Back to Publications
Publications Articles

Collapse on the Reconciliation Exchange

The amnesty pardons the killers of 87,000 civilians but punishes a handful of political assassins—in tribal reconciliations, sheep are slaughtered: who are the sheep here?

إنهيار في بورصة المصالحات

Text Size



Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.

إنهيار في بورصة المصالحات

فواّز طرابلسي

فيما تتصاعد وتيرة المساعي المبذولة لاستكمال المصالحات تمهيدا لانعقاد طاولة الحوار الوطني- هذا، إذا انعقدت- تشهد بورصة الاخطاء والاعترافات والاعتذارات والمراجعات والمصالحات حالة من التقلبات الشديدة على الرغم من محاولات ضخ الاقوال والوساطات فيها.

لنلاحظ بداية مبلغ التطوّر الذي ينعم به البلد بعدما جاء «اتفاق الدوحة» ليكمل «اتفاق الطائف». والمفترض ان هذاالاخير احلّ صيغة «العيش المشترك» محلّ صيغة «التعايش» التي لم تعد تكفي للتعبير عن نهم اللبنانيين للالتحام بعضهم مع بعض. لم تنحث «الدوحة» مصطلحا ابلغ تعبيرا عن نهم التلاحم هذا. الا انه لا بد من ملاحظة التطور الكبير الذي احدثته في مجال المصالحات. تم الانتقال من المصالحة المسيحية-الاسلامية بين طائفتين الى المصالحات بالجمع ليس فقط بين المذاهب المتختلفة في الطائفة الواحدة بل بين القوى المتناحرة داخل كل مذهب من المذهب ذاته: مصالحة مارونية-مارونية، مصالحة الدرزية-الدرزية، والمصالحة السنية-الشيعية، والحبل على الجرار.

لا يزال اعتذار سمير جعجع عن الجرائم المنسوبة اليه والى «القوات اللبنانية» خلال حروب ١٩٧٥-١٩٩٠ يتوالى فصولا ويشكل المحك في انعقاد المصالحة المارونية. للتذكير: اعترف قائد «القوات اللبنانية» بجرائم حوكم عليها وصدر عليه حكم بالاعدام ثم خفضت العقوبة الى السجن المؤبد قضى منها احد عشرة سنة قبل ان يأتيه قرار العفو على قاعدة المساواة الطائفية بينه وبين عدد من المسلمين المتهمين بالتحضير لاعمال «ارهابية». خلال محاكمته ادعى الرجل البراءة، وصدّقه لبنانيون عديدون، وليس فقط مؤيدوه، على اعتبار ان المحاكمة «سياسية» عقاباً على معارضته اتفاق الطائف والانتداب السوري. وها هو جعجع الآن يعترف عمليا بمسؤوليته عن اغتيال الزعماء الثلاثة الذي دين باغتيالهم: الرئيس رشيد كرامي والوزير طوني فرنجية واسرته ورئيس حزب الوطنيين الاحرار داني شمعون واسرته. لكن الاعتذار جاء اقرب ما يمكن الى تبرير. طالما ان التجاوزات والارتكابات «الشنيعة والمؤذية»، على حد تعبير صاحبها، كانت من قبيل الأضرار الجانبية التي وقعت خلال إداء جعجع و«قواته» لـ«الواجب الوطني».

ومع ان قائد «القوات اللبنانية» شاء التعميم والشمول في اعتذاره فلم يسمّي من تأذوا خلال ادائه واجبه الوطني، الا انه كان كمَن يخاطب الجارة لتسمع الكنّة. فهم خصومه ان الاعتذار موجه بالدرجة الاولى الى اهل القتلى السياسيين الثلاثة. أعلن الوزير سليمان فرنجية قبوله الاعتذار، لكنه رأى فيه تهرّباً من المصالحة، فتحدى «الحكيم» الى النزال في حلبة المصالحات، حيث يدور الآن السجال بين الخصمين حول صياغة بيان المصالحة. اما الرئيس عمر كرامي فأخذ علما بأن الرجل اعترف بجريمة اغتيال الرئيس كرامي رافضا ان يغفر له.

تشير هذا الاعترافات والاعتذارات مجددا الى المدى الذي ختمت فيه جراح حروب ١٩٧٥ – ١٩٩٠ على زغل ومدى الاستهتار الاجرامي الذي ينطوي عليه قانون للعفو «العام» يعفي من المحاكمة المسؤولين عن ارتكاب مجازر موصوفة أودت بحياة المئات والالوف من اللبنانيين وغير اللبنانيين ويستثني من العفو اغتيال او محاولة اغتيال حفنة من رجال السياسة والدين. بعبارة ادق، ان مقتل لا اقل من ٨٧،٠٠٠ من المدنيين خلال الحروب اللبنانية من النوافل الذي يمكن العفو عنها في مقابل إنزال اشد العقوبات بالمتهمين باغتيال، او محاولة اغتيال، دزينة من ضحايا الجرائم المسماة «جرائم ضد امن الدولة».

