استئناف حوار مع فكر مهدي عامل -١
في النظرية والممارسة النظرية
تقديم
مهدي عامل ظاهرة مميّزة في الفكر الماركسي العربي وفي الحركة الشيوعية العربية. جاءٍ من خارج المدارس الحزبية السوفييتية، تفارقت، حتى لا أقول تناقضت، منطلقاته النظرية ومفاهيمه مع السائد من منطلقات ومقولات الحزب الشيوعي اللبناني والحركة الشيوعية عموما وكانت لا تزال تروّج للتحالف مع الرأسمالية الوطنية، او تتحدث عن مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، وتعيد النظر بمواقفها السلبية من “النظم التقدمية” ومن الموقف من تقسيم فلسطين العام ١٩٤٧ ومن الوحدة العربية، وتتبنى المقولات السوفييتية الرسمية الموجهة الى “البلدان النامية”، ومنها “طريق الانتقال السلمي الى الاشتراكية”، والمقولة التي اعقبتها أي “الطريق اللارأسمالي الى الاشتراكية”. حتى ان مهدي في تعيينه الازمة في حركة التحرر الوطني العربية لا يعفي البديل الشيوعي من الازمة. واللافت ان عضو اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي اللبناني، واحد أبرز مفكريه ومثقفيه، لا يبدي في كتاباته أي اهتمام بثورة أكتوبر ١٩١٧ الروسية ولا بالتجربة السوفييتية حتى انه نادرا ما تلقى لديه ذكر للاتحاد السوفييتي و”إنجازاته”. وهي علامة استقلال غير مسبوقة في الشيوعية العربية. وإن تكن ثغرة فاغرة في نظامه الفكري.
على ان الوجه الآخر لهذه التمايز عن السائد الشيوعي، بل التمرّد، هو صرامة التزام مهدي بحزبه وانضباطه الصوفي بتفسير وتبرير سياسات الحزب والحركة الوطنية اللبنانية ما اوقعه في ورطات نظرية وسياسية سوف نتعرّض لبعض منها في مجرى هذا البحث.
اول ميزة لمهدي عامل هو انطلاقه من الانتاج والبلورة النظريين بما هما الشرط الذي لا غنى عنه لتوجيه الممارسة السياسية. بل أكثر، رأى الى النظرية على انها ممارسة والى الممارسة على انها مصدر أساسي للإنتاج النظري. على ان فهمه لهذه وتلك كان شديد الاشكال. قرأ على الماركسيين الاوروبيين: لوي التوسّير ومدرسته، ونيكوس بولانتزاس، وفرانتس فانون، ونظريات التبعية وسمير امين، الخ. وهم الماركسيون ذاتهم الذين قرأ عليهم اليسار اللبناني والعربي الجديد – وليس يصعب ملاحظة التقارب بين قسم من مفاهيمه عن السلطة والمجتمع في لبنان والمنطقة ومفاهيم “لبنان الاشتراكي” و”منظمة العمل الشيوعي”. أعني الاولوية المعطاة لدور النظرية في الممارسة السياسية، والاهتمام بتمييز الاستقلال النسبي للنصاب السياسي، واهمية الهيمنة ونقد الايديولوجيا، والعناية الخاصة بتفسير المسألة الطائفية، والموقف النقدي من “أنظمة البرجوازية الصغيرة” (الناصرية والبعث) والدعوة الى قيادة الطبقة العاملة لحركة التحرر الوطني العربية، وغيرها. على الرغم من اننا ومهدي “قرأنا على شيخ واحد” فهذا لم تمنع من نشوب خلافات عديدة حول هذه والمسائل وسواها.
جمعتني زمالة رفاقية مع حسن حمدان (مهدي عامل) لسنوات قليلة خلال الحرب الاهلية مع توثّق العلاقة بين الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي. جمعَنا كريم مروة وتبادلنا زيارات وسهرات عائلية في منزلي ومنزل مهدي شارك فيها الى كريم، حسين حمدان )أبو فادي( وزوجاتنا وآخرون. زارني مهدي عدد من المرّات ليطلب مني مراجع خصوصا لبحثه عن ميشال شيحا والمسألة الطائفية وفلسطين. كانت مناسبات لتبادل الرأي والنقاش.
