلك للحديث عن نظرية ممارسة الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة من خلال حركة التحرر الوطني العربية. قد يغرينا السؤال عن الدجاجة والبيضة: ما الأسبق، الأدوات النظرية، التي تفحّص مهدي البعض منها في الكتاب، ام الممارسة الطبقية الخام؟ لكن الاجدر ان نؤجله الى وقت آخر.
يبقى السؤال عن مرجعية “الماركسية الكونية”؟ ما لدينا منها في هذا الكتاب مستوحى بالدرجة الاولى من اداتين نظريتين، “نظرية التبعية” واحد فروعها الأساسية “نمط الإنتاج الكولونيالي”.
فلنلق نشرة على هذه وتلك.