لم يعتبر النائب ميشال عون نفسه طرفا في المصالحة المارونية. اعلن انه اتمّ مصالحته مع خصمه جعجع إذ زاره في زنزانته ذات مرة. اما الحروب فلا يبدو انها تعني الجنرال مع انه بطل حربين من حروبها الاشد هولا ودمارا. فهو ليس متهما باي حال من الاحوال بارتكاب جريمة في حق «امن الدولة». كيف يمكن وقد كان هو الدولة: رئيسا للدولة ورئيسا للوزراء وقائدا للقوات المسلحة في آن معا، ما يعفيه، في تجسيده ثالوث الجهاز التنفيذي، من اية مسؤولية بل يضفي الشرعية على حربيه، واحدة ضد ميليشيا غير شرعية وثانية ضد احتلال جيش «اجنبي» للارض اللبنانية. ولكن يبدو ان الحربين جرتا دون التجاوزات والارتكابات «الشنيعة والمؤذية» التي غالبا ما ترافق اداء «الواجبات الوطنية» في لبنان. ففي معرض الرد على منتقديه، انكر الجنرال أنه قصف بيروت الغربية خلال «حرب التحرير»(وعزا الفعل الى «القوات اللبنانية»). ولكن احدا لم يطالبه بتفسير قصفه المناطق الشرقية من بيروت والجبل، فكأنها يجري عليها المثل القائل الاقربون اولى بالمعروف! او تنطبق عليها قاعدة هذا لي وهذاك لك. إذ لا خص لابناء منطقة التدخل في شؤون منطقه ليست هي منطقتهم. واما ان النائب ميشال عون كان في «حرب الالغاء» طرفا في حرب مدّمرة لم تكتفِ بالقصف والقتل بل شقّت المعسكر السياسي المسيحي وأوصلته خاسرا وضعيفا الى ختام الحرب فأمرٌ لا يستدعي لا الاعتراف ولا التفسير وهو طبعا لا يستدعي اي اعتذار او محاسبة ولا علاقة له البتة بما سمّّي طويلا، ولا يزال يسمّى «الاحباط المسيحي».

تحاشى الوزير وليد جنبلاط التورط في معمعان «الواجب الوطني». وهو المعروف عنه الجود في الاعترافات بل أنه مذرار في الاعتذارات. وقد إعتذر غير مرة عن القتل والتهجير الذي لحق بمسيحيي «المناطق المختلطة» خلال «حرب الجبل» التي شنها عام ١٩٨٣.

ولكن لا اعتذار واردا هذه المرة. منذ ايام، إعترف الوزير وليد جنبلاط بدوره في زج لبنان في مشروع أميركي-اوروبي لاسقاط النظام في دمشق، قبل ان يتبيّن له ان «الغرب الديمقراطي» يريد هذا «النظام الدكتاتوري». ولم يتردد رئيس الحزب الاشتراكي عن التراجع عن ذلك الدور قائلا:«لن اتدخّل من الآن فصاعدا في الشأن الداخلي السوري، فليخترْ الشعب السوري صيغة الحكم التي تلائمه».

لنقف ولو لدقيقة مستهولين هذا الاعتراف الخطير. يقرّ رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي انه اسهم، وجماعته في ١٤ آذار، في زج لبنان واللبنانيين في مغامرة غير مسبوقة لاسقاط النظام في سورية انطلاقا من الاراضي اللبنانية وبالتواطوء مع «الغرب الديمقراطي»- وهو الاسم المهذب هنا للادارة الاميركية والفرنسية اقلا- بكل ما ادى اليه ذلك من ردود افعال لا يزال لبنان واللبنانيون يدفعون ثمنها باهظا، ناهيك عما خلّفته من جراح عميقة في العلاقات اللبنانية-السورية. وتتلخص هذه «الهنات الهينات» في إقارار وليد جنبلاط بالتهمة التي يوججها الحكم في دمشق ضده وضد حلف ١٤ آذار. وهي تشكل خرقا لـ«الميثاق الوطني» وضربا عرض الحائط بمعادلة «الممر والمقر». وتشتمل تلك الهنات الهينات الي ذلك على مفارقة ان استقلاليي الرابع عشر من اذار، على علو صخبهم ضد التدخلات السورية في شؤون بلدهم «الداخلية»، كانوا يتدخلون ليس فقط في شؤون البلد الشقيق الداخلية بل يعملون على قلب نظامه، وضد ارادة شعبه. هذا ناهيك عما يشي به إعتراف وليد جنبلاط بأن كان يقرأ لسياسات الاميركية والفرنسية والبريطانية قراءة مغلوطة على مدى ثلاث سنوات وأزود. ولا خداع هنا. والمخدوع هو خادع لنفسه وليس بريئا في كل الاحوال!