التقينا في مقابلتين متقابلتين، على صفحات مجلة الحرية في خريف ١٩٧٦، واحدة اجراها معه محمد العبدالله، والثانية اجراها معي جوزيف سماحة. وقد كتب مهدي نقدا مطولا لتلك المقابلة دار مدار الماركسية، كونيتها وتميّزها؛ طبيعة الرأسمالية في لبنان وأنماط وعلاقات الإنتاج قبل الرأسمالية، موقعها وفاعليتها؛ التبعية الكولونيالية بين خارج وداخل؛ المسألة الطائفية وعلاقة الطوائف بالدين والاقتصاد والدولة والتكوّن الطبقي؛ دور “الاقطاع السياسي” بما هو الفريق الحاكم باسم البرجوازية؛، الطغمة المالية والرأسمالية المصرفية-التجارية؛ الخ. (انظر «النظرية في الممارسة السياسية. بحث في أسباب الحرب الاهلية في لبنان»، ١٩٧٩، ص ٢١٩-٢٤٣.) يجب ان اضيف ان مهدي، من قبيل الحرص على “التحالف” بين الحزب والمنظمة، كان يرسل لي صفحات من مخطوطاته التي يتعرّض لي فيها للنقد قبل ان يدفعها للنشر. لم اردّ على نقد مهدي لاسباب تتعلّق بظروف الحرب اكثر منها أي شيء آخر. لكني مازحته ذات مرة عن تهمة “البرجوازية القومية” التي كان يكيلها لي، وللعديدين غيري”
– رفيق مهدي، عندما نتسلّم السلطة عليك ان تعدمني!
– ؟
– هكذا فعلوا بامثالي من البرجوازيين القوميين، بوخارين وجماعته.
ـ فكان الردّ وصلة من القهقهة.
كنت في باريس اتابع دراستي عندما اغتيل مهدي في بيروت. مع ان الجهة القاتلة معروفة، ظللنا نتهّم “القوى الظلامية”، والغصّة في الحلق. شاركت الصديق المستعرب الشيوعي جاك كولان في تنظيم ندوة تكريمية عن فكر مهدي عامل بالفرنسية ما لبثت ان صدرت في كرّاس عن جامعة باريس السابعة، العام ١٩٨٩، وكانت مساهمتي فيها عن المسألة الطائفية.
ولم اعد الى اعمال مهدي الا في السنوات القليلة الماضية عندما بدأت العمل على اليسار الجديد في لبنان (لبنان الاشتراكي ومنظمة العمل الشيوعي) وجددت العمل على التركيب الطبقي والمسألة الطائفية. فيما يلي مجموعة ملاحظات نقدية تتناول عددا من المسائل التي اثارها مهدي وليس كلها.اسمّي هذه المساهمة “استئناف حوار مع مهدي عامل” رغم ما تنطوي عليه من مفارقة. مهدي غائب والحوار مع فكره، من جهة ونحن، من جهة أخرى، على مبعدة اكثر من ثلاثة عقود ونصف منذ ان تجرأت اليد الهمجية على اسكات صوت مهدي. لكن المواضيع التي اثارها مهدي لا زال بعضها راهن او اعيد الاعتبار له والآخر قيد التساؤل عن فاعليته في زمن متغيّر. وهي خير محفّز على التفكير والتأمل والمراجعة والنقاش.
ملاحظات منهجية
١-يشتغل مهدي في كتابات على ثلاثة مناهج: السببية البنيوية، التناقض، والتاريخ. لكنه في النهاية يُخضِع الاثنين الاخيرين للمنهج الأول. وقد حاول التوفيق بين مفهومي البنية والتناقض فوقع في مطبّات عدة غالبا ما يقع فيها البنيويون الماركسيون. غلبت عليه البنيوية واورثته قدرا من الجمود والقطعية. على انه ما لبث ان انتقد بنيوية التوسّر في كتاباته الأخيرة وكتب عن تمرحل التاريخ، وقد قطع الاغتيال هذه المراجعة النقدية فلا يمكننا ان نتنبأ بما كانت ستسفر عنه.
