Back to Publications
Publications Book Reviews

Edward Said on "Late Style" - Impudence as Intellectual Method

"Intellectual impudence" is the method in Edward Said's "On Late Style," where creators reject conformity, embrace contradiction, and remain "out of place" and against the current until the very end.

ادوارد سعيد في «الاسلوب المتأخر» – الوقاحة بما هي منهج فكري

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

ادوارد سعيد في «الاسلوب المتأخر»
الوقاحة بما هي منهج فكري

فواز طرابلسي

ان جميع الكتاب والروائيين والشعراء والمخرجين السينمائيين والمؤلفين الموسيقيين والعازفين المشهورين الذين إختار سعيد الكتابة عنهم قد اختيروا لأنهم مثله: «خارج المكان» بل خارج السرب وضد التيار.

خلفية الاسلوب المتأخر عند مبدعين متفاوتين امثال آماديوس موتزات من جهة والروائي الايطالي لامپيدوزا والمخرج السينمائي فيسكونتي، من جهة اخرى، فهي انهيار الانظمة القديمة في اوروبا تحت ضربات الثورات الشعبية.

في كتاب «الاسلوب المتأخر» غير المكتمل والصادر بعد الوفاة (٢٠٠٦) يختتم ادوارد سعيد المرحلة الاخيرة من انتاجه الفكري وتطوره الثقافي. اختار ان يتكلّم عن مؤلفين وعازفين ومؤلفين موسيقيين على صورته ومثاله اذا جاز التعبير. لتوضيح ما اعنيه، اود الاستشهاد بهذا النص لغاستون باشلار:

«يجب ان يعاد للعقل البشري وظيفة العدوانية المقلِقة… فاذا لم يخاطر المرء برجاحة عقله في اي تجربة يخوضها، فإن هذه التجربة لا تستحق ان تخاض. ثم ان المخاطرة بالعقل يجب ان تكون مطلقة. وان خصيصتها المميزة هي ان تكون مطلقة. كل شيء او لا شيء. […] كل اكتشاف جديد يقود الى منظومة [فكرية] جديدة، ويتوجب عليه ان يدمّر منظومة سابقة.

بعبارة أخرى، الوقاحة هي هي المنهج في ميدان الفكر. […] يجب ان نمضي باسرع ما يمكن في اقاليم الوقاحة الفكرية.» (باشلار، ١٩٣٦: ١٨٦-١٨٧)

في التأخر

لست ادري ما اذا كان ادوارد سعيد قد قرأ نص باشلار. ولكن النص يقول الكثير عن سعيد وعن أسلوبه. ذلك ان ادوارد سعيد في اسلوبه المتأخر يجري تحديدا باسرع ما يستطيع في أقاليم الوقاحة الفكرية. بل يجوز القول إن ادوارد سعيد مارس مثل هذا الوقاحة الفكرية طوال حياته.

إدوارد سعيد ناقد أدبي في المقام الاول. وفي اعماله الاولى، اعتمد منهجا نقديا يقرأ التغيّر الاجتماعي وعلاقات القوة (بما فيها الكولونيالية) في الاعمال الادبية. لم يقتصر الامر على الروايات، طاول الشِعر، كما في كتاباته عن وليام بَطلر ييتس الارلندي وعن محمود درويش (راجع نصّه عن درويش في مكان آخر من هذا العدد). الا ان سعيد في «في الاسلوب المتأخر» يبدو انه يعكس الآية. انه يقرأ النصوص الادبية بأن يضعها في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية.

ولكن اين الوقاحة الفكرية هنا؟

انها في طريقة النظر الى النضج والتأخر والهرم. التأخر هنا يعني ان لا النضج نضج ولا الهرم هرم. فالتأخر «ليس تناغما وحلاً، انه عناد وصعوبة وتناقض بلا حلّ» (سعيد، ٢٠٠٦: ٧) والكلمة المفتاح هنا هي التناقض. ونص سعيد الاخير نص مخرِّب. يسير عكس التيار. ذلك ان «التأخر هو فكرة البقاء على قيد الحياة فيما يتعدّى المقبول» (سعيد، ٢٠٠٦: ١٣). ويعود سعيد الى ثيودور آدورنو ليتبنى تعريفا للتأخر على انها حالة ضاجة بالاحتمالات: «ان التأخر يعني ان تنهي [حياتك او انتاجك ] دون أمل واهِمٍٍ او إستسلام مصطنَع» (سعيد، ٢٠٠٦: ٢٤). والاهم من ذلك، ان التأخر دافع عظيم للابداع، لجمالية لا تضاهى. يكتب سعيد عن ريتشارد شترواس في آخر اعماله فيقرل «ان تعب الشيخوخة في حضرة الموت الداهم والمشتهى ليس حزنا. انه اعمق بكثير من الحزن. ان الامتياز العظيم الذي يتمتع به الفن هو انه يثير مشاعر لا إسم لها تمزقّنا إربا.» (سعيد، ٢٠٠٦: ٤٤)