غير ان هذا الاعتراف الخطير يترافق مع اصرار الوزير جنبلاط على انه لم يخطيء ولن يراجع ولن يعتذر. والكلام موجه طبعا الى السلطات السورية. يصعب فهم لماذا يضطر وليد جنبلاط الاعتذار من الرئيس الاسد على شتائمه ودعواته لاسقاط النظام السوري، وافعاله وتصرفاته في هذا الاتجاه. بل انه ليس مضطراً عن الاعتذار حتى عن دعوته المستتفظعة تركيا ان تجرف سورية من على الخريطة وذلك- وهي في أوج تقاربها مع دمشق!! هذه كلها صدرت حسب زعمه عن «التوتر السياسي» الذي اعقب الاغتيالات. حقيقة الامر ان وليد جنبلاط يستحق الشكر لا طلب الاعتذار من السلطات السورية. ذلك ان «تدخله» على ذلك النحو في الشوون الداخلية السورية سوّر النظام السوري بعصبية شعبية كان احوج ما يكون عليها في ظروف لعلها الاخطر والاكثر إقلاقا بالنسبة لمصير ذلك النظام. بل ان تدخلات الوزير جنبلاط قد اسهمت في تأخير اختيار الشعب السوري صيغة الحكم التي يريد في مناخ من الحرية.

الذين لم يخطر في بال الوزير جنبلاط ولا في بال اي من المعترفين والمعتذرين والمتصالحين ان يعتذروا منهم هم سائر اللبنانيين. ذلك حقيقة الامر ان وظيفة المصالحة هي تحديدا اعادة ترتيب للنزاع بحيث تلغي الاسباب والمسارات والمسؤوليات. وهي الوسيلة المثالية التي يلجأ اليها، بإسم العرف القبلي، للتفلّت من المحاسبة. هنا تتحول الحرب الكبرى ١٩٧٥-١٩٩٠، والحروب الصغيرة التي تلتها، الى مجرد حوادث قتل، تتطلّب الاعتذار المتبادل والمصالحة، بين شيوخ العشائر التي وقعت بينها اعمال قتل وثأر. وينتهي الامر بعودة كل شيء الى ما كان عليه سابقا. اي الى اعادة انتاج عناصر الازمة والنزاع مجددا.

ولا يجد المنطق العشائري اي غضاضة في التقلّب باستمرار بين انكار الخلاف – إما بادعاء ان الجميع اخوة او بأنهم ولد عم- وبين إشهار العدواوة حتى الموت. وفي لعبة الاخطاء هذه لا احد يخطيء ولا احد مختلف مع احد اصلا. إذ تقرأ تصريحا للنائب محمد رعد يوقل بأن لا خلاف شيعيا-سنيا، وتسمع الشيخ نعيم قاسم يردد أن الخلاف السني-الشيعي «مستورد»، تتساءل لماذا كل ذلك العناء لتأمين لقاء بين السيد حسن نصرالله والنائب سعد الحريري. المصالحات لا تعلّم شيئا. لا تحاسب احدا. ولا تساهم في استخلاص دروس وعبر او في تغيير احد او جماعة.

الحالة الوحيدة التي نعرفها عن الاستعداد للمحاسبة وردت على لسان السيد حسن نصرالله الذي إعترف بخطائه الشخصي، وخطإ قيادته، في تقدير حجم رد الفعل العسكري الاسرائيلي على خطف الجنديين الاسرائيليين في تموز ٢٠٠٦. فأعلن انه لو علم بحجم رد الفعل الاسرائيلية مسبقا لما امر بعملية الخطف. وفي طور لاحق من السجال حول حرب الـ٣٣ يوما، إنفرد الامين العام لحزب الله دون سائر الزعماد بالاعراب عن استعداده التنحي عن الامانة العامة لحزبه شرط ان يستقيل في المقابل رئيس الوزراء فؤاد السنيورة محاسبة له على سلوكه في تلك الحرب. لا السنيورة إستقال ولا الامين العام تنحى. الاول اعيد تعيينه رئيسا للوزراء مكافأة على اخطائه في تموز ٢٠٠٦ وايار ٢٠٠٧. وإذ طغى انتصار المقاومة في الحرب على خطأ التقدير الستراتيجي، ارتقى السيد حين نصرالله الى مصاف سيّد المقاومة وصاحب النصر الالهي. خير هذا بشرّ ذا، فإذا الله قد عفى.

ولكن من يعتذر مِن لا اقل من ضحايا الحروب الكبيرة والصغيرة ومفقوديها وجرحاها ومشوهيها ومقعديها، اي «ابناء المجتمع» ممن لم ترتكب في حقهم «جرائم ضد امن الدولة» على ما فعله المعتذرون والرافضون للاعتذار مجتمعين بهم؟! في الصلحات العشائرية غالبا ما تنحر الخراف ترميزا لحقن الدم البشري وإيذانا بقطع دورة الدم. من هم الخراف التي تنحر في هذه المصالحات؟

Themes
History Politics
Countries
Lebanon
Published In
As-Safir
Author
Fawwaz Traboulsi
Keywords
History Lebanese Politics Sectarianism Lebanon

Share

More
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

Share as image

Download or share the image, then add the article link in your chosen app. For Instagram Stories, add the link sticker yourself.