٢-يعالج مهدي على طريقته الخاصة الاشكال الناجم عن تعريف المادية التاريخية على انها تقول بـ “التحتيم الاقتصادي في نهاية المطاف”، بأن يميل الى ما يمكن تسميته “التحتيم السياسي في نهاية المطاف”، يولي فيه الاولوية للصراع الطبقي والممارسة السياسية للبروليتاريا، مع ان مهدي ذاته مارس الصراع الطبقي في الحقل الفلسفي والثقافي والايديولوجي أكثر منه في أي حقل آخر.
الممارسة النظرية والممارسة السياسية
يقدّم مهدي عامل نفسه بما هو فيلسوف يعرّف فلسفته على انها “ممارسة الصراع الطبقي في حقل النظرية”. لكن الترجمة العملية لذلك الصراع هي نقد مفاهيم لمفاهيم واستيلاد مفاهيم من مفاهيم او إعادة انتاج مفاهيم. يشكل مفهوم “الممارسة النظرية” حجر الزاوية في منظومته الفكرية لكن مهدي يذهب به مذاهب تشطّ حتى عن دلالات واستخدامات المفهوم الأصلي عند التوسّير. يعرّف موضوع ممارسته النظرية على انه “ممارسة الحزب الشيوعي بالذات، التي هي الممارسة السياسية للبروليتاريا.” (النظرية في الممارسة السياسية ١٩٧٩، ص ٢٦) والاختزالية هنا مثلثة الأضلع: يختزل الصراع الطبقي بالصراع السياسي؛ ويختزل الصراع الطبقي بالصراع الطبقي البروليتاري؛ ويختزل الطبقة العاملة (اللبنانية) بالحزب الشيوعي اللبناني.
ومن الشطط في استخدام مفهوم “الممارسة النظرية” ان المجهود النظري يدور فيه في دائرة مفرغة، إذ يقول مهدي: “ان الممارسة النظرية البروليتارية، هي ممارسة انتاج نظرية الممارسة السياسية البروليتارية، وان انتاج هذه النظرية هو، في الواقع الفعلي، إعادة انتاج النظرية الماركسية-اللينينية» (النظرية في الممارسة، ص٢٨)
فما الحاجة الى النظرية أصلا طالما ان الممارسة متطابقة مع النظرية – بل ان النظرية كامنة في الممارسة – والنظرية متطابقة مع الممارسة؟ وهذا هو السؤال الذي يطرحه فيصل دراج على مهدي عامل: “إذا كانت الممارسة هي النظرية فما ضرورة انتاج النظرية؟” ويخلص دراج الى ان هذا التقديس للممارسة السياسية، قد “جعلها مستوى عاليا متعاليا لا يحق للنظرية العلمية ان تمسّه” (فيصل دراج، “الاوهام النظرية في الاوهام السياسية”، السفير، ٩/٣/١٩٨٠) ولا يكذّب مهدي خبرا من حيث تسامي الممارسة على النظرية. وهذا التسامي هو عنوان مقابلة له في مجلة «الحرية» “المهمة الأساسية للنظرية الآن ان ترقى الى مستوى الممارسة!” (٢٩ آب ١٩٧٧)
ويمكن الاسترسال في الأسئلة الضرورية: الا تنطوي “إعادة إنتاج النظرية الماركسية-اللينينية” على اية زيادة، او زيادات، تغنيها وتزيد “رأس المال المعرفي” التي قد تحتاجه الممارسة السياسية؟ وعملية الإنتاج هذه، الا تسهم بشيء في تطوير أدوات الإنتاج النظرية ذاتها؟ والادهى ان هذا التطابق المجرد بين النظرية والممارسة، يغيّب التفاوت بينهما: يطيح بدور النظرية في الاستكشاف والاستباق؛ ودورها بما هي دليل عمل طالما انها – عند مهدي – تنظرّ لممارسة سابقة على الفعل النظري، ما يحوّل التنظير الى تبرير لاحق لممارسات لم يكن للنظرية دور في انتاجها. هو ما سوف نلقى امثلة عديدة عنه في محاولات مهدي تبرير هذا الممارسة او تلك للحزب الشيوعي اللبناني او اليسار والحركة الوطنية خلال الحرب الاهلية في لبنان (١٩٧٥-١٩٩٠).