كان يمكن لادوارد سعيد ان يعنون كتابة «نهايات» (راجع مقالة صبحي حديدي) لأنه يختتم حياة فكرية ثقافية نقدية إفتتحها بكتاب بعنوان «بدايات». ولعل السبب في عدم اعتماده هذا العنوان هو ان التأخر ليس يعادل النهاية. «الاسلوب المتأخر» لا يُختَتم، ولا هو يَختتِم. هو آنٌ مستمرٌ ضاجٌ بالتناقض والاحتمال. حقيقة الامر ان جميع الكتاب والروائيين والشعراء والمخرجين السينمائيين والمؤلفين الموسيقيين والعازفين المشهورين الذين إختار سعيد الكتابة عنهم قد اختيروا لأنهم مثله: «خارج المكان» بل خارج السرب وضد التيار. انهم يختتمون حيواتهم وهم «ضد زمانهم». يعيشون المرحلة المتأخرة من حياتهم وقد إزدادوا عناداً وشغباً وتمرّداً وتخريباً بدل من ان يكون دنو الأجل عندهم باعثا على النضج والاعتدال او على مهادنة الامر الواقع او الاستسلام له.

التأخر والزمن

مع ان «الاسلوب المتأخر» يتعلّق بالزمن، الا انه يتحاشى بل يرفض «النزعة العواطفية والنوسطالجيا » (سعيد، ٢٠٠٦: ١٠٧). بيان ذلك في الموسيقى عبقرية بيتهوفن وقد إنعزل في عزلة مكانية وصوتية مطلقة وخرج من زمانه في آخر أعماله. اما خلفية الاسلوب المتأخر عند مبدعين متفاوتين امثال آماديوس موتزات من جهة والروائي الايطالي لامپيدوزا والمخرج السينمائي فيسكونتي، من جهة اخرى، فهي انهيار الانظمة القديمة في اوروبا تحت ضربات الثورات الشعبية، القومية منها والاجتماعية. و«الفهد» رواية لامپيدوزا (١٩٥٨) التي حوّلها المخرج الشيوعي الايطالي الكبير، ذي الاصل الارستقراطي، الى احد روائع افلام السينما الايطالية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (١٩٦٣) تصوّر تصويرا ملحميا التفكك الاجتماعي لايطاليا في القرن التاسع عشر. لا حنين للماضي هنا. يضيء سعيد ثالوث النهضة القومية وفشل الثورات الاجتماعية وحالة الفلاحين في ايطاليا القرن التاسع عشر، إذ يستعين بكتابات المفكر الشيوعي الايطالي أنطونيو غرامشي عن المسألة الجنوبية. فيبدو الجنوب الايطالي لغرامشي على شكل جُموع عريضة من الفلاحين البؤساء والمضطهدين تفترسهم طبقة طفيلية من الوسطاء (قساوسة، معلّمين، جباة ضرائب ) تعمل في خدمة قبضة صغيرة من كبار ملاك الاراضي (سعيد، ٢٠٠٦: ١٠١) وتنتهي الرواية، كما الفيلم، على وفاة بطلها، أمير سالينا، على خلفية التزاوج بين الارستقراطية الايطالية والبرجوازية الصاعدة، معبّراً عنه بعقد قران ابن اخ الامير، تانكريدي، المغامر الوسيم والانتهازي، على آنجيليكا، ابنة التاجر الثري الحديث النعمة، على امل بقاء الارستقراطية الايطالية على قيد الحياة ولو الى حين. (سعيد، ٢٠٠٦: ١١٢)

أقصوصة «موت في البندقية» للالماني طوماس مان، تحوّلت الى اوبرا (١٩٧٣) للموسيقي البريطاني ادوارد بريتن. وهي نتاج «الاسلوب المتأخر» لبريتن، بل هي آخر اعماله (وفاته ١٩٧٦) تروي الاوبرا قصة وفاة البطل، الفنان الالماني المستوحد ڤان آشنباخ، دون ان يستطيع التواصل مع، او الوصول الى، الفتى البولندي الذي إفتتن به. المكان فندق في البندقية، المدينة الايطالية المشتهاة، متعددة الهويات، التي يضربها وباء آسيوي غامض ترفض الاعتراف بوجوده.

المعرفة بما هي عملية بناء

من الاوبرا الى العزف، مع عازف البيانو الاميركي اللامع غلين غولد، «العازف المثقف»، على حد تعبير سعيد، الذي يشكل عزفه النقيض من العزف الموسيقي الاستهلاكي، ليس يؤدي القطعة الموسيقية تأدية، يحلل النص الموسيقي تحليلا. ويذكّر أسلوب غلين غولد المعاصر سعيد بالفيلسوف والمؤرخ الايطالي جيانباتيستا فيكو (وفاته ١٧٤٤) في مفهومه عن «الابتكار». والابتكار هنا هو «العثور على تِيمة وتطويرها على نحو طِباقي بحيث يمكن إحياء كل ما تنطوي عليه من إمكانات ضامرة والتعبير عنها وتطويرها». وابرز اسهام لفيكو في حقل المعرفة هو انه ناقد لديكارت ومعادلته عن التفكير والوجود. يطرح فيكو في «العِلم الجديد» (١٧٢٥ ) الفكرة القائلة إن إثبات حقيقة ما لا بد ان يتم بواسطة الابداع والابتكار لا من خلال مجرد المعاينة. الحقيقي هو ما يُصنَع تصنيعا. هكذا تنفتح العملية المعرفية على الاحتمال والظرفي والاكتشافي. اي على البناء المعرفي، اي «القدرة على النظر الى التاريخ البشري على انه من صنع القدرة المتفتحة لعقل الانسان العامل.» (سعيد، ٢٠٠٦: ١٢٨). إكتشف ادوارد سعيد فيكو باكرا في مرحلة «بدايات». لكنه يعود اليه في مرحلته المتأخرة هذه، بما هو ملهِم نزعته الانسانية العقلانية الديمقراطية التي توّج بها حياته الفكرية.

ويسهل العبور من الابتكار الى الانتهاك والتدمير. والطاقة المعنية هنا هي الجنس «يعيث خراباً » في الدنيا مع إقتحام ديونيسيوس، الإله الآسيوي، لمدينة طيبة الاغريقية في مسرحية يوريپيديس «الكاهنات العربيدات ». والمسرحي الاغريقي لا همّ له غير تدمير الاساطير. يؤنسن الآلهة لمزيد من القدرة على تدميرهم (سعيد، ٢٠٠٦: ١٣٨-١٤٠).

قسطنطين كاڤافي، هو شاعر المدن بامتياز، وإن تكن مدينته الاسكندرية مقتلعة من بيئتها المصرية الى عالم هيلينستيّ إغريقي. لدى الشاعر المخضرم بين القرنين التاسع عشر والعشرين، يكتشف سعيد ميزة اخرى من ميزات الاسلوب المتأخر، انها «قوة التعبير عن الخيبة والمتعة دون سعي لحل التناقضات بينهما» (سعيد، ٢٠٠٦: ١٤٨). على ان للتأخر عند كاڤافي معنى مختلفآ عن سائر «المتأخرين» وإن يكن ينطوي على انقلابات مدهشة في الاساطير هنا ايضا. يعيد الشاعر قراءة ملحمة «الاوذيسة» فيقلبها رآسا على عقب بحيث لا تعود رحلة العودة لأوذيسيوس الى زوجته بينلوپي في إيثاكا هي الهدف بقدر ما العودة هي الدافع الى الرحلة اصلا. «مَحَتكَ إيثاكا رحلة رائعة/ لولاها لما إعتزمت الرحيل/لم يعد لها ان تقدّم لك شيئا الآن». هكذا، على عكس التفسير والاستخدامات والاستلهامات المغزولة حول رمزية ايثاكا، تخسر إيثاكا صفة الهدف او التطلع، تصير حقيقة متحققة اي مجردة من اي وعد. فالغد، عند كاڤافي، لا يأتي، وإن أتى فعلى شكل عودة الى ما قد حصل. على ان ذروة هذا الانقلاب تقع في رائعة كاڤافي الشهيرة «في انتظار البرابرة» حيث انتظار كارثة وشيكة يتبدد عند اكتشاف «انه لم يعد هناك برابرة». فيقود الاكتشاف الى عبارة أسى فاجعة «كانوا، هؤلاء القوم، نوعاً من حلّ».