ثم ان هذا العلاقة الدائرية بين النظرية والممارسة ليست تترك مجالا للخطأ في الممارسة فتغيب الممارسة بما هي حقل اختبار للنظرية، وتغيّب معها تعلّم النظرية من الممارسة – و”التعلّم من الممارسة” هو من اساسيات النظرية الماركسية. فمن “ممارسة” الجماهير الشعبية في “عامية باريس” عام ١٨٧١، مثلا، “تعلّم” ماركس دكتاتورية البروليتاريا؛ ومن مجالس السوفييت التي انشأتها المبادرات الشعبية في ثورتي ١٩٠٥ وشباط ١٩١٧ في روسيا، “تعلّم” لينين ازدواجية السلطة والديمقراطية المباشرة واكتشف الجديد الذي يستوجب طرح مسألة السلطة ١٩١٧! الخ
دور المثقف
لمهدي مفهومه المميّز عن المثقف الثوري ودوره. حرصا منه على حصانة المفكر الثوري من تغلغل آثار الإيديولوجية البرجوازية، يعيّن للمفكّر الثوري خوض صراع سوف ينقله الى الموقع البروليتاري. وهذا الصراع اشبه بـ”عملية جراحية” يتم خلالها “تغيير الجلد الطبقي” للمثقف الثوري وزرع جلد بروليتاري يؤمن له حسّا بروليتاريا ليس عنده بالغريزة. ذلك ان “الغريزة الطبقية الواعية” عند البروليتاري اصدق وأسلم من فكر المفكر الثوري الذي يتوهم انه وحده يملك الفكر الثوري. والحزب هو الاداة التي بها يبلغ المثقف وعي “الغريزة الطبقية البروليتارية الواعية”.
هذا الرأي عميق الدلالة على مناقبية مهدي وشغفه واخلاصه الصوفي لقضيته وسعيه للاتحاد بحاضنة الخلاص المنشود- البروليتاريا وحاضنتها وقوتها الضاربة – الحزب الشيوعي. وهذا ما يستدعي كل الاحترام والإكبار خصوصا ان مهدي عامل قدم التضحية الأكبر في هذا الصراع عندما دفع حياته ثمنا لفكره واخلاصه لقضيته وحزبه.
مهما يكن، ثمة قدر من المازوشية في هذه العملية الجراحية قدر ما فيها من تمجيد للعفوية وقد لبست لبوس الغريزة. وهذا ما يتناقِض مع ما نعرفه عن دور ووظيفة المثقفين وخصوصا المثقفين الذين ارتبط فكرهم وسلوكهم ومصيرهم بحركات الطبقات العاملة او حركات التحرر الوطني والاجتماعي في بلدان مختلفة اكانوا منتجين في الحقل الفكري ام لا. تدخلت في ذلك الالتزام عوامل عديدة اولها: جاذبية دور تلك الاحزاب في المعارك الوطنية ضد النازية والفاشية في اوروبا، او ضد الاحتلال او الاستعمار في القارات الثلاث. وقد ينتسب المثقف الى الماركسية من خلال صراعه، في الحقل الفكري والثقافي ضد الأفكار التقليدية السائدة في مجتمعه، اكان لكونها فلسفة شاملة تمنح المثقف “كرامة فكرية”، حسب تعبير غرامشي، او توفر له عتادا نظريا لتفسير الحياة في مجابهة مع الأفكار القديمة المسيطرة.
ثم ان كل طبقة تنتج مثقفيها او تكسبهم الى صفوفها من طبقات اخرى. انتجت الطبقة العاملة مثقفين ثوريين من صفوفها أمثال أنطونيو غرامشي، الذي بدأ العمل في سن ال١٢؛ وعامل الحديد والنقابي الكسندر شليابنيكوف، اول وزير عمل بعد ثورة أكتوبر الروسية وقائد المعارضة العمالية فيها؛ او عامل المنجم موريس توريز، الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي ١٩٣٠-١٩٤٧ وغيرهم. واستقبلت حركة الطبقة العاملة مثقفين وفدوا اليها من خارج صفوفها بدءًا بالجامعي وابن المحامي كارل ماركس والصناعي فريدريك أنغلز وفلاديمير ايليتس لينين، ابن المحامي/المدرّس والمفتّش التربوي، وتكرّ المسبحة لتصل الى سليل اسرة ارستقراطية مثل انريكو برلينغوير او ابن صاحب مصرف مثل هنري كورييل في مصر. وقد أسهم هؤلاء في بلورة وعي الطبقة العاملة لذاتها وعملوا على اضفاء التناسق في تعبيرها عن ذاتها، وتحويل وعيها الطبقي الفطري او النقابي الى وعي سياسي، حسب تعبير لينين، او ناضلوا في أواسط الشعب ضد أفكار الطبقات المسيطرة، او اشتغلوا على التناقض الفكري لدى العامل بين فكره وعمله (العمل يغيّر العالم/الفكر يحافظ على الامر الواقع) كما عند غرامشي، لكي يتساوق وعيه مع عمله التغييري، الخ.
تبدو الآية معكوسة عند مهدي. يمجّد العامل، حامل “الغريزة الطبقية الواعية”، (غريزة وواعية؟؟!!) ويدعو المثقف الى ان يتماهى مع تلك الغريزة. ها نحن في حومة تقديس الممارسة مجددا! ما يثير السؤال حول جدوى وجود مثقفين في حركة الطبقة العاملة أصلا. لكن البروليتاري هنا كائن ذهني جوهري وكوني. والاغرب ان مهدي – الشغوف بأنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج – ليس يقارب المثقف الشيوعي او الثوري بما هو منتِجٌ فكري ولا يقيّمه بناء على علاقته بوسائل الإنتاج الفكرية التي بين يديه ومدى النجاح او الفشل في استخدامه لها وكيفية ذاك الاستخدام وما إذا كان يغني ويراكم ام يفقر ويبدد، الخ.
ولهذه النظرة الى المثقف وجهها الآخر هو الطابع الاستئثاري والنخبوي الذي يضفيه مهدي في قوله إن المثقف يكون ثوريا او لا يكون. يكون ثوريا او لا شيء.
النقض والقطع
يمارس مهدي النقد بما هو أقرب الى “القطع”، واسمه الاثير “النقض”. وفي معظم الحالات، تلقى ان المنقوض هو نقيض الناقض الذي لا يشبهه بشيء في صراع هو اشبه بصراع بين هويات عقيدية متعادية بل متنابذة. في كثير من الأحوال، لا سعيا لديه لاستيعاب المنتقَد وتجاوزه، لا تمييز بين ما يمكن الاتفاق مع الخصم وما يستوجب الاختلاف؛ لا نقد من داخل، لا اشتباك في علاقة اخذ ورد، الخ. كثيرا ما يكون النقض اعلانا عن عدم التماثل او التماهي. وليس يخلو الامر من التعيير بتهمة او نقيصة او انحراف والتهمة الاثيرة عنده هي “البرجوازية القومية” المار ذكرها والتي سنلقاها في غير موقع عنده.