تجاوز الهويات

لم يعد يوجد ثنائيات، لم يبقَ غير تناقضات لا تجد سبيلا للحل. وغياب الحل قد يعني القلق والاضطراب، لكنه قد يوحي ايضا، وخصوصا، بوفرة الامكانات والاحتمالات، او حتى تعدد الحلول المتضاربة، لا انسداد الابواب.

في كتابه «في الاسلوب المتأخر»، انتقل ادوارد سعيد على نحو حاسم من ثنائيات «المكان» (شرق/غرب؛ معرفة/سلطة في «الاستشراق» وشمال/جنوب، في «الثقافة والامبريالية») الى «الزمن» ومفاعيله. واضح ان النقلة تمت بمساعدة عدد جديد من المفكرين والفلاسفة امّنوا له الانتقال من سارتر الى فوكو، ومن فوكو الى فيكو، ومن هذا الاخير الى غرامشي ورايموند وليامز ولوكاش وغيرهم.

في «الاسلوب المتأخر»، يستكمل سعيد تصفية حساباته مع الهويات والاشكاليات الانتمائية والثقافوية. في تعليقه على كتابات جان جُنيه، الذي يصفه بأنه «مذيب الهويات » (سعيد: ٢٠٠٦، ص ٨٢)

هنا نلقى تعريفا للهويات وموقفا منها يختلف جذريا عنه في «الاستشراق»: «الهوية هي ما نفرضه على أنفسنا خلال حيواتنا بما نحن كائنات اجتماعية وتاريخية وسياسية بل وروحانية. ان منطق الثقافة ومنطق العائلات يضاعف من قوة الهوية … ان الهوية هي العملية التي بواسطتها تفرض الثقافةُ الاقوى، والمجتمع الاكثر تطورا، نفسيهما بالعنف على الذين، يجري استصدار الامر باعتبارهم شعباً دونياً، وفق العملية الانتمائية ذاتها. إن الامبريالية إن هي إلا عملية تصدير الهويات.» (سعيد، ٢٠٠٦: ٨٥).

هذا الاستشهاد مقتطف من الفصل عن الكاتب والمسرحي والصعلوك الفرنسي جان جنيه. الهويات مفروضة. ولعل جنيه خير مثال على الهريات المفروضة وهو ضحية هوية فرضت عليه، وعلقت به، بسبب لصوصيته وعزلته ومثليته. والسبب في إقحام الامبريالية في مسألة الهويات ليس يقتصر على كون ادوارد سعيد يتناول كتابات جنبه عن الثورتين الجزائرية والفلسطينية. اراد سعيد من خلال ان يعلن، مع جنيه ومن خلال، القطيعة مع إشكاليات الهوية والانتماء عموما. ومع ان الامر في الثورتين الاخيرتين يتعلّق بالدرجة الاولى بفرض الهوية، او ربما لأنه كذلك، فإن جنيه، مثله مثل كاڤافي وسائر المخرّبين في «اساليبهم المتأخرة»، يقلب الامور رأساً على عقب: يكتب عن ثورات التحرر الوطني ويتصورها ويعيشها، بالضد من منطق الهويات وبالضد من النزعات الانتمائية. الفدائي «سعيد» هو اسم بطل مسرحيته عن الثورة الجزائرية بعنوان «الاسترة». وعقدة المسرحية هي عندما يقدم «سعيد» على الوشاية برفاقه الفدائيين عن قصد، بفعل إرادي ودون إكراه. لماذا؟ لكي ينقض فكرة الهوية وينسفها من الاساس؟ ام ليثبت ان الخيانة هي ارقى تعبير عن الحب؟

من يدري؟

يصف ادوار سعيد جان جنبيه بأنه «مُذِيب للهويات».

ويصف جان جنيه الثورات بقوله: «إن محاولة التفكير في الثورة أشبه بأن تستيقظ وتحاول العثور على المنطق في حلم حلمته» (سعيد، ٢٠٠٦: ٨٨).

Themes
Art & Literature History
Countries
International Palestine
Published In
Bidayat
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
Edward Said Intellectual History Art & Literature Art & Visual Culture Music Political Theory Cultural Criticism Personal Tribute Left Politics Film

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.