وبالاتجاه ذاته، قد يجري النقض مجرى تبيان نواقص افكار المنقوض بالقياس الى أفكار الناقض. والأمثلة وفيرة عن ذلك في «ازمة الحضارة العربية ام ازمة البرجوازيات العربية؟» (١٩٧٤) في نقض مهدي لميشال شيحا، مثلا، يكاد معظم “النقض” يكون اعلانًا عن نقائص شيحا قياسا الى نقائض مهدي: شيحا ليس ماديا ولا ماركسيا؛ شيحا ينكر مقولتي أنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج (القضية الفلسطينية، ص٤٧)؛ شيحا يغفل دور النظرية في انتاج المعرفة (ص٤٨)؛ شيحا يرفض الطابع الكوني للنظرية الماركسية؛ شيحا ينكر الصراع الطبقي (ص٤٩) كلمة “رأسمالية” غائبة من قاموس شيحا؛ شيحا يريد سحب لبنان من دائرة التحليل الطبقي (ص٥١) شيحا لا ينتمي الى العقل المادي ويغيّب التفسير العلمي للأمور (ص٥٥) الى ان يذكّر مهدي المصرفي والمفكر الاقتصادي والصحافي ومهندس نظام الاقتصاد الحرّ بأهمية… الاقتصاد! ويكمل بأن يتهم بطريرك “الانعزالية” اللبنانية، وداعية ارتباط لبنان بالأحلاف الغربية المعادية للشيوعية وحركة التحرر العربية، بإنكار ارتباط لبنان عضويا وتاريخيا بالعالم العربي وبحركة التحرر العربية المناهضة للكولونيالية (ص٦١) ويكمل مهدي على ميشال شيحا انه لا يستخدم مصطلح “القضية الفلسطينية” بسبب الخوف البرجوازي مما سوف تستثيره القضية من نهوض عام في حركة التحرر الوطني العربية للشعوب العربية ضد الامبريالية. ويكان ان يكون هذا التعريف هو تعريف مهدي الأساسي للقضية الفلسطينية (١٨١)
وما دمنا في معرض كتاب مهدي عامل عن القضية الفلسطينية «القضية الفلسطينية في ايديولوجية البورجوازية اللبنانية – مدخل الى نقض الفكر «الطائفي»، ١٩٨٠» فهي مناسبة لهذه الملاحظات.
-لا أثر في الكتاب لمفهوم مهدي المركزي، نمط الإنتاج الكولونيالي ولمدى انطباقه او عدم انطباقه على الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين. وهو عيّنة مميّزة عن المسألة القومية في الكولونيالية لا يمكن الاكتفاء في تفسيرها والتأريخ لها بالتناقض البنيوي ولا بانماط الإنتاج او الصراع الطبقي.
-ينفي مهدي امكان وجود تناقض بين الانظمة العربية ودولة إسرائيل. علما ان شيحا ليس يخفي العوامل التي تدعوه لمعارضة الصهيونية. تبدأ من استيراده فكرة “المؤامرة البلشفية اليهودية” للسيطرة على العالم من خلال سيطرة اليهود “على المال والثورة معًا”، وهي ابنة نزعة العداء لليهود (اللاسامية) لدى الارستقراطية والبرجوازية الغربيتين. وعلى صعيد محلّي اكثر، يعيّن شيحا خطر المشروع الصهيوني، ولاحقا دولة إسرائيل، بما هو مشروع ذو قدرات مالية وصناعية وعلاقات اقتصادية دولية تهدد بتدمير اقتصاد لبناني قائم على التجارة والمال والخدمات.
وانكار وجود تناقض بين الانظمة العربية ودولة إسرائيل مستغرب لدى مهدي الذي لا يميّز هنا بين التناقضات وتراتبها، خصوصا انه من ألّف في التناقض، واستلهم فيه فكر ماوتسي تونغ. بل يصل بمهدي الامر الى الانسياق مع الادغام القومي السائد الذي يضع كل الدول والأنظمة العربية، على تناقضها واختلافها، تحت عنوان “النظام العربي الواحد”. والأنظمة الصادرة عن حركة التحرر الوطني العربية، الناصرية والبعث، الا تناقض بينها وبين الصهيونية وإسرائيل؟ هذا التغاضي ليس غريبا عمن يعطي الاولوية للصراع الطبقي داخل حركة التحرر الوطني العربية!
-المنظور الجزئي الى قضية فلسطين، حيث يركّز مهدي على ان النضال ضد إسرائيل “يسهم في تجذير حركة التحرر الوذني العربية.” فتراه يأخذ على شيحا انه لا يستخدم مصطلح “القضية الفلسطينية” بسبب الخوف البرجوازي مما سوف تستثيره من نهوض عام في حركة التحرر الوطني للشعوب العربية ضد الامبريالية (القضية الفلسطينية، ١٨١)!
-المسألة القومية مختزلة عند مهدي عامل بالقضية الفلسطينية، مع انه يحجم عن استخدام مصطلح “قومية” لاعتباره القومية، او الفكر القومي، خاصة من خواص الفكر البرجوازي، او لعدم تمييزه بين االانتماء القومي والمسألة القومية والايديولوجية. لكن اللافت اغفاله مسألة الوحدة العربية مع انها أحد ابرز مسائل واهداف حركة التحرر الوطني العربية